أضحى الفصل الأخير من «مكتوب، حبّي: انشودة ثانية» لعبد اللطيف كشيش، أكثر فيلم منتظر في الدورة الثامنة والسبعين من مهرجان لوكارنو السينمائي (6 – 16 أغسطس). فمنذ إعلانه قبل أسابيع، ارتفعت وتيرة الترقّب، لا سيما أن المخرج المثير للجدل كان قد تركنا في حالة من «الجوع السينمائي» منذ عام 2019، حين قدّم في مهرجان كانّ الجزء الثاني من هذه الملحمة، التي تتخذ من الرغبة والتوق والجسد محوراً لها.
ذلك الجزء، الذي امتدّ لثلاث ساعات ونصف ساعة في وحدة مكانية وزمانية (ليلة داخل مرقص)، لم يُعرض في الصالات، وبقي أسير لحظته، محاصَراً بين جدران التابو الأخلاقي والنزاعات القانونية المرتبطة بحقوق الملكية الفكرية. وهناك مَن يزعم اليوم أن ذلك الجزء لم يكن فعلياً «الجزء الثاني»، بل مجرّد وقفة أو استراحة بين فصلين، وأن كشيش كان يمارس لعبة متاهية مع الزمن والسرد، ومعنا نحن المشاهدين، ومع الشخصيات نفسها. وبالتالي، فإن مشاهدته أو عدمه، لا تغيّر شيئاً في فهمنا للأحداث.

هذا كله ساهم في ترسيخ «أسطورة كشيش»، المخرج الإشكالي الذي لم ينجُ يوماً من العواصف الإعلامية، منذ الضجّة التي أثارها «حياة أديل» (الفائز بـ«سعفة» كانّ 2013). إذ سُجِّل عليه آنذاك سوء معاملة للممثلتين ليا سيدو وأديل إكساركوبولوس، إلى جانب شكاوى من طاقم العمل، ما فجّر سجالاً واسعاً في الصحافة الفرنسية، ألقى بظلاله الثقيلة على سمعة المخرج.
بيد أن لحظة رفع الستارة على الفصل الثالث من هذه المغامرة السينمائية، كانت كفيلة بأن تُذيب كلّ ما اختزنّاه من أفكار وأحكام مسبقة عن كشيش. حضر طاقم الفيلم إلى لوكارنو، باستثناء المخرج، تقدّمته الممثّلة أوفيلي بو، التي وُجدت هي الأخرى في قلب العاصفة التي ضربت الفيلم خلال عرضه الكانيّ الأخير، حين راجت أنباء عن مغادرتها الصالة اعتراضاً على مشهد جنسي مطوّل. لكن تلك الضجّة بدت اليوم جزءاً من ماضٍ طُويت صفحاته، خصوصاً أمام الكلمات التي ألقاها المدير الفنّي للمهرجان، جونا نازارو، كاشفاً أن لجنة الاختيار وافقت بالإجماع على ضمّ الفيلم إلى البرنامج. في مقابلة مع «فرايتي»، قال نازارو: «أودّ أن يُنظر إلى هذا الفيلم على حقيقته: بوصفه تعبيراً صادقاً من مخرج يطلق العنان لإمكاناته الكاملة كفنّان. إنه عمل شاعر حقيقي، يصنع السينما أمام أعيننا، مستحضراً سحرها الخام. كلّ ما نطلبه من الجمهور هو أن يشاهدوا الأفلام كما هي، بلا أحكام مسبقة».
إلا أن الخاتمة التي كان يُفترض أن تشكّل تتويجاً لـ«مكتوب، حبّي» في لوكارنو، لم تكن سوى بداية لفتح صفحة أخرى، أكثر حساسيةً وتعقيداً: تلك المتعلّقة بالحرية الإبداعية. فإلى أي مدى كان كشيش حراً فعلاً في إنجاز هذا الفصل الثالث من السلسلة؟ وما هي الضغوط المباشرة وغير المباشرة، النفسية والاقتصادية والفنية، التي مَنتَجَ في ظلها هذه النسخة؟ أسئلة لم تفارقني، خاصةً أنني كنت كتبتُ عن الجزء الأول، فور خروجي من عرضه في مهرجان البندقية عام 2017، الكلمات الآتية، بحماسة شديدة: «فيلم كشيش الجديد يفتتح بآية قرآنية: الله هو نور السماوات والأرض. كلّ ما سنشاهده بعد ذلك، مبسَّط على ثلاث ساعات، يرعاه هذا النور المشّع الذي ينبثق من مصادر عدة».

لكن شتّان بين الأمس واليوم. شتّان بين خروجي من العرض في 2017، وكنت آنذاك مزهواً بما رأيته، وبين خروجي من الفيلم الأخير، حزيناً ومحبطاً. لقد انطفأ النور الذي صنع الجزء الأول. ماذا جرى للخاتمة التي كنت أظنّها ستتوّج السلسلة، وتحوّلها إلى عمل سينمائي خالد؟ هل كان كشيش يضللنا عمداً؟ أم أنه هو نفسه انزلق في وهمٍ ما؟ هل استُنزف الطموح فجأةً؟ أم خانته أدواته هذه المرة؟ أسئلة كثيرة تزاحمت في رأسي حتى شعرتُ بصداع، لحظة صعود التترات. داخل القاعة، سُجِّل تصفيق خجول، بدا أقرب إلى التحية البروتوكولية، لا إلى إعجاب حقيقي.
كلّ ذلك تزامن مع أخبار نقلتها مصادر متفرقة، تفيد بأن مهرجان كانّ الأخير رفض الفيلم، ما أدّى إلى دخول عبد اللطيف كشيش في نوبة اكتئاب وحزن، انتهت به في وقت وجيز إلى سكتة دماغية خلّفت أثراً واضحاً في قدرته على النطق. ما هو مؤكّد أن المخرج تعرض فعلاً لأزمة صحية، وهذا وحده كافٍ لتفسير الكثير. فكشيش من أولئك الفنّانين الذين لا يفصلون بين حياتهم وفنهم؛ يحيون به ومن أجله، وكم تكون الضربة قاسية، بل مدمّرة، عندما يتعرض هذا الفنّ نفسه لانتكاسة؟!

هل لاحظتم إنني صرفتُ أكثر من 600 كلمة وأنا أكتبُ عن كلّ ما يدور حول الفيلم، متجاهلاً عن عمد، أو ربما عن عجز، الحديث عن الفيلم ذاته؟ لعلني أؤجل إعلان خيبتي. ثم لا أعرف كيف أقول ما لم يعجبني، من دون أن أوحي بأن الفيلم سيئ، إذ أن الأمر لا يتعلّق بسوء أو بغير سوء، المسألة أعقد من ذلك. ومهما يكن، يظل الفيلم في لحظات كثيرة حاملاً توقيع كشيش البصري والحسّي المعروف. ولكن… هناك شيء ما ليس على ما يرام، خاصةً إذا قورن بالجزئين السابقين. هناك أيادٍ عبثت بالفيلم. هذا ليس كشيش. ليس ذاك الفنّان الذي دأب على رصد الزمن كما لو أن بروست يكتبه بنفسٍ سينمائي. ما شاهدناه أشبه بمسودة، قطعة بازل ناقصة، كأن هناك قطيعة، حادة وعنيفة، تفصله عن ماضي السلسلة. وكأن كل ما كان يُبشّر به المشروع، قد اغتيل فجأةً. شيء ما حدث، قد يظهر لاحقاً، وقد لا يظهر أبداً.
ولعل الصدمة تتأتى أيضاً من اكتشافنا أننا أمام ثلاثة أجزاء فيلمية لا يربط بينها سوى خيط رفيع: المكان، بضع شخصيات والأجواء العامة. لا نزال في أراضٍ مألوفة، لكن شيئاً ما تغيّر. ذلك «الفيلماج» غير الهادف الذي كان كشيش يتقنه ببراعة، حيث يصبح انعكاس ضوء الشمس على سطح الماء أهم من أي حكاية يُمكن أن تُروى، استُبدل هنا فجأةً بحبكة درامية واضحة ومباشرة وغير مقنعة، وللأسف تتصدّر المشهد. رغم أن كشيش لم يكن يوماً في حاجة إلى «قصّة» تقليدية، إذ أن كلّ شيء عنده قابل لأن يتحوّل إلى قصّة في لمحة بصر، وهذه المرة نراه يطعّم الفيلم ببعض الكوميديا الناتجة من تداخل المواقف، وأحياناً بشكل كاريكاتوري (كطريقة تعامل الشرطي في مشهد الاستجواب مثلاً). وكأن الفيلم ينكر كلّ ما سبق أن صوّره، أو يتناساه عمداً، أو يقرّر، بلا سابق إنذار، الانقلاب على نفسه.

في هذا الجزء الثالث، يركّز كشيش على شخصية أمين (شاهين بومدين)، الذي يعود إلى مدينة سيت بعد دراسة السينما في باريس. الشاب الذي لطالما ميزه المخرج عن بقية الشلّة، وجعله بمثابة «الشاهد الصامت» على الأحداث (القليلة؟)، ذاك الذي يرى ولا يتدخّل، الأقرب إلى «الأنا الأخرى» للمخرج نفسه، هو مصدر كلّ الرغبات. يحلم أمين بدخول عالم الأفلام، ويبدو أن لقاءه مع منتج أميركي وزوجته الشابة سيكون لحظة التحوّل: المنتج يقرأ سيناريو لأمين، وتبدأ فكرة «العبور إلى هوليوود» تلوح في الأفق. لكن فجأةً، يحدث ما يحدث. ينقطع الخط السردي، ونُلقى في بقعة جديدة، بأحداث متلاحقة، لا نجد فيها متّسعاً للتماهي أو الفهم أو حتى التأمّل، فيحدث شيء أشبه بعملية «سلب».
هذا كله يُحشَر في ساعتين وربع ساعة فقط، ما يعزّز الشعور بأننا فعلاً أمام نسخة ناقصة، تعرضت للاختصار أو الحذف. فمن غير المنطقي أن يمنحنا كشيش فيلمين يقضيان أكثر من ستّ ساعات في التسكّع الحسيّ، حيث «لا شيء يحدث»، ثم يقذف بنا في أحداث مكثّفة ومتسارعة في مدة قصيرة نسبياً، تاركاً الشخصيات، والفيلم نفسه، والمشاهد كذلك، على قارعة الطريق، مع شبح الموت الذي يحوم في الخلفية.
يبقى أنه، خلف هذا المشروع الذي ناله الكثير من التجريح، المهانة، وسوء الفهم، ثمة ما لا يمكن إنكاره: بصمة عبد اللطيف كشيش التي تؤكّد، للمرة المليون، أن «الأسلوب هو الإنسان». وقد ينصفه الزمن يوماً، كما أنصف أسماء كثيرة سبقته، تعثّرت في وقتها ثم نهضت من رمادها. فمن بين الركام، لا بدّ أن نعثر على تلك اللحظات النقية التي التقطها كشيش بعينه المرهفة، من دون أن يحتاج إلى الكثير لوضعها داخل إطار: كاميرا، وبضع شخصيات، ولمسة وفاء للأشياء الصغيرة التي تصنع جمال نظرته. فحتى في هذا العمل المربك، لم يتخلَّ كشيش عن ولعه بما هو عابر وعادي، ولا عن شغفه بالتفاصيل التي تُبنَى منها الذاكرة. وهو هنا، كما لو أنه يودّع زمن البراءة (التسعينات العزيزة عليه)، حين جعل من السينما احتفاءً بالحياة اليومية ومتعها البسيطة. وربما علينا أن ننتظر النسخة الحقيقية، الكاملة وغير المساومة، يوم ستُنبش في تلك الساعات الطويلة من المواد المصوّرة (يُحكى عن ألف ساعة)، حيث تركن روح كشيش الحقيقية.
اقرأ أيضا: «أسلحة» زاك كريغر… الفيلم الأكثر جنونًا