كثيراً ما ترد أوصاف مثل «الأسطوري»، «الاستثنائي»، «المختلف» في وصف أعمال أو مبدعين أو رياضين وغيرهم من العاملين في صناعات ارتبطت بالترفيه، ولكن نادراً ما تطلق هذه الاوصاف على من يستحقها. ومستحقيها دومًا قليلون. وفي زماننا الراهن، يصعب أن تجد من يستحقها أكثر من مارتن سكورسيزي، الذي لن تجد محبًا للسينما غير المهووس بكاميراه وأفلامه.
استغرقت المخرجة ربيكا ميلر خمس ساعات في سرد تفاصيل عظمة سكورسيزي بأكثر شكل يحبه، في سلسلة وثائقية تذكر بالأفلام الوثائقية التي طالما صنعها سكورسيزي في شبابه عن موسيقييه المفضلين أمثال جورج هاريسون وبوب ديلان والرولينج ستونز. فغاصت ريبيكا ميلر في حياة سكورسيزي في مسلسل «السيد سكورسيزي Mr Scorsese»، الذي تتبع فيه حياته منذ سنوات نشأته الأولى في شوارع مانهاتن السفلى القاسية، وحتى وقت تحضير فيلمه «قتلة زهرة القمر Killers of the Flower Moon» (2023).
يعج فيلم «السيد سكورسيزي» بمشاهد أرشيفية من حياته وكواليس أفلامه بعضها لم يُرَ من قبل، يصاحبها استعراض دقيق لأفلامه، وتأمل تناقضاته بين النور والظلمة، بمشاركة أقرب المتعاونين معه وأفراد عائلته، والرجل نفسه.
حاز المسلسل على اهتمام كبير بعد عرضه لأول مرة في مهرجان نيويورك السينمائي، وينتظر طرحه يوم 17 أكتوبر على منصة آبل (Apple TV+).
من منهاتن إلى شاشة السينما
في الحلقتين الأولى والثانية، بحسب موقع مجلة «Rolling stone» تعود ميلر إلى مارتن طفلاً، حين كان يسكن في حي كورونا في كوينز، إحدى مناطق نيويورك الصاخبة العنيفة مع والديه وأخيه الأكبر.
اعتبر هذا الحي بمثابة جنّة له، حيث يعجّ بجيرانه المحتفظين بإيطاليتهم، المعتزين بها والناقمين عليها مثله، وسط أجواء الطبقة الوسطى الصاعدة. إلى أن تورّط والده تشارلز، العامل في صناعة الأزياء، في شجار مع مالك العقار بسبب غيرة مالك العقار من أبيه.
يحكي سكورسيزي عن تلك اللحظة المفصلية في حياته ويقول: «كل ما أتذكره أن أحدهم أخرج فأسًا». مؤكدًا أنه لم يعرف قط سبب ذلك الشجار الأخير الذي خرج فيه الخلاف عن السيطرة. لكنه شهد كل شيء، من لحظة ميلاد وتصاعد التوتر وحتى وصوله إلى ما يصفه بـ”نقطة المأساة”، حين اضطرت عائلته للرحيل من الحي الذي أحبه تفادياً لمزيد من المشكلات الخطرة. يعلق سكورسيزي للكاميرا بأسى: «طُردنا من الفردوس»، قبل أن يضيف: «عُدنا إلى العمارات القديمة إلى شقة صغيرة في شارع إليزابيث بحيّ (ليتل إيتالي). والبقية كما يقولون مجرد تاريخ». ومنذ تلك اللحظة غدت حياة سكورسيزي مرتعًا للعنف.
بذكاء لافت، ربطت المخرجة تلك اللحظات التي يتحدث سكورسيزي عن تلك الحادثة في بداية الفيلم، بسلسلة من مشاهد أفلامه التي يظهر فيها الأطفال شهودًا على العنف مثل «الثور الهائج Raging Bull» و«الأيرلندي The Irishman»، وهي لعبة دأبت عليها المخرجة طوال المسلسل لترينا كيف كانت حياة سكورسيزي الصاخبة ملهمة له في أفلامه.

عرض الوثائقي محطات مارتن من طفولته في أحياء منهاتن إلى جامعة نيويورك، وفترة التدريب مع روجر كورمان، ثم سنوات الكوكايين المليئة (الستينيات والسبعينيات) بالنجاح والانهيار، فالعودة من حافة الموت. وارتكز إلى محطة بارزة في حياته وهي سنوات «الكهنوت» أي الفترة التي أعاد سكورسيزي فيها – أثناء مراهقته – اكتشاف كاثوليكيته وقرر أن يصبح قسًا. يعلق على تلك الفترة بأنها كانت «محاولة تكريس نفسك للآخرين». إلا انه لم يشعر بالانتماء لعالم الكهنوت المنضبط، ولم يكن يشعر أنه يريد أن يكمل حياته فيه، إلى أن طُرد منه لأنه «أساء التصرف»، حسبما قال في المسلسل.

شاشة سكورسيزي الأولى
ينقل موقع إندي واير «indiewire» تركيز الفيلم على مرحلة أخرى مهمة من طفولة سكورسيزي، وهي فترة مرضه بالربو الذي جعله حبيس غرفته، يشاهد العالم من خلف النافذة، ما شكّل عدسته السينمائية المبكرة، كما يشير كاتب السيناريو نيكولاس بيليغي. يقول سكورسيزي إن هذا السبب جعله يحب اللقطات العالية الزاوية، تنتقل كاميرا ربيكا للمخرج سبايك لي الذي يعلق مازحًا: «شكرًا للرب على الربو!»
يعرج الوثائقي بعد ذلك على أزمة صحية أخرى تعرض لها سكورسيزي عام 1978، تروي زوجته السابقة إيزابيلا روسيليني تفاصيلها، وتكشف عن غضبه المدمر آنذاك: «كان يستطيع أن يدمّر غرفة كاملة». تتذكر أنه كان يستيقظ غاضبًا يتمتم «تبًا، تبًا» بلا سبب، لكنه كان يحوّل هذا الغضب إلى طاقة إبداعية. وتضيف: «ذلك الغضب منحه القدرة على التحمل»، قبل أن يعترف سكورسيزي بأن العلاج النفسي أنقذ حياته قائلًا: «لولا الطبيب، لكنت ميتًا، خمس جلسات أسبوعيًا ومكالمات في العطلات، ساعدوني كثيرًا».

سكورسيزي نادمًا
قصة أخرى مثيرة تطرق إليها الفيلم في سبعينيات القرن الماضي، بحسب «Independent»، وهي أزمة فيلم «سائق التاكسي Taxi Driver»، التي يصفها سكورسيزي بأنها: «كانت تجربة رائعة»، قبل أن تتبدّل نبرة صوته ويبدأ الحديث عن غضب الاستوديو من الفيلم بسبب العنف واللغة، والطريقة «المزعجة» التي صوّر بها الجانب السفلي من نيويورك. وعندما منحت هيئة تصنيف الأفلام MPAA الفيلم تصنيف X الذي يمنح لأفلام العنف والإباحية، أخبرته شركة كولومبيا أنه عليه أن يخفف الفيلم ليحصل على تصنيف R، أو سيقومون هم بالمهمة، ملمحين إلى حذف المشهد الأخير من الفيلم -مشهد قطع اليد-.
يصف سكورسيزي رد فعله وقتئذ بقوله: «فقدت أعصابي». تسأله ميلر عمّا فعله تحديدًا، فيعيد كلامه بتوتر ويبتسم ابتسامة عريضة، وكأنه يسترجع جنون تلك اللحظة، ويخبرها أنه اتصل بصديقيه ستيفن سبيلبرغ وبراين دي بالما، وطلب منهما الحضور إلى منزله ليطلب منهما النصيحة.
المخرج ستيفن سبيلبرغ، يتذكر تلك المكالمة بينهما، ويحكي لمخرجة الفيلم إنه تلقى اتصالًا من سكورسيزي قال له فيه: «ستيف، إنهم يريدون حذف مشاهد الدم، يريدون حذف اللقطة التي يفقد فيها الرجل يده!»
يعترف سكورسيزي بأنه فكّر جديًا في أن اقتناء سلاح: «كنت سأشتري واحدًا… أو هكذا قلت على الأقل. لم أكن أعلم ما كنت أفعله، كنت فقط غاضبًا وأهدد … كنت أريد اقتحام مكان النسخة الأولية وسرقتها. قلت لنفسي: سيُتلفون الفيلم على أي حال، فليكن أنا من يُتلفه، على الأقل سأفعلها بطريقتي».
ويذكر أن سبيلبرغ تدخّل لتهدئته، قائلاً له: «مارتي، توقف، لا يمكنك فعل هذا».
وفي النهاية توصّل سكورسيزي إلى حلّ تقني ذكي، إذ خفّف من تشبع ألوان المشهد الدموي، ما سمح بتمريره من الرقابة دون حذف أي لقطة، وهو ما وصفه سبيلبرغ بأنه قرار أنقذ الفيلم.
ورغم كل الجدل الذي أثاره Taxi Driver بسبب عنفه الصادم وتجسيد جودي فوستر (وكانت في الثانية عشرة من عمرها) لدور فتاة ليل، فإن الفيلم حقق نجاحًا نقديًا وتجاريًا كبيرًا، وأصبح من كلاسيكيات السينما الأمريكية.

سنوات الإدمان والشرود
تطرق الوثائقي أيضًا لسنوات الظلام التي قضاها سكورسيزي في السبعينيات وهو يتعاطى الكوكايين مع الموسيقي روبي روبرتسون وعلق عليها قائلًا: «المشكلة أنك تستمتع بالخطيئة. عندما كنت سيئًا، كنت أستمتع بها كثيرًا». لافتًا إلى أنه طوال حياته كان شاهدًا على الكثير من العنف والظلم، مما أثر على نظرته إلى أفلامه.
اقرأ أيضا: ينابيع مارتن سكورسيزي