في إحدى جلسات اليوم الثاني من مؤتمر النقد السينمائي الدولي، الذي تنظمه هيئة الأفلام، احتضن قصر الثقافة بالرياض ماستر كلاس بعنوان «تقاطعات نقدية» قدّمه الناقد والمبرمج الكندي مارك بيرانسون، وأدار الحوار الناقد شفيق طبارة.
على مدى ساعةٍ كاملة، نسج بيرانسون خيوط حكاية تمتدّ من مقاعد الكتابة النقدية إلى صالات المهرجانات، ومنها إلى موقع التصوير، في رحلةٍ تتقاطع فيها الرؤية بالخبرة، والفكر بالفعل. لم يتحدث عن السينما بوصفها مهنة، بل كطريقةٍ لرؤية العالم من زوايا متعدّدة، من النقد إلى البرمجة إلى الإخراج، مؤكدًا أن «فهم السينما لا يتم من زاوية واحدة، بل من تداخل كل زواياها الممكنة».

«سينما سكوب».. علامة فارقة في النقد المستقل
استهل بيرانسون حديثه بالعودة إلى تجربته في تأسيس وإدارة مجلة «Cinema Scope» التي استمرت أكثر من عقدين، قبل أن تتوقف بعد مسيرة مؤثرة في النقد المستقل.
قال الناقد: «في مرحلةٍ ما، أدركت أنني أعمل بجهد كبير وأخسر المال في الوقت ذاته. مجلة كهذه تحتاج إلى اشتراكات وإعلانات للبقاء، ومع غيابهما لا يمكن الاستمرار. بعد 24 عامًا من النشر، كان لدينا أقل من ألف مشترك فقط.»
ورأى أن جمهور النقد السينمائي المتعمق محدود بطبيعته: «القراء الحقيقيون قليلون. الناس لا يريدون مقالات من ثلاثة آلاف كلمة عن فيلم قد لا يشاهدونه أصلًا. المجلة كانت تخدم مجتمعًا نقديًا صغيرًا ومخلصًا، ولهذا قررت أن أبقي سعرها رمزيًا، لأن الهدف لم يكن الربح بل نشر النقد.»
وأضاف أنه اليوم يفكر في النقد أقل مما كان يفعل سابقًا، مؤكدًا أن اهتمامه تحوّل إلى البرمجة واكتشاف الأفلام الجديدة: «إذا كان البعض يفتقد المجلات القديمة، فبإمكانهم الآن إنشاء مجلاتهم الخاصة عبر الإنترنت. النشر لم يعد المشكلة، التحدي الحقيقي هو الاستمرارية والطاقة للقيام بذلك.»

من النقد إلى البرمجة
انتقل بيرانسون للحديث عن الفرق بين النقد والبرمجة السينمائية حيث قال: «الناقد يشاهد أفلامًا اجتازت مرحلة الإنتاج والاختيار، أما المبرمج فيتعامل مع كم هائل من الأفلام لم يُشاهدها أحد بعد. خلال الخمسة عشر عامًا الأخيرة، تضاعف الإنتاج السينمائي بشكل هائل بسبب التكنولوجيا الرقمية. أحيانًا أمرّ على ألف فيلم في السنة.»
وأوضح أن البرمجة تفرض نوعًا مختلفًا من التفكير: «حين أشاهد فيلمًا كمبرمج، لا أبحث عن التحليل بل عن مدى ملاءمته للعرض، لأي قسم وجمهور يناسب، وهل يمكن أن يُحدث صدى داخل المهرجان.»
وأضاف مبتسمًا: «في برلين كنت أُطالب بمشاهدة أكثر من 120 فيلمًا خلال ثلاثة أيام فقط. لا يمكن تحليلها كلها، بل يجب أن تفكر بسرعة: هل هذا الفيلم يناسب المهرجان؟ أي قسم؟ وأي جمهور؟»
لكنه يعترف أن غريزة الناقد لا تختفي تمامًا: «أحيانًا عندما تشاهد فيلمًا مميزًا، تعود بداخلك روح الناقد تلقائيًا. تودّ أن تفهمه وتدافع عنه حين تقدّمه للجمهور.»
البرمجة مسؤولية جماعية
قال بيرانسون إن اختيار الأفلام لا يعتمد فقط على الذوق الشخصي، بل على توازن دقيق بين الأذواق والمصالح، موضحًا: «من بين مئات الأفلام التي أشاهدها، أحب فعلًا خمسة عشر أو عشرين فقط. لكن البرمجة ليست عملًا شخصيًا. أنت تبرمج لصناع الأفلام، والنقاد، والرعاة، والجمهور المحلي. المهرجان منظومة جماعية، وليس ملكًا لفرد.»

اكتشاف المواهب الجديدة
متعة اكتشاف المخرجين الجدد بـ«الصدفة»، محور آخر تحدث عنه بيرانسون في «الماستر كلاس»، حيث قال: «خلال إحدى زياراتي للصين، التقيت بمنتج جامعي مستقل، أرسل لي لاحقًا فيلمًا بعنوان Kaili Blues للمخرج بي غان. شاهدت الفيلم وشعرت أن خلفه مخرجًا سيواصل طريقه. ربما لم يكن مثاليًا، لكنه كان يملك رؤية صادقة.»
وأضاف أن مثل هذه اللحظات تمثل جوهر العمل البرمجي: «عندما تكتشف صوتًا سينمائيًا جديدًا، تشعر أنك تساهم في تشكيل مستقبل السينما. وهذا أجمل ما في عملنا.»
فيما توقف بيرانسون عند الصعوبات التي يواجهها صناع الأفلام الجدد في تقديم أفلامهم للمهرجانات قائلًا: «كثير من المخرجين لا يعرفون كيف يقدمون أفلامهم أو يتعاملون مع إجراءات التوزيع. الأمر متعب جدًا. العلاقات والتوصيات تساعد، لكن ليست كل شيء. أحيانًا أرسل رمز إعفاء لمن لا يستطيع دفع رسوم التقديم، لكن يظل الطريق معقدًا.»
وأكد أن أغلب الأفلام تصل عبر القنوات الرسمية، غير أن وجود خيط من التواصل الشخصي يظلّ مهمًا: «إذا كنت تعرف من يرسل الفيلم إليك، أو جاءك من خلال صديق أو مخرج آخر، فهذا يفتح الباب للمشاهدة. هذه العلاقات الصغيرة تصنع فارقًا.»

الكاميرا.. قلمًا نقديًا!
روى بيرانسون تجربته في الانتقال إلى الإخراج، معتبرًا أن الكاميرا أصبحت بالنسبة له وسيلة للتفكير النقدي: «في فترات التصوير الطويلة كنت ألتقط لقطات دون تخطيط، فشعرت أن الكاميرا أصبحت كالقلم. كنت أمارس نوعًا من النقد البصري لا الكتابي.»
وتحدث عن مشروعه مع المخرج الفلبيني رايان مارتن، الذي ضمّ أكثر من ستين إشارة إلى أفلام أخرى: «لم نخطط لذلك، لكنها ظهرت تلقائيًا أثناء النقاشات. كانت التجربة فوضوية وجميلة في الوقت نفسه، أقرب إلى مختبر فني مفتوح.»
وأضاف بتأمل: «لفهم أي عمل فني، يجب النظر إليه من كل الزوايا الممكنة. كما لو تنظر إلى زجاجة من جوانب مختلفة لتدركها كاملة. لذلك أرى أن على المرء أن يقترب من السينما بالنقد والبرمجة والإخراج معًا.»
السينما كفعل شخصي
في لحظة صريحة ومؤثرة، تحدّث بيرانسون عن إنتاجه لأحد أفلامه بتمويل ذاتي بالكامل، حيث كشف: «أنتجت الفيلم لأن أحدًا آخر لم يكن سيفعل. كلف العمل عشرة آلاف دولار، المبلغ نفسه الذي ورثته من جدّتي بعد وفاتها، فقررت أن أستخدمه لصنع الفيلم.» مضيفًا: «كان الفيلم غير تقليدي، لأن كواليسه أطول من الفيلم نفسه. لكنها كانت تجربة مهمة لفهم علاقة السينما بالزمن والسرد.”
تواضع التوقعات واتساع الرؤية
اختتم بيرانسون الجلسة بالتأكيد على أن المهرجانات لا تُقام لخلق إجماع على الأذواق، بل لتوسيع حدود السينما، مستطردًا: «لن يتفق الجميع على ما هو فيلم جيد. في برلين كنا نحاول أن نوسّع معنى السينما — أن ننظر إلى تاريخها، ونحاور حاضرها، ونفكر في مستقبلها. لا يمكنك أن تتوقع أن كل ما تشاهده سيكون مذهلًا، لذلك الأفضل أن تبقي توقعاتك منخفضة.»