فاصلة

مراجعات

«معركة تلو الأخرى»… هل تورط الجميع في حب فيلم بول توماس أندرسون؟

Reading Time: 6 minutes

هو الفيلم الأهم على الصعيد العالمي خلال النصف الثاني من العام بلا منازع، فاق نجاحه الأفلام الأمريكية الكثيرة التي عرضها مهرجان فينيسيا الذي تُكتشف فيه عادة أشهر أفلام هوليوود خلال الأعوام الأخيرة، ومنها فيلم جيم جارموش الذي نال الأسد الذهبي، لكنه سيمر على الأغلب مرور الكرام قياسًا على حجمه وتأثيره المحدود في مسيرة صانعه.

جاء «معركة تلو الأخرى A Battle After Another» كعصا موسى ليلتهم كل الأفلام المنافسة، ويتحول سريعًا ظاهرة إعلامية يتسارع الجميع للحديث عنها ومراجعتها، بصورة لم تحدث بهذا الحجم منذ عُرض «أوبنهايمر» كريستوفر نولان قبل عامين. شاهدت الفيلم، وتابعت بعض المراجعات الكثيرة عربيًا ودوليًا والتي تكاد كلها تنتهج نفس البناء: تشير لظاهرة رواج الفيلم، تتحفظ على الاهتمام الذي يبدو من حجمه مدفوعًا بجهود ترويجية، ثم تندفع في الحديث المتحمس عن الفيلم باعتباره انجاز العام السينمائي الأكبر. وكأن أغلب المراجعين يقول ضمنًا: «قد يكون الإعجاب العام بالفيلم نتيجة حملة دعائية ناجحة، لكني سأبدي إعجابي به لأسباب فنية فقط».

العبارة كما هو واضح تأكل نفسها: فلو كان إعجابك به لأسباب فنية، ما الذي يمنع أن يكون ذلك هو موقف الجميع؟ وإذا كنت ترى أن ثمّة حملة ممنهجة لترويج الفيلم، فلماذا تساهم فيها بمراجعتك الإيجابية؟

تقديري المحدود أن الصياغة تحمل اعتذارًا ضمنيًا عن المساهمة في سردية كبرى عن فيلم ممتع حقًا، لا يمكن تناوله سلبيًا، لكن المُراجع يعلم أنه بالتقييم الإيجابي له يُساهم في منحه قيمة أكبر بكثير مما يستحق، لدرجة زعم البعض كونه أفضل فيلم ظهر خلال العشر سنوات الأخيرة!

في قلب العاصفة

المخرج المخضرم بول توماس أندرسون، الذي كان يومًا طفلًا معجزة عندما صنع فيلمه المدهش «ماغنوليا Magnolia» وقتما كان عمره لا يتجاوز 29 عامًا، لديه بالتأكيد ما يحكيه في فيلمه المأخوذ عن رواية «فاينلاند Vineland» للكاتب توماس بانشون، والتي نقل أحداثها بتعديلات كثيرة من عصر الرئيس الجمهوري ريغان في منتصف الثمانينيات إلى يومنا الحالي، في إشارة ربما لتشابه الأجواء القومية التي تعتز بالهوية الأمريكية البيضاء في مقابل المهاجرين وذوي الأعراق المختلفة، والتي ميزت الحقبة الريغانية قبل أن تتجلى بصورة أكثر جنونًا في عهد الرئيس الحالي ترامب.

«معركة تلو الأخرى»... هل تورط الجميع في حب فيلم بول توماس أندرسون؟
One Battle After Another (2025)

أحسن اختيارات توماس أندرسون في «معركة تلو الأخرى» هو المنهج التقشفي الذي يختاره على صعيدي السرد والتنفيذ، وهو وصف قد يبدو غريبًا بالنسبة لفيلم يقترب زمن عرضه من الثلاث ساعات، لكن ربما لهذا السبب تحديدًا كان اختيار المخرج ملائمًا لقدر الأحداث التي يتضمنها فيلمه. 

أندرسون اختار أن يبدأ السيناريو الذي كتبه بنفسه على طريقة «إن ميدياز ريز In medias res»، وهو مصطلح من الدراما الإغريقية يشير لبدء الدراما من نقطة مشتعلة، دون إضاعة وقت في تقديم الشخصيات والعلاقات، بل ترك الجمهور يستكشفها من خلال ما يقع من أحداث. الفيلم يبدأ في قلب عمليات تُنفذها منظمة فوضوية، تحاول إحداث تأثير في العالم عبر القيام بعمليات سرقة وتهريب صاخبة، تهدف من خلالها لإعلان وجود أكثر من أهداف المهمة نفسها.

القلب النابض للمنظمة، أو للمهمات التي نتابعها كما نفهم لاحقًا، امرأة ذات أصول أفريقية تُدعى برفيديا بيفرلي هيلز، تتمتع بجمال وحضور بارزين، مصحوبين باندفاع واستعراضية نحتار فيما كانت نابعة من إيمان عميق بأهداف المنظمة، أم لتوترات نفسية ما تتجلي في قدر من العنف الزائد والشبق الجنسي الذي يدفعها لاتخاذ قرارات انفعالية ستؤثر على كل من حولها، وعلى رأسهم حبيبها بوب فيرغسون (ليوناردو دي كابريو)، خبير المفرقعات الذي يبدو أقل رغبة للانخراط حتى الثمالة في النضال الفوضوي، بل يبدو اختياره الأقرب هو الاستمتاع بحياة هادئة مع حبيبته وابنته الوحيدة بعدما تجبرهما الظروف على التوقف عن العمل.

صراع الأعراق والأنظمة

بعد فصل تقديمي ساخن ينتهي وقد فهمنا طبيعة الشخصيات والعلاقات بينها، وعرفنا التصرف الذي أقدمت برفيديا عليه في إحدى موجات انتشائها بالعنف، والذي سيترتب عليه لاحقًا كل ما سيدخله الجميع من مغامرات غير متوقعة، تحدث بعد مرور أعوام من استقرار الحياة بهم، لتأتي شخصية من الماضي لتفتح كل الملفات التي اعتقد الجميع أنها قد أغلقت للأبد.

«معركة تلو الأخرى»... هل تورط الجميع في حب فيلم بول توماس أندرسون؟
One Battle After Another (2025)

الشخصية هي الكولونيل ستيفن لوكجو، العسكري الموتور صاحب الرغبات المشوهة، والذي أداه النجم شون بين بإتقان يجعله الرابح الأكبر من «معركة تلو الآخر»، بفهم تكوينه النفسي المعقد: فهو عنصري يحتقر نفس الفئة التي تُثيره جنسيًا، مما يجعل علاقته مَرَضية بالجميع، من ينتمي لهم ومن يعاديهم. يتجلى ذلك في كل حركاته وسكناته، واختياراته الانتقامية التي تدفع لصدام مركزه فتاة مراهقة تُجسد الناتج الإجمالي لصراعات الجذور والأنظمة الاجتماعية.

يبرع بول توماس أندرسون مجددًا في اختياراته المينمالية لكل مشهد على حدة، فبالرغم مما تتضمنه الأحداث من صدامات عنيفة: سرقات ومطاردات ورصاص متطاير وصراع على نسب عابر للأعراق، فإنه يقرر – بحكمة الكبار – أن يقدم المشاهد بأقل قدر من الصخب الإخراجي، عبر عدد محدود من اللقطات، مؤثرات صوتية طبيعية، واستخدام متقشف لموسيقى جوني جرينوود التي لا تعدو مجرد نغمتين بسيطتين تتكرران بهدوء حتى في أكثر المشاهد إثارة، بما يمنح الفيلم طابعًا إخراجيًا خاصة، ونبرة تتراوح بين التأمل والسخرية.

الأب الذي هجر النضال وصار يقضي يومه يدخن المخدرات على أريكته يجد نفسه مضطرًا للعودة إلى الميدان بحثًا عن ابنته، دون أن يجد الوقت الكافي حتى لتغيير ملابسه، ليبدأ فصل يجمع الأكشن بالهزل، يحاول فيه بوب أن يستعيد وجوده داخل المنظمة التي فارقها من سنوات، قبل أن تبدأ المواجهة الأخيرة العبثية التي تصادم فيها كل الإرادات.

One Battle After Another (2025)
One Battle After Another (2025)

بين الظاهرة والترند

كل ما سبق ملاحظات إيجابية، فلماذا بدأنا المقال بالتحفظ على الاحتفاء المُبالغ فيه بالفيلم؟ الإجابة تكمن في المسافة التي تفصل الفيلم الجيد عن التحفة الفنية، أو بالمصطلحات الثقافية التي تفصل الظاهرة الثقافية Phenomena عن الموضوع الرائج أو الترند Trend. فالفيلم الجيد والتحفة كلاهما متقن الصنع، ممتع للمشاهدة، تخرج من السينما متأثرًا به وسعيدًا بالتجربة، لكن الفيلم التحفة هو ما يتمكن من تحقيق نشوة عقلية أو شعورية تتجاوز إتقان الصنعة أو متعة المشاهدة، ما يطرح عليك فكرة رؤيوية أو يُحرك شعورًا عارمًا يجعلك تشعر أنك استقبلت العالم – ولو لوهلة – بشكل مختلف. 

شعور التحفة الفنية يُشبه ما حققه بول توماس أندرسون نفسه من قبل مرتين على الأقل، في «ماغنوليا» و«سيكون هناك دماء There Will Be Blood»، وكلاهما فيلم يهزك بعمق، يتركك بتساؤلات كبرى حول العالم والقدر والوجود والعائلة، تساؤلات تدفعك للتفكير فيها ولإعادة مشاهدة الفيلم مرة أخرى لالتقاط المزيد من التفاصيل حولها. هي أفلام تحولت ظواهرًا ثقافية أحدثت دويًا وقت صدورها لا يزال صداه يتردد حتى اليوم، بينما الترند قد يُحدث دويًا أعلى – لا سيما في عصر وسائل التواصل الاجتماعي – لكن أثره يزول بمجرد وصول الترند التالي. البيتلز ومايكل جاكسون كانوا ظواهر ثقافية، بينما كانت «جانجام ستايل» التي حققت مشاهدات مليارية مجرد ترند.

One Battle After Another (2025)
One Battle After Another (2025)

هنا أزعم أن مشكلة «معركة تلو الأخرى» الكبرى هي خلوه من تلك الشرارة الفكرية والشعورية التي تجعله عملًا عظيمًا. هو بالتأكيد فيلم متميز، أفضل من كل الأفلام الأمريكية التي شاهدناها خلال العام الحالي. صانعه الموهوب يعرف كيف يصنع فيلمًا شيقًا ويدير فريقًا من أكبر نجوم العالم باقتدار، لكنه يفتقر هنا للرؤية الكونية التي اعتادت أفلامه امتلاكها.

ربما يرجع الأمر للطبيعة الكاريكاتورية التي تم تصميم الشخصيات والدراما بها، والتي وإن سمحت لشون بين بأداء استثنائي سيوصله في الأغلب للأوسكار، ولليوناردو دي كابريو بتفجير الضحكات في تتابع مكالمة كلمة السر، إلا إنها فرضت مسافة بين المُشاهد والفيلم، يتابع الحكاية ويتفاعل معها دون أن ينغمس فيها أبدًا. 

لكن حتى مع هذا المدخل الكاريكاتوري الذي تبنته أفلام عظيمة عبر التاريخ، كان هناك ثمّة ما يُقال في الفيلم، فكرة ذكية ما أو نظرة خاصة للعالم. العنصرية سيئة، والحكومات الغربية تنظر بتشكك وعدائية نحو كل من هو غير أبيض. يصعب الاختلاف حول أفكار كهذه، لكن اعتبارها قادرة على تحريكنا حقًا في ظل ما يحدث حولنا كل يوم من فظائع أمر مختلف.

رغم كل شيء

«معركة تلو الأخرى» فيلم جيد يمكن وضعه بسهولة ضمن أحسن أفلام العام، لكنه ليس أفضلها، وهو بالتأكيد ليس «سينما خام Pure Cinema» أو أكمل أفلام السنوات الأخيرة كما زعم البعض. فيلم يجب أن نستمتع به، ونحتفل بظهور أعمال مثله في فترة صارت السينما عمومًا، والسينما الأمريكية خصوصًا، شحيحة في تقديمها أفلام تستحق المشاهدة بحق. يمكننا أيضًا أن ننتشي بالصخب الإعلامي المحيط به، فالاهتمام بعمل جيد أفضل كثيرًا من احتدام النقاش حول فيلم رديء.

«معركة تلو الأخرى»... هل تورط الجميع في حب فيلم بول توماس أندرسون؟
One Battle After Another (2025)

لكن في الوقت نفسه يمكننا تفهم المقدمات الاستباقية والتوضيحات التي صدّرها أغلب المراجعين، الذين يدركون مشاركتهم في بناء سردية عامة لا يبدو كل فرد فيها مقتنعًا تمام الاقتناع بصدقها، لكنه يكاد يُرغم على المشاركة فيها لأنه باختصار الفيلم الحدث الذي ينتظر الجميع متابعة الآراء حوله. النقاد والمراجعون كان عليهم – كما يفعل كاتب هذه السطور الآن – التعامل مع وضع مُربك مُلخصه هو: صنع بول توماس أندرسون فيلمًا يستحق الحفاوة، لكن ربما ليس بهذه الصورة التي تورطنا فيها جميعًا!

اقرأ أيضا: بول توماس أندرسون: أفضل مشاهد «معركة تلو الأخرى» كُتبت في ليلة واحدة

شارك هذا المنشور