عادة ما أجد نفسي وسط قلّة في عروض الثامنة والنصف صباحًا في أي مهرجان. يغيب الجمهور والنقاد والصحفيون طلبًا لفنجان إضافي من القهوة أو إفطار متأخر، ومن يغالبون حاجتهم الملحة للكافيين، يبقون في القاعة نصف نائمين، ويردون على انتهاء الأفلام بتصفيق خافت قبل أن يغادروا سريعًا وقد أراحوا ضمائرهم بحثًا عن فنجان القهوة المنشود.
إلا من أفلام قليلة للغاية تستطيع أن تخلق لدى متابعي المهرجانات رغبة في مخالفة هذه القاعدة، ومنها فيلم «صوت هند رجب» الذي عُرض في الثامنة والنصف من صباح أمس الأربعاء بمهرجان فينيسيا في دورته الثانية والثمانين، وسط حضور حاشد، تبعه تصفيق هو الأطول في عمر المهرجان، حيث وقف الحضور، وبينهم بعض الأسماء الكبرى في هوليوود، يصفقون للفيلم نحو 22 دقيقة.
جاء التصفيق لـ «صوت هند رجب» ممتدًا وعميقًا، نابعًا من أهمية وتأثير هذا الفيلم. المخرجة التونسية كوثر بن هنية صنعت خلال اثني عشر شهرًا واحدًا من أكثر الأفلام المنتظرة في مسابقة مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي. وبن هنية معروفة بالفعل بتأثيرها الكبير في السنوات الماضية بأفلامها التي خلطت الروائي بالوثائقي أو كانت ذات أفكار سياسية واجتماعية مهمة.
فيلمها الأحدث ليس استثناءً لأفلامها السابقة، لا على مستوى الجودة والذكاء في توظيف العناصر والأدوات السينمائية، ولا على مستوى الإلحاح الطارئ لقضية تشغل العالم بأسره. هذه المرة تحكي بن هنية عن المقتلة الدائرة ضد قطاع غزة في فلسطين منذ قرابة عامين. ما يجعل فيلمها محل اهتمام الكثيرين، خاصة مع وجود أسماء منتجين مثل واكين فينيكس وجوناثان جليزر، ومع صعود شهرة بن هنية بعد فيلمها السابق المشارك في مسابقة مهرجان كان السينمائي عام 2023، والفائز بجائزة أفضل وثائقي في المهرجان ذاته والمرشح لجائزة أفضل وثائقي في سباق الأوسكار الشهير.

لكن عمّ تحكي بن هنية بالضبط؟ عن تلك الحرب المدمرة التي تركت عشرات الآلاف من الموتى والمصابين؟ ما هو مدخلها لحكاية تلك القصة؟ وماذا تختار تحديدًا لتجلب تلك الحكاية ليسمعها العالم بأسره؟
هل تختار قصص النزوح أم التدمير المتعمد بالقصف لقطاع مكون من أربع مدن حوت حكايات بشر وأشخاص عاشوا هناك لعقود؟ أم الإبادة الجماعية العقابية لمدنيين كل حلمهم أن يعيشوا في وطنهم؟ أم قسوة الاحتلال في فعل كل ذلك؟
تختار بن هنية مدخلًا رقيقًا للغاية لتلخيص كل ذلك: صوت طفلة في السادسة من عمرها، سمعها العالم بأكمله وهي تطلب النجدة لساعات طويلة دون أن يجيرها أحد! طفلة اسمها هند رجب، تُخلد قصتها بشاعات حرب طويلة تمادى فيها محتل ضد عُزل أبرياء.

تختار بن هنية مركز الهلال الأحمر كموقع تصوير وحيد تحبسنا به طوال الفيلم، موقع يضعنا محل هؤلاء الذين استمعوا للمكالمة الحقيقية لتلك الطفلة، وحاولوا جاهدين إنقاذها لكن جهودهم أعيقت بقوة غاشمة منعت وصول المساعدة إلى تلك المسكينة.
هذا الاختيار يضعنا في نفس موقع العجز والشعور به الذي شعر به موظفي مركز اتصال الهلال الأحمر، وهو موضع نعرفه جيدًا بمشاهدتنا الأخبار كل يوم دون قدرة على إيقاف ما يحدث. تجبرنا كمشاهدين على الاستماع إلى صوت تلك الطفلة دون رؤيتها، صوتها الحقيقي الموجود في المكالمات المسجلة وليس صوت ممثلة، ما يترك لخيالنا استنباط هول ما شعرت به وخاضته.
يمكننا أيضًا تعريف ذلك في السينما بـ «رعب الإخفاء»، فإذا ما اختار مخرج أو مخرجة أن يرينا شيئًا مرعبًا رأي العين، فهذا له وزن. أما إذا اختار إخفاءه مع التدليل عليه، فإن ذلك يترك لخيالنا مهمة تجسيد رعب اللحظة بنفس قدر تفكيرنا فيما يخيفنا نحن كأفراد. يمكن رؤية ذلك عند مخرجين كبار مثل ثيو أنجيلوبولوس في «صورة طبيعية في الضباب Landscape in the mist» حيث مشهد اغتصاب الطفلة لا يظهر، وإنما فقط صمت العالم من حوله.

تبدأ بن هنية الفيلم أيضًا بتعريف ربما هو موجه إلى مواطن غربي لا يعلم عن الحرب أو يتغاضى عن المعرفة، بشرح كيف تدور عملية الإنقاذ ذاتها، يحصل المركز على المعلومات ولكنه لا يستطيع تأمين سيارة إسعاف فورية، وإنما عليه التنسيق مع عدة جهات لتأمين طريق آمن لتلك السيارة ثم إبلاغ المستشفى فتتحرك سيارة الإسعاف، يرسم لنا أحد أبطال الفيلم على زجاج في المركز هذه الدائرة ولكنه يرسمها على شكل علامة (الما-لا نهاية) «إنفينيتي» وكأنها دورة في الفراغ دون الوصول إلى نتيجة حقيقية.
بعد ذلك التعريف، نتابع انخراط كل أعضاء المركز في محاولة إنقاذ الطفلة، مستغرقين في تلك الدورة المفرغة. أحدهم يكلمها على الهاتف ليطمئنها، والآخر ينسق، وطبيبة نفسية تمنع كل هؤلاء من الانهيار، كما نرى على الشاشة خريطة جوجل التي توضح أن الطريق -نظريًا- يتطلب 8 دقائق فقط للوصول إلى الطفلة، لكن في الحقيقة، فإن تلك الخرائط ما هي إلا تاريخ لبلد مدمرة كليًا، يقف على حطامها جيش غاشم، أطلق 335 رصاصة على سيارة تقل أسرة صغيرة مدنية، ما يجعل رحلة الثماني دقائق أوديسا سرمدية.

في النصف الثاني للفيلم، تبدأ كوثر في استخدام أدواتها السينمائية بشكل أكبر، فتمزج فيديوهات حقيقية لموظفي مركز الاتصال مع ممثلي الفيلم، إضافة إلى لقطات أرشيفية ترينا هول اللحظة التي سمعنا عنها طوال الفيلم. على مستوى القصة وما حدث، فإن التفاصيل معروفة للجميع، لكن الفيلم ينقل لنا إحساسها بشكل عميق: رعب، قلق، عجز، أمل، وغضب عارم من جراء كل ذلك.
فيلم «صوت هند رجب» هو وثيقة هامة، في زمن نرى فيه «بروباجندا» ودعايات الطرف الغاشم وهي تروج لروايات كاذبة عارية من الصحة. وثيقة تفضح وتكشف اعتداءات على أناس أبرياء، وتنقل كل ذلك إلى قلب العالم بصوت سينمائي متفرد وقصة إنسانية تتطلب قلبًا من حجر كي لا يتأثر بها.
هذه الأشياء هي قلب الفن: الشعور والإحساس والإخلاص للإنسانية في لحظات حرجة. ماذا يفيد الفن إذا كان هذا هو وضع العالم الذي نعيشه؟ وكيف نناقش أسلوب الإخراج والميزانسين (Mise-en-scène) وغيرها من التفاصيل الفنية، أمام صوت هند البريئة المغتالة وسط صمت عارم؟
فلنضع الفن جانبًا هذه المرة، ولنتمنى لفيلم بن هنية الوصول إلى أكبر جمهور ممكن، لعلنا نصل إلى عالم أكثر عدلًا وإنسانية نتحدث فيه جميعًا عن الفن.
اقرأ أيضا: كوثر بن هنية عن «صوت هند رجب»: السينما تمنح المستضعفين صوتًا