فاصلة

مقالات

ماراثون بودابست… لماذا نحتاج مهرجانًا للأفلام الكلاسيكية؟

Reading Time: 4 minutes

للعام الثاني على التوالي تسمح لي الظروف بحضور ماراثون بودابست للأفلام الكلاسيكية، المهرجان شديد الخصوصية التي تستضيفه العاصمة المجرية في شهر سبتمبر من كل عام، والذي استضاف اجتماعات الجمعية العمومية للاتحاد الدولي للنقاد (فيبريسي)، متيحًا للنقاد من 30 دولة، من بينها مصر والسعودية، الاطلاع على هذا الحدث المثير للإعجاب والشجون.

وجود مهرجان كامل مخصص للأفلام الكلاسيكية ليس فكرة جديدة في حد ذاتها، فهناك مهرجانان أقدم وأشهر في هذا المجال: لوميير في ليون الفرنسية وريتروفاتو Ritrovato في بولونيا الإيطالية، لكن ما يميز هذا المهرجان هو اعتيادية مكانه. فمهرجان لوميير فكرة منطقية تمامًا، يُقام عبر مؤسسة الأخوين لوميير مخترعي السينماتوغراف في المدينة التي شهدت الاختراع، بل ويستضيف كل عام مخرجًا عالميًا ليقوم بإعادة تصوير نسخة على طريقته من «خروج العمال من المصنع»، فيلم الأخوين لوميير الشهير الذي تم تصويره عام 1985 ليوصف بأنه أول شريط سينمائي في التاريخ.

أما ريتروفاتو فينظمه سينماتك بولونيا، أحد أهم وأقدم مؤسسات الأرشيف السينمائي في العالم، والذي تأسس عام 1962 ويعد أحد أنشط المؤسسات العالمية في مجال ترميم الأفلام الكلاسيكية سنويًا، بصورة تكاد تجعله مركز صناعة الترميم في أوروبا، إن لم يكن في العالم كله. من المنطقي إذن أن تستضيف المدينتان الفرنسية والإيطالية مهرجانين للكلاسيكيات، ناهيك عن كون كلًا منهما تعبيرًا عن صناعة سينمائية عريقة في البلدين الأكثر تأثيرًا في صناعة السينما الأوروبية.

ماراثون بودابست.. لماذا نحتاج مهرجانًا للأفلام الكلاسيكية؟
مسرح يورانيا

الأمر يختلف كليًا بالنسبة لبودابست؛ فالمجر وإن كانت من الدول التي عرفت السينما مبكرًا جدًا، لكن لا يمكن القول بأن لها إسهام كبير في تاريخ السينما العالمية. صحيح إننا نعرف بعض المخرجين المجريين المشاهير مثل بيلا تار واشتفان زابو وميكلوش جانسكو وإلديكو إنييدي، لكن من العسير مقارنتهم بنظائرهم الفرنسيين والإيطاليين، أو اعتبار بودابست مركزًا للسينما الكلاسيكية في أي نطاق.

من هنا تأتي أهمية ماراثون بودابست للأفلام الكلاسيكية، من كونه يخبرنا إنه ليس من الضروري على المدينة أن تكون ذات تاريخ سينمائي واسع كي تحتفي بتراث السينما، بل إن أمتع ما في الفن السابع هي قدرته على تجاوز حدود البلاد والقوميات، فالأفلام العظيمة عظيمة في كل مكان، والجمهور يقدرها ويحتفي بها بغض النظر عن انتمائها المباشر لتراثه الوطني، وهو ما حققه الماراثون للعام الثامن بنجاح كبير.

ماراثون بودابست.. لماذا نحتاج مهرجانًا للأفلام الكلاسيكية؟
تيري فريمو

فريمو في الافتتاح

افتتاح المهرجان استضافه كالعادة مسرح أورانيا الوطني Uránia، الذي استضاف أول عرض لفيلم من إنتاج محلي مجري عام 1901، والذي يمكن اعتباره المركز التاريخي للسينما المحلية، وقد امتلأ المسرح عن آخره لمشاهدة العرض الأول للنسخة المرممة من فيلم «أن تكون جوليا Being Julia»، الفيلم الذي صنعه المجري اشتفان زابو عام 2004 من إنتاج دولي مشترك بين أربعة دول، ناطقًا بالإنجليزية ومن بطولة فريق عالمي تتصدره النجمة الأمريكية آنيت بيننج التي ترشحت عن دورها في الفيلم لجائزة أوسكار أحسن ممثلة.

الفيلم ليس أفضل أفلام مخرجه، الذي يظل «ميفيستو Mephisto» الفائز بأوسكار أحسن فيلم أجنبي عام 1981 هو عمله الأفضل والأكثر شهرة. لكن الحقيقة أن قيمة مهرجانات الكلاسيكيات تتجلى في لحظات كهذه، فالتراث لا يقتصر فقط على الأفلام الأيقونية، بل إن ترميم وإعادة عرض ومناقشة فيلم صُنع قبل عقدين أمر شيّق، يُكرس للسينما باعتبارها فن طويل العمر، تعيش الأفلام فيه للأبد حتى بعد رحيل كل من عملوا فيها.

لكن قبل عرض الفيلم استقبل مسرح الافتتاح ضيفًا خاصًا هو تيري فريمو، الذي يعرفه العالم عادةً باعتباره مدير مهرجان كان، لكنه شارك هنا باعتباره مديرًا لمعهد لوميير ومهرجان ليون. فريمو تحدث عن أهمية السينما الثقافية والحضارية كإرث ينبغي الحفاظ عليه، قبل أن يقوم بفقرة محببة لجميع محبي الكلاسيكيات: عرض مجموعة من أفلام الاخوين لوميير مصحوبة بتعليق صوتي مباشر على الشرائط، ليضعها في سياقها التاريخي ويشير لأهم ما فيها، مع الكثير من الملاحظات الساخرة والطريفة على الأفلام التي يفوق عمر بعضها القرن وربع القرن.

هل نرى حدثًا عربيًا مماثلًا؟

عروض ماراثون بودابست استمرت ستة أيام في أكثر من شاشة، لعل أكثرها إثارة للدهشة هي ساحة سان ستيفان أمام كنيسة البازيليك في قلب العاصمة المجرية، حيث نُصبت شاشة ضخمة ووضعت مئات المقاعد التي تعرض في كل ليلة الأفلام مجانًا لمن يرغب من المواطنين. العروض التي امتلأت بشكل مدهش في كل ليلة، أحيانًا لمشاهدة أفلام لا يعرفها إلا المحبين المخلصين، في تأكيد متكرر على أن الجمهور في كل مكان يتعطش للسينما الجميلة.

السينما في الساحة
السينما في الساحة

هذا الإقبال الواضح في مدينة لا يتجاوز تعداد سكانها مليونيّ نسمة، ليس لها تاريخ سينمائي بارز، هو أمر يدعو للغبطة المحملة بالشجون، فالسينما العربية رغم تاريخها الطويل وعدد الأفلام المؤثرة التي انتجتها، لا تمتلك أي مهرجان مشابه مُخصص للكلاسيكيات، وحتى عرض الأفلام الكلاسيكية والمرممة في المهرجانات العربية الكبرى يأتي عادة في إطار تكريم فنان ما أو الاحتفاء بمناسبة خاصة، ويتم التعامل معه في كثير من الأحيان باعتباره أمر شكلي يهدف لاستكمال برنامج المهرجان، دون استثمار جهد في تنظيمه وترويجه كذلك المخصص لعروض الأفلام الجديدة.

ماراثون بودابست.. لماذا نحتاج مهرجانًا للأفلام الكلاسيكية؟

اليوم يحتاج الجمهور العربي لحدث كهذا يربطه بتراث السينما، المحلية والإقليمية والعالمية، في ظل الحراك الواضح والإنتاج المتزايد في أغلب الدول العربية وعلى رأسها المملكة العربية السعودية. بل أقول أن صناع الأفلام أيضًا في حاجة للأمر، في ظل ما نلاحظه من اقتصار معرفة بعض الصناع الشباب على السينما الحديثة والأمريكية، وكأن تاريخ السينما قد بدأ عندما تعرفوا عليها.

فلننتظر يومًا يتحقق فيه الحلم، ونجد مهرجانًا عربيًا مثل ماراثون بودابست للكلاسيكيات، يعطي تاريخ السينما ما يستحق من تقدير، ويقدم للجمهور التراث السينمائي في إطار ثقافي معاصر نستحقه جميعًا.

اقرأ أيضا: «موجة جديدة».. تحية مهذبة لتاريخ سينمائي عظيم

شارك هذا المنشور