قال المخرج الأفغاني الهولندي أبوزار أميني إن فيلمه الجديد «كابول، بين الصلوات» ليس عن طالبان بقدر ما هو عن الجيل الذي فُقد بين الحروب، وعن أولئك الفتيان الذين لم يعرفوا سوى السلاح والانتظار، والذين أصبحوا أسرى لأفكارٍ لم يختاروها.
وعرض الفيلم للمرة الأولى ضمن عروض خارج المسابقة في مهرجان فينيسيا السينمائي بدورته الماضية ويعرض اليوم ضمن مسابقة الأفلام الوثائقية في مهرجان الجونة السينمائي بعرضه العربي الأول في المنطقة.
وأضاف أميني في مقابلة مع «فاصلة» أنّه لم يصنع فيلمه ليُدين أو يُبرّر، بل ليُصغي إلى ما يُقال في صمتٍ تحت طبقات الخوف موضحًا أن السينما بالنسبة له ليست وسيلةً لتفسير العالم، بل لمحاولة رؤيته من جديد، «أردت أن أضع الكاميرا في قلب تلك التناقضات، حيث يصبح الإيمان سلاحًا، والطفولة تدريبًا على الموت، وحيث يبحث الإنسان عن الله بين الأنقاض».

وأكد أميني أن «كابول، بين الصلوات» هو الجزء الثاني من ثلاثيةٍ سينمائية بدأها بفيلم «كابول، مدينة في مهب الريح» عام 2018، الذي صُوّر في ظل النظام الجمهوري، بينما يوثّق العمل الجديد الحياة تحت النظام الديني الأيديولوجي بعد عودة طالبان إلى الحكم. أما الجزء الثالث الجاري تصويره حاليًا، فيحمل عنوان «كابول، السنة صفر»، ويتناول مصير الأطفال في مناطق الحروب مثل أفغانستان والعراق وأوكرانيا.
وأضاف «كل جزءٍ في هذه الثلاثية هو محاولة لفهم كيف يتبدّل معنى الحياة حين تُحاصر داخل الأيديولوجيا، وكيف يختفي الإنسان خلف الشعارات»، مشيرًا إلى أنه اضطر لإخراج الفيلم عن بُعد بسبب منعه من العودة إلى بلاده، لكنه يرى أن ذلك البُعد فتح أمامه رؤيةً أعمق.

وقال أميني إنّ فيلمه كان تجربة إخراج من المنفى، جعلته يرى وطنه من خلال الحنين، ومن خلال المسافة التي تعيد تعريف كل شيء، وأنه ربما لم يكن ليصنع هذا الفيلم لو كان قريبًا منه، لأن الغياب يمنح المخرج عينًا أخرى وقدرةً على التأمل في التفاصيل التي قد تمرّ عادية على من يعيشها كل يوم.
وأوضح وهو يتحدث عن بنية العمل أن السينما بالنسبة له فعل شهادة لا فعل دعاية، فهو لا يرى نفسه واعظًا أو قاضيًا، بل فنانًا يريد أن يخلق مساحة يمكن فيها مراقبة الحياة دون تدخل، تاركًا للمشاهد حرية التأمل واكتشاف المعنى بنفسه، لأن الفن الصادق لا يطمئن الناس، بل يجعلهم يرون ما لا يريدون رؤيته.
وبيّن أميني أنّ الإيقاع البطيء للفيلم مقصود، لأنه يريد للمتفرّج أن يعيش الزمن لا أن يستهلك الصورة، موضحًا أن السينما ليست مثل الأخبار التي تنقل حدثًا سريعًا، بل هي تجربة ممتدة تمنح المشاهد فرصةً للتفكير والشعور، فالخبر يقول ماذا حدث، أما السينما فتسأل لماذا حدث وكيف نعيشه.
وتابع قائلًا إنه اعتمد في التصوير على قاعدة واحدة تقوم على أن يكون المخرج شبحًا لا يقطع اللحظة، لأن الحقيقة لا تظهر في ذروة الحركة، بل في السكون الذي يليها. وفي تلك اللحظات التي لا يتوقعها أحد يخرج الصدق من عيون الشخصيات، مشيراً إلى أنه كان يحرص على أن تظل الكاميرا قريبة من أبطاله الثلاثة كأنها تتنفس معهم، من غير أن تتدخل فيما يقولون أو يفعلون.
وأوضح أن الحصول على موافقة المشاركين تم دائمًا على أساسٍ من الوضوح الكامل، مشيرا إلى أنه أبلغهم منذ البداية بأنهم يملكون الحق في أن يقرروا ما يريدون إظهاره أو إخفاءه، لأن الكاميرا ليست أداة سلطة، بل مرآة، ومن دون هذا الاتفاق الصريح لا يمكن لأي فيلم وثائقي أن يكون صادقًا.

وعن عنصر الصوت، أوضح أميني أنّه كان محوريًا في بناء الجو النفسي للفيلم، مشيراً إلى أنه سجّل الأصوات الأصلية من شوارع كابول وأسواقها وصلواتها ورياحها، ثم أعاد دمجها لاحقًا في التصميم الصوتي للحفاظ على صدق المكان.
وأضاف أن الصمت نفسه جزء من الموسيقى الداخلية للفيلم، وأحيانا يقول أكثر مما تقول الصورة، فالصوت في أفغانستان هو الذاكرة، والأذان والريح ودراجات المقاتلين كلها شواهد على حياةٍ لا تهدأ.
وبيّن أنّه خلال المونتاج اضطر إلى حذف مشاهد قوية رغم تعلّقه بها، لأن الحفاظ على التماسك السردي أهم من التمسك بلقطاتٍ مؤثرة، موضحا أن أول دروس الإخراج أن تقتل مشاهدك المحبوبة حين تخلّ بالتوازن العام، فالفيلم مثل القصيدة، إذا اختلّ وزنها فقدت معناها.

وفي تحليله لمغزى العمل، أوضح أميني أن “كابول، بين الصلوات” لا يتناول طالبان كظاهرةٍ سياسية فحسب، بل كحالةٍ إنسانية يعيشها جيلٌ ضائع من الشباب الأفغان الذين يجدون أنفسهم بين القداسة واليأس، بين الحلم بالشهادة والرغبة في الحياة، لأن المتطرف ليس وحشًا بالضرورة، بل هو طفلٌ لم يُمنح فرصةً للسلام.
ومن خلال هذا المنظور يقدّم الفيلم ثلاث شخصيات رئيسية من الإخوة الأفغان الذين يعيشون في كابول بعد عودة طالبان إلى الحكم. يتصدرهم سميم، الشاب البالغ من العمر ثلاثةً وعشرين عامًا، ذو الملامح الوسيمة والنظرة الواثقة، الذي يحمل بندقيته بحماسة المقاتل وإيمان المتبتّل. إنه في الوقت ذاته ابنٌ بارّ بوالده العجوز، يعمل في الحقل، ويضحك مع إخوته، ويحلم بأن يكون شهيداً في سبيل الله، وعلى النقيض من مظهره الطفولي، يتحدث بابتسامة عن مصير «الكفار» كما يراه من خلف منظومته العقائدية المغلقة.
أما رافي، شقيقه الأصغر البالغ من العمر أربعة عشر عامًا، فهو تلميذ ذلك النموذج ومحبّه، يقلده في كل شيء، ويرى في الحرب امتدادًا للحياة نفسها، وحين يُسأل عن آياتٍ من القرآن يحفظها عن ظهر قلب، يعجز عن شرح معناها، ثم يأتي الأخ الأصغر إلياس، الذي يتعلم العنف كما يتعلم اللعب، ومن خلال هؤلاء الثلاثة، يبني المخرج لوحةً تمزج بين العادية والمأساة، وبين الطفولة والتمرد، في بلدٍ يعيش بين الحرب والدين.

وعن مشهد الصلاة الذي يؤديه سميم فوق التلّ حاملًا بندقيته، قال أميني إنه اللحظة المفتاحية للفيلم، ففي تلك النقطة التي يلتقي فيها الدعاء بالسلاح تنكشف المأساة كلها، وعندما يبكي سميم وهو يطلب من الله أن يقبل استشهاد الانتحاريين، يفهم المشاهد أن الإيمان يمكن أن يتحوّل إلى عبءٍ قاتل حين يُختزل في طاعةٍ عمياء.
وتظهر التناقضات نفسها في مشاهد أخرى، حيث يقود سميم دراجته وسط موكبٍ من مقاتلي طالبان، يبتسم ويلهو ويشجع أصدقاءه على أن يبدوا «رائعين» أمام الكاميرا، هنا تتحول الحرب إلى لعبةٍ، والإيمان إلى استعراضٍ، في مفارقةٍ مؤلمة تُلخّص جوهر الفيلم.

وأشار المخرج إلى أنّه كرّر تقنية استخدمها في فيلمه الأول، تقوم على اللقطات القريبة الثابتة للوجوه التي تحوّل الكاميرا إلى نوعٍ من الاعتراف الصامت، مشيراً إلى أنه حين نظر في عيني رافي وهو يعجز عن تفسير الآية التي يرددها، أدرك حجم الفجوة بين ما يُلقَّن له وما يفهمه، ولم يرد أن يشرح بالكلمات، بل بالصورة فقط.
ثم تحدث عن المرأة في الفيلم، مؤكدًا أن حضورها القليل هو الأكثر إيلامًا. وقال إن المشاهد التي تظهر فيها النساء ليست رمزيةً مفتعلة، بل شهاداتٌ صامتة على القهر. المرأة التي تنام في سيارة على الطريق، والفتاتان اللتان تتجولان وسط العاصفة الثلجية، تعبّرن عن الإقصاء والخذلان بأصدق الطرق: بالصمت والحضور الهش، مؤكداً أن مشهد الفتاة التي تُعتقل ليلًا وترفض الكلام هو بالنسبة له مرآةٌ لحال المرأة الأفغانية اليوم، فصمتها لم يعد استسلامًا بل مقاومةً أخيرة، صمت القوة لا صمت الضعف.
وأوضح أن الكاميرا في هذه اللحظات لا تبحث عن رمزيةٍ مباشرة، بل تترك الصورة تتكلم بذاتها، فالشارع هو الفضاء الوحيد الذي لا تستطيع السلطة احتكاره بالكامل، وفيه تظهر النساء كأشباحٍ حاضرةٍ وغائبة في الوقت نفسه.

وفي حديثه عن صعوبة الإنتاج، قال أميني إن الفيلم كان ثمرة تعاونٍ دقيق بين فريقٍ محلي في أفغانستان وشبكة إنتاج أوروبية بين هولندا وبلجيكا، مضيفًا أن العمل تم في ظروفٍ أمنيةٍ معقدة جدًا، وأن بعض المشاركين اضطروا إلى تغيير أماكن إقامتهم أكثر من مرة خوفًا من الملاحقة، موضحًا أن السينما في مثل هذه البيئات تصبح فعل شجاعةٍ جماعية، لا مجرد تجربةٍ فنية.
وختم المخرج حديثه قائلًا إنه يرجو أن يترك الفيلم في ذهن المشاهد أسئلة أكثر من الإجابات، تمامًا كما فعل فيلم «منطقة الاهتمام» لجوناثان غليزر الذي يتعامل مع مفهوم تفاهة الشر المعاصر، مشيرًا إلى أنه يريد أن يخرج المشاهد من القاعة وهو يتساءل عن معنى الإيمان، وعن معنى الطاعة.
اقرأ أيضا: «ستيف» يعرّي قساوة النظام