واصل مؤتمر النقد السينمائي الدولي، الذي تنظمه هيئة الأفلام في قصر الثقافة بالرياض، فعالياته لليوم الثاني، حيث شهد السبت سلسلة من الجلسات الحوارية وورش العمل والعروض التقديمية التي تناولت قضايا جوهرية في العلاقة بين المكان والذاكرة والمعنى السينمائي، إلى جانب مقاربات جديدة في أساليب النقد المعاصر.
واستهلّت فعاليات اليوم بجلسة بعنوان «السينما خارج الحدود»، التي ناقشت أثر الهجرة والمنفى في تشكيل الأسلوب السردي والبصري للمبدعين العرب، وكيف يسهم الانتقال الجغرافي في إعادة تعريف الهوية والإبداع الفني.
استضافت الجلسة نخبة من السينمائيين والنقاد العرب الذين يعيشون ويعملون في أوروبا، في نقاش ثري حول العلاقة بين المكان والهوية في التجارب السينمائية العربية خارج الوطن، وكيف تتقاطع هذه التجارب مع فكرة «الحنين» وتمثيل الذات أمام الآخر.
وتطرقت محاورها إلى عدة أسئلة أبرزها: عن كيف يعبّر المخرج العربي المقيم في الغرب عن ذاته وهويته الثقافية؟ وهل تظل السينما وسيلة لاستعادة الوطن، أم تتحول إلى خطاب موجّه نحو الغرب؟
وكيف يمكن للسينما أن توازن بين الأصالة واللغة العالمية؟ وأدارها الناقد حسين الضو، وكان في ضيافتها كل من المخرج الفلسطيني محمد قبلاوي، مؤسس مهرجان مالمو السينمائي، والمخرجة التونسية لمياء قيقة، والمخرج والمنتج العراقي محمد الدراجي.

السينما بين تمثيل الذات وتقنينها
طرحت المخرجة التونسية لمياء قيقة سؤالًا محوريًا خلال الجلسة وهو: «هل يتحوّل الفيلم العربي أحيانًا من تمثيلٍ للذات إلى تقنينٍ للذات بوصفها الآخر الغريب أمام الغرب؟»
ناقش الحضور هذه الفكرة بإجماع على أن بعض الأفلام العربية المدعومة من أوروبا تتبنّى أحيانًا صورة نمطية عن العالم العربي، تميل إلى تكرار ما يريده الغرب أن يراه، لا ما يعكس الواقع الفعلي للمجتمعات العربية.لافتة إلى أن بعض المخرجين التونسيين الذين يعيشون في الخارج يواصلون تناول واقعهم الأصلي بوعي أكبر، لأن المسافة تمنحهم منظور مختلف.
وقالت قيقة إن هناك قضايا ما تزال غائبة عن السينما العربية، مثل صورة المرأة السعيدة، الناجحة، والمتحررة من العنف، مؤكدة أن الغرب لا يزال يفضّل رؤية «المرأة الضحية»، وهو ما يحدّ من تنوع الصورة السينمائية.
وأضافت: «على الفنان أن يكون واعيًا بدوره، وأن لا يتنازل عن مبادئه أو رؤيته لمجرد إرضاء منصات الدعم أو التوجهات الجماهيرية في الغرب. فالفنان مشروع للإنسانية قبل أن يكون مشروعًا للتمويل».
كما أشارت إلى أن المخرج العربي يُحاصر بأسئلة لا تُطرح على المخرج الغربي، وكأن تجاوز «حدود الهوية» جريمة فنية، مؤكدة أهمية التجريب والانفتاح على الأنماط الجديدة كما فعل المخرج التونسي جيلاني السعدي الذي قدّم تجربة في سينما الرعب، متجاوزًا التوقعات المسبقة عن السينما التونسية.

الهوية المتحركة ورؤية الداخل
تطرقت الجلسة إلى الحديث عن المخرجين الناطقين بالعربية المقيمين في أوروبا، الذين يشكّلون مجتمعًا عربيًا متكاملًا يتجاوز 30 مليون شخص. وأوضح محمد قبلاوي أن هؤلاء المخرجين يحملون مخزونًا جغرافيًا وتاريخيًا مزدوجًا، يجعلهم قادرين على رواية الحكاية من الداخل، انطلاقًا من معايشة الواقع العربي، وفي الوقت ذاته من منظور منفتح على التجربة الأوروبية.
وأشار قبلاوي إلى أن الفارق بين المخرج المقيم في المهجر والمخرج الغربي المتعاطف مع القضايا العربية هو زاوية السرد: فالعربي يروي من عمق التجربة، بينما الغربي يظلّ مراقبًا.
وضُرب مثال بفيلم «كفرناحوم» لنادين لبكي، الذي حمل رؤية إنسانية عالمية بلغة أوروبية، لكنه وجّه رسائل لا يفهمها إلا من عاش الواقع اللبناني والعربي بكل تعقيداته.

الوطن والحنين والقطيعة
تحدث المخرج العراقي محمد الدراجي عن تجربته الشخصية بين العراق وبريطانيا، مؤكدًا أن الهوية ليست ثابتة بل تتحرك بتطور الإنسان ووعيه.
قال: «منذ عام 2003 وأنا أتعامل مع القضايا العراقية من موقع المراقب والمشارك في آن واحد، فكل فيلم هو امتداد لذاكرة وذهنية تتطور وتبحث عن معنى الوطن في المنفى».
أوضح الدراجي أن تجربة الغربة خلقَت في داخله «لوعةً» تحوّلت إلى مادة سينمائية؛ ولهذا تتكرر في أفلامه رموز مثل الحقيبة، الطفل، المرأة، الجندي — رموز الحرب والرحيل والبراءة والفقد.
وأضاف أن علاقته بالعراق معقدة: «حين أكون في العراق أشعر أنني غريب، وحين أخرج منه أدرك كم أنا عراقي. هذه المفارقة تصنع نظرتي للسينما ولذاتي».
بين اللغتين العربية والعالمية
في ختام الجلسة، تطرق النقاش إلى محدودية وصول الأفلام العربية إلى المسابقات الرئيسية في المهرجانات الكبرى، مقارنة بأفلام أمريكا اللاتينية أو أوروبا الشرقية. ولفت المتحدثون إلى أن المخرج العربي المقيم في الغرب لا يفقد هويته، بل يعيد صياغتها عبر الحنين من جهة، والتقنيات الأوروبية من جهة أخرى.
وأشاروا إلى تجربة المخرج الفلسطيني إيليا سليمان في فيلمه الأخير الذي تناول القضية الفلسطينية من خلال لغة سينمائية شبه صامتة، لكنها عالمية في دقتها البصرية وعمقها الإنساني، فسليمان استطاع أن يمزج بين الحنين إلى الوطن واللغة البصرية الكونية، ليخاطب العالم من دون أن يتخلى عن جوهر انتمائه.
واختُتمت الجلسة بالتأكيد على أهمية المهرجانات العربية مثل مهرجان مالمو للسينما العربية، التي تتيح فضاءً بديلًا لعرض هذه التجارب «الهجينة»، التي تعبّر عن هوية عربية في قالب عالمي، وتعيد تعريف حضور السينما العربية في المشهد الدولي.