في خروج جريء على الأدوار النمطية، يقدّم دواين جونسون، المعروف بلقب «ذا روك»، أداءً مغايرًا في «آلة السحق» للمخرج الأميركي بيني سفدي (أول فيلم له من دون شقيقه جوش؛ وقد تولّى الكتابة والإنتاج والإخراج)، المعروض ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي (27 أغسطس – 6 سبتمبر). يجد التمثيل امتداده في السيرة الذاتية، محوّلًا الفيلم إلى مسرح مفتوح لتفكيك الصورة التقليدية للرجل القوي والبطولة المصقولة بالعضلات والانتصارات.
يؤدّي جونسون دور المصارع الشهير مارك كير المُلقّب بـ«آلة السحق»، في سرديّة تتجاوز حدود السيرة لتصبح مرآة ذاتية للممثّل نفسه، في حوار داخلي يجمع ما بين التجربة الحياتية والخيال السينمائي. النتيجة: عمل مدهش في صدقه وجرأته، يضع الخمسيني جونسون في مواجهة صريحة مع تاريخه، ومع إرث طويل من أدوار القوة الخارقة.
هكذا صنع جيرار دوبارديو مجده أيضًا في بعض من أفلامه، وكأنّ الكاميرا لا تلاحق الشخصية فحسب، إنما تلاحقه هو، في نوبات ضعفه وقوّته، في هشاشته وتناقضاته. وهكذا أيضًا أطلّ علينا ميكي رورك في فيلم دارن أرونوفسكي، «المصارع»، الذي فاز بـ«الأسد» قبل سنوات، فكان الدور بمثابة انعكاس لحياة رورك الشخصية وتاريخه الحافل بالصعود والهبوط، حتى بدا الفيلم كأنه يروي سيرته الذاتية، لا سيرة مصارع مُتخيَّل.
المشهد الافتتاحي في «آلة السحق»، يقدّم كير على أنه رجل مُشبَّع بلذّة الانتصار: «أصارع لأنّ المصارعة تمنحني نشوة النصر»، يقول بصوته الجهوري. هذا المانيفستو لن يُعمّر كثيرًا. إذ إنّ المخرج سرعان ما سيكشف طبقات أعمق من الإنسان الذي يسكن الجسد المفتول. مارك كير في هذا العمل آلة فتك بقدر ما هو روح تتأرجح بين العنف والرهافة.

من هذا المدخل، تُرسَم أمامنا ملامح رجل جسده هو رأسماله الوحيد، تمامًا كما اعتادت السينما أن تُصوّر أبطال المصارعة والملاكمة: كائنات فولاذية، لا مكان فيها للهشاشة. إنها المفارقة المؤلمة التي ينسجها الفيلم: كيف يمكن لرجل أن يكون شفّافًا إلى هذا الحدّ، وعنيفًا إلى ذلك الحدّ في الوقت نفسه؟ وكيف يمكن البطولة أن تُبنَى فوق أنقاض الذات؟
هذا ليس مجرّد بورتريه آخر عن مصارع. الصراع هنا يدور على الجسد، الصورة، النموذج المتكرّر للرجل القوي الذي يصعد إلى الحلبة ليستعرض عضلاته. في لحظة ما، لا نعود نعرف: مَن هو «آلة السحق» حقًا؟ هل هو مارك كير، أم سفدي نفسه، وقد انقضّ على هذه البنية الصلبة ومزّقها من الداخل؟
نحن أمام رجل صنع بنفسه سجنه الجسدي، وها هو الآن يُحاول التملّص منه، أن يفلت من الصورة التي بناها لنفسه، كما لو كانت فخًّا مُحكمًا أغلق عليه منذ سنوات. نراه يبكي حين يواجه نفسه، لكنه لا يعرف كيف يطلب النجدة. عالق في جسده، في صراعه مع المال، مع الأبوّة، مع العقاقير، مع الخوف من أبسط الأشياء. كلّ هذه العناصر تتكثّف في لحظة مواجهة لا مفر منها، في عملية تفكيك صارمة لا تترك مجالًا للهرب، ولا تمنح فرصة للتأجيل. ولعلّ أكثر ما يُفجع في الأمر، أنّ العنف نفسه لم يعد يعنيه. ومع ذلك، يجد نفسه مضطرًا إليه. عن حاجة، لا عن قناعة.

يختار سفدي ألّا يقدّم بطله على أنه ضحية، ولا على أنه بطل خارق، فيقوده بحذر إلى مناطق هشّة، حيث يصبح الرجل الذي نشأ في حضن الرجولة التقليدية عالقًا بين ما كان يُفترض أن يكونه، وما هو عليه فعلًا. تكفي بضعة مَشاهد لتُفصح الصورة عن عمق المشاعر المتخفّية تحت الجلد السميك.
دور المخرج هنا هو المراقب والمفكّك، لا البنّاء. يراقب بهدوء تفكّك الأسطورة التي بُنيت بعناية عقودًا طويلة. حتى حين تتعالى في الخلفية أنغام أغنية «ماي واي»، لا يُفهَم حضور الأغنية كنوع من النوستالجيا الساذجة، إنما كذروة الفلسفة الرواقية التي تدعو إلى ترويض الانفعالات وإخضاع الألم للإرادة. فـ«آلة السحق» ليس فيلمًا عن الرياضة، بقدر ما هو عن الهوية. عن الذكورة التي تُترَك عارية أمام ذاتها.
كلّ شيء بسيط، وبساطته ليست نتيجة المصادفة، هي بساطة نتيجة تصميم واعٍ ومدروس. من الخطّ المُستخدَم في كتابة أسماء فريق العمل في شارة البداية، إلى التصوير بكاميرا محمولة تقترب من أسلوب الفيلم الوثائقي، بزوماته المفاجئة التي تمنح الإحساس بأننا نُتابع تقريرًا تلفزيونيًا. ورغم أنّ زمن الأحداث محدّد بدقّة (بين عامي 1997 و2000)، فالروح العامة توحي بأننا في السبعينات: تلك المرحلة التي كانت فيها الأفلام أكثر حريةً، وأكثر انغماسًا في الشخصيات من دون الحاجة إلى زخرفة بصرية.

هناك في «آلة السحق» مستويان: الأول ينتمي إلى سينما «الجانر»، إلى أفلام المصارعة بما تحمله من قواعد وصور نمطية. لكن سفدي لا يمكث هناك طويلًا. يعبُر فوقها بخفّة، كمَن يعرف الطريق لكنه لا يرغب في المضي فيه. لا بهرجة، ولا عضلات إخراجية مستعرضة. أما المستوى الثاني، فهو الفيلم الحميمي، الذي تجري أحداثه داخل بيت المصارع، وتتمركز حول علاقته بحبيبته (إيميلي بلانت). امرأة تدعمه بصمت، لكنها تتألّم في الظلّ، محكومة دومًا بحجمه الطاغي، بحضوره الذي لا يترك لأحد أن يتنفّس. وهنا بالضبط، في هذه العلاقة المختنقة، تبدأ الضغوط بالتراكم، حتى تنفجّر في أحد المَشاهد الأخيرة.
يأتي سفدي بتجربة بصرية قاحلة تؤثّر في المُشاهد تدريجًا وصعودًا. يستوحي أسلوب أفلام الدرجة الثانية في السبعينات، حيث القسوة تختلط بالرهافة، والفوضى تخفي تحتها ترتيبًا عاطفيًا بالغ التعقيد. لا أحداث مبالغ فيها، فقط كاميرا تراقب وتترك للممثّلين أن يصنعوا الفيلم بأكتافهم العارية.
اقرأ أيضا: «لا خيار آخر»… أوراق ورجال وسماد عضوي