فاصلة

مراجعات

«حلزون أبيض»… هوس الموت والهروب واللقاء

Reading Time: 3 minutes

هل يمكن أن يغدو الموت فكرة تقود إلى الاجتماع لا الفراق؟ وأن تتحول المشرحة مكانًا يجمع روحين هشّتين؟ الإجابة غير المتوقعة تأتي في فيلم «حلزون أبيض White Snail»، الفيلم الروائي الأول للثنائي النمساوي إلسا كريمسر وليفين بيتر، والذي قاما بتصويره في بيلاروسيا، ليقدما من خلاله صوتًا طازجًا في السينما الأوروبية، استحق الحصول على جائزة لجنة التحكيم الخاصة من مهرجان لوكارنو السينمائي، بجانب حصول بطلا الفيلم معًا على جائزة أحسن تمثيل.

ماشا عارضة أزياء شابة، ذات بشرة شاحبة ووجه مميز يكاد يمنحها حضورًا شبحيًا، تعيش حياة مضطربة، بين أب يعيش بعيدًا في بولندا ويحاول اقناعها باللحاق به هربًا من الأوضاع في بلدها، وأم مؤمنة بالخرافات تحاول أن تُخضع ابنتها التي حاولت الانتحار لعلاج روحاني، وحلم بالسفر للعمل بعيدًا في الصين. يبدأ الفيلم بمحاولة انتحار فاشلة تلاحظ ماشا خلالها الطرف الثاني في الحكاية: مدير المشرحة ميشا.

يبدو ميشا من بعيد مصدرًا مثاليًا للخوف، بجسده الضخم المُغطى بالوشم، ومهنته التي يقضي فيها الليل يستقبل الجثث في المشرحة، يفحصها ويُشرّحها ويكتب عنها التقارير، ثم يضع لها الماكياج حتى تكون جاهزة للدفن. التعامل مع الموت كوظيفة يومية كان كافيًا للفتاة المهووسة بالفكرة، لتقرر دخول حياة ميشا، لتكتشف خلالها عن كونه يعيش هو الآخر اضطرابه الخاص. لا يزال يعيش مع أمه، ويقضي الوقت خارج العمل في رسم لوحات يستوحيها من جثث المشرحة. لوحات تعكس موهبة واضحة، لكنها تثير أيضًا تساؤلات أخلاقية عميقة حول أهلية ممارسته لمهنته بينما يرى في الجثامين مصدرًا لإلهام لا يخلو من الحسّية.

حلزون أبيض
White Snail (2025)

مدينة طازجة سينمائيًا

يبرع المخرجان في تقديم شخصيتين تعيش كل منهما في عالم منعزل كليًا حتى وإن انخرطا في علاقات مهنية وأسرية، لكل منهما عالمه الخاص، الذي لا يتسق بالضرورة مع ما يتوقعه الآخرون منه، مع التوكيد أن العالم المحيط بهما في حد ذاته غريب وخاص. مينسك العاصمة البيلاروسية مدينة نادرة الظهور على شاشة السينما، لا تبدو صورتها في «حلزون أبيض» كمدن المعسكر الشرقي المعتادة بألوانها الباهتة وأزماتها الاجتماعية، على العكس تبدو ملوّنة، موحشة، قد تعاني من اضطرابات سياسية واقتصادية، لكن ما يشغل الفيلم هي ما تحدثه تلك المشكلات من ندوب غائرة، لا سيما في نفوس انطوائية حساسة بطبيعتها.

هل لكون المخرجان من غرب أوروبا دورًا في الصورة المغايرة للمدينة؟ ربما، لكن المؤكد كريمسر وبيتر لم يريدا أبدًا صناعة فيلم يمكن تفسيره من مدخل سياسي. مدخلهما لا علاقة له بدعم بيلاروسيا لغزو أوكرانيا الذي أدى لنبذ المجتمع الدولي. صحيح أن أصداء الوضع تظهر أحيانًا في الحكاية، كإصرار والد ماشا على أن تلحق به في بولندا، لكننا ندرك مع استمرار الفيلم أن ماشا وميشا لديهما استعدادًا فطريًا للانزواء والاغتراب وتفضيل الموت على الحياة، أسبابه وجودية لا يُفسرها الوضع الراهن؛ فبما أن حياة البشر لا تخلو من الأزمات، فسيجد بطلانا في الأغلب أسبابهما لمفارقة المجتمع.

حلزون أبيض
White Snail (2025)

الحسّية المستبعدة

غير أن «حلزون أبيض» ليس فيلمًا عن الفرقة وإنما عن الالتقاء، عن تمكن فردين وحيدين، يبدو كلًا منهما عاجزًا عن التواصل مع العالم، أن يجد شريكًا، ولو لبعض الوقت، ولو كانت علاقة مضطربة، غير مُعرفة، لا يثق أي طرفيها في حقيقة دوافع الآخر. علاقة يبرع المخرجان في تفريغها من أي شحنة جنسية برغم احتواء الحكاية على كل ما قد يدفع إليها في فيلم آخر، لكنه على الأرجح لن يكون فيلمًا يهوى بطلاه تأمل الجثث، ولا تربي فيه البطلة الحلزون كحيوان أليف!

علاقة تشبه غرابة تربية ماشا للحلزون، الذي نعتقد إنه في البداية تقليعة ما ترتبط بعالم الموضة أو العلاج الروحاني قبل أن ندرك طبيعة علاقتها به، لا يبدو ماشا وميشا مفتقران للتواصل الجسدي بمعناه التقليدي، وإنما لعلاقة مغايرة يكون الجسد البشري بشكل عام طرفها الثالث: أنا وأنت وجسد نتأمله، نفكر في مصيره، ولا نجزع من موت صاحبه وتداعي أطرافه، بل نجد فيه شيئًا من السلوى، بل والإلهام.

حلزون أبيض
White Snail (2025)

ولعل الغرابة تتجسد في أفضل صورة خلال الفصل الأخير من الفيلم، الذي يأخذ ميشا رفيقته الشابة فيه إلى قريته النائية وسط الغابات، التي صارت مهجورة بسبب اشتهار أهلها بممارسة السحر، ليضع وجودهما هنا أشياءً عديدة موضع الاختبار: مفهوم الموت والحياة، الإيمان بالغيبيات، وقدرة تلك العلاقة على الصمود في ظل زهد طرفيها في كل شيء، بما في ذلك البقاء معًا.

«حلزون أبيض» هو المثال النموذجي لما يمكن لمهرجان مثل لوكارنو أن يقدمه لعالم السينما. فيلم صغير لمخرجين واعدين، لا يملك جاذبية استثنائية تثير اهتمام كان أو فينيسيا، لكنه يحمل صوتًا طازجًا، وأصالة يمكن التعرّف عليها بسهولة، يقوم المهرجان وجوائزه بتقديمها للعالم، مما يسمح لمسيرة إلسا كريمسر وليفين بيتر بالسير في الاتجاه الصحيح.

اقرأ أيضا: «دراكولا» لرادو جود… فوضى متمردة على السرد والجماليات

شارك هذا المنشور