بعيدًا من برد برلين وغلامور كانّ، وطيف التاريخ فوق البندقية، يسعى مهرجان لوكارنو، منذ انطلاقه، إلى تقديم صيغة مختلفة لتجربة المهرجان السينمائي. محاولة قد لا تُجمع الآراء على نجاحها، لكنها تعبّر عن إرادة واضحة في التمايز وفي إعادة تعريف العلاقة بين السينما وسياقات عرضها.
لا يمكن فصل المهرجانات السينمائية الكبرى عن أماكن انعقادها. فالمكان إطار بصري وجغرافي، بقدر ما هو مكوّن عضوي في بنية المهرجان وهويته. لوكارنو، بديكوره الخاص، لا يخرج عن هذه القاعدة، متقاطعاً مع معطى زمني إضافي، وهو الصيف وحرارته المرتفعة، الذي يضيف طبقة حسيّة مكثّفة إلى التجربة السينمائية.
يقول تييري فريمو، زعيم كانّ، إن معظم المهرجانات العريقة يحدث بالقرب من الماء. عبارة تكتسب معناها الكامل حين نتمعّن في موقع لوكارنو على ضفاف بحيرة ماجيوري التي تزيّن المدينة بقدر ما تنقذها من عزلتها الجغرافية، محولةً إياها إلى معبر حيوي. إنها أكثر من مجرد مسطح مائي: عامل تكويني في هوية المدينة، ومدخل لانفتاحها على الثقافات واللغات المجاورة، خصوصاً أن ضفافها تمتد فعلياً إلى داخل إيطاليا.
على مدى أحد عشر يومًا، تتحوّل لوكارنو إلى فضاء للسينما، أشبه بجزيرة ثقافية، ينشغل فيها الفنّ بمساءلة نفسه، ويعيد فيها الجمهور العريض اكتشاف متعة المشاهدة كفعل جماعي كما في بدايات اختراع الفنّ السابع. من بلدة لا يتجاوز عدد سكّانها 16 ألف نسمة في الأيام العادية، تنبعث تظاهرة ذات نَفَس عالمي، لكن بإيقاع محلي حميم، متجذّرة في محيطها الطبيعي، والهدف: تقديم بدائل جمالية خارج منطق المهرجانات الكبرى.
منذ عام 1946، تاريخ تأسيس المهرجان، تحوّلت هذه البلدة الصغيرة الواقعة عند الطرف الشمالي لبحيرة ماجيوري، على سفوح الألب، إلى محطّة موسمية يقصدها صنّاع السينما، نقّادها، جمهورها المخلص، وفضوليون يبحثون عن تجربة تلقٍّ مغايرة، بالإضافة إلى عدد من السياح الذين يجذبهم الحدث أثناء عبورهم فيها. لا يسعى المهرجان إلى لفت الأنظار عبر استعراض النجوم أو السجّادة الحمراء؛ هذه الأشياء ليست غائبة تمامًا، لكنها ليست جوهر الحدث. لا رهان على البهرجة، بقدر الاعتماد على تشكيلة سينمائية تحاول التوازن بين خيارات فنية طموحة وأخرى قادرة على استقطاب جمهور واسع.
يتقاطع لوكارنو مع ثلاث ثقافات مركزية في تاريخ أوروبا: الإيطالية، الألمانية، الفرنسية. هذا التماس الجغرافي لا يختزل في بُعده المكاني أو في الخطابات المتداولة عن الانصهار الثقافي، بل يتجسّد في صميم هوية المهرجان. فلوكارنو ليس منصّة ترويجية لتنوّع زائف، بقدر ما هو مساحة تعبّر فعلًا عن ذوبان اللغات والثقافات في مشهد سينمائي متعدّد الطبقات.

من سينما الحركة والترفيه، التي تطل علينا هذا العام عبر تكريم جاكي تشان، إلى أعمال تتطلّب نفسًا طويلًا كفيلم عبد اللطيف كشيش المنتظر (جدًا؟)، يعكس هذا التشابك في المرجعيات السينمائية والأساليب الفنية إيمانًا بأن الشاشة، في جوهرها، تتحدّث بأكثر من لغة، وتحاور الجمهور عبر أشكال جمالية مختلفة، من دون هوس بالوحدة أو الاستقطاب.
لعل أهم ما في لوكارنو أنه يوفّر فضاءً نادرًا للمواهب الفتية، حتى عندما تأتي من داخل المنظومات الإنتاجية التقليدية. ففي حين تتسابق مهرجانات كبرى على استقطاب الأسماء المعروفة والوجوه المكرّسة، يراهن لوكارنو على أفلام من بلدان لا تملك تاريخًا سينمائيًا عريقًا، كأن تُوجَّه تحية إلى «قبوط للإنتاج» اللبنانية، لصاحبها جورج شقير، وتُمنح مساحة لأفلام أولى لمخرجين جدد يواجهون تحديات في الوصول إلى الجمهور العريض أو في لفت الانتباه النقدي.
جائزة «الفهد الذهبي» التي يمنحها المهرجان لا تمثّل بالضرورة ضمان توزيع أو مكانًا تحت الشمس، لكنها تُعدّ بمثابة ختم اعتراف بفيلم قد لا تُتاح له فرص كثيرة للعرض خارج هذا السياق. ورغم ذلك، هناك مَن ينظر إلى لوكارنو (بلؤم أحيانًا) باعتباره مهرجانًا يحتضن ما تم استبعاده من مهرجانات كبرى مثل كانّ، مع بعض الاستثناءات. لكن، هذا حكمٌ يتطلّب اطلاعًا أوسع على المعايير البرمجية، وهي معطيات لا تكون دائمًا متوفّرة أو موثوقًا بها. لكن ما يمكن تأكيده بثقة هو أن التوقيت الذي يُقام فيه المهرجان، بين كانّ والبندقية، لا يخدمه كثيرًا.
قد يبدو وصف لوكارنو بأنه «أوروبي حتى النخاع»، نوعًا من التباهي الثقافي، لكنه يعبّر بدقّة عن جوهر أوروبا، تعدديتها، تقاطعاتها، وانفتاحها على الآخر. يظهر ذلك من خلال احتضان المهرجان لأفلام من أفريقيا، آسيا وأميركا اللاتينية، من دون أن يدّعي تمثيلها أو التحدّث باسمها. هذه المقاربة المتزنة تمنح لوكارنو خصوصية وسط صراع سرديات الهوية في المهرجانات الأخرى.
لا يحاول لوكارنو أن يكون بديلًا من كانّ أو البندقية أو برلين، متجنبًّا بوعي اللعب في «ساحة الكبار»، بيد أن أهم ما فيه يكمن في طقسه المسائي اليومي: عرض الأفلام في الهواء الطلق في ساحة «بيازا غراندي»، أمام أكثر من 8000 متفرج. هي ليست مجرد شاشة ضخمة بارتفاع 26 مترًا، بل فضاء رمزي يعيد طرح سؤال المشاهدة الجماعية، بوصفها تراثًا سينمائيًا لا يزال يحتفظ بجاذبيته. لا وجود هنا لصالات لكبار الشخصيات، ولا حواجز تفصل بين النقّاد والجمهور، ولا بين الشاشة والسماء. التجربة مفتوحة على الطبيعة التي تشارك أحياناً في صوغ المشهد.
في إحدى الليالي، كان الرعد يملأ الشاشة خلال عرض فيلم، فاستجابت السماء برعد حقيقي، تبعته أمطار غزيرة على رؤوس المشاهدين. لم يغادر أحد. اكتفى الجميع بالاحتماء بأكياس بلاستيك، فيما استمر العرض في تناغم غير مقصود بين ما يمر على الشاشة وما يحدث في السماء.

انطلقت عروض «بيازا غراندي» مساء الأحد الذي يسبق الانطلاقة الرسمية للمهرجان، وهي عروض مجانية مفتوحة لعامة الناس. أما الافتتاح الفعلي، فسيكون في السادس من آب مع فيلم «في أرض آرتو» (خارج المسابقة) للمخرجة الأرمنية تامارا ستيبانيان. الفيلم من إنتاج أرمني فرنسي، وتؤدّي فيه الممثّلة الفرنسية كاميّ كوتان دور سيدة تسافر إلى أرمينيا لاستكمال إجراءات إدارية بعد وفاة زوجها، تمكّن ولديها من الحصول على جنسية والدهما. لكن رحلتها إلى هناك تأخذ منحى آخر، إذ تكتشف أسرارًا كانت غائبة عنها.
تدور أحداث الفيلم في منتصف عام 2021، في ذروة النزاع الدائر بين أرمينيا وأذربيجان، حيث تنعكس آثار المواجهة على شخصيات عدة، من بينها ناشطة تؤدي دورها الإيرانية زار أمير إبراهيمي. عرض هذا الفيلم في «بيازا غراندي»، لحظة لا تُنسى لمخرجته، التي تقدّم هنا أول أفلامها الروائية الطويلة، ولا تزال في بدايات مسيرتها.

من بين الأفلام الأخرى التي سيحتضنها الفردوس السويسري: «حفل عيد الميلاد» لميغيل أنخيل خيمينيز، من بطولة ويلَم دافو. يأخذنا الفيلم إلى جزيرة خاصة في البحر المتوسط أواخر سبعينات القرن الماضي، حيث يقيم رجل الأعمال الثري ماركوس تيموليون (دافو) حفلًا فاخرًا لابنته، سرعان ما يتحوّل إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح المتضاربة والنيات الخبيثة للمدعوين.
ومن بين العروض المنتظرة أيضًا «قصّة شرطة»، الفيلم الذي أخرجه جاكي تشان وتولّى بطولته، ويُعدّ حتى اليوم (بعد أربعة عقود على إنجازه)، من أبرز ما قدّمه النجم الآسيوي، وسيشارك في لوكارنو لمناسبة تكريمه.

هذا ليس الفيلم الوحيد من أرشيف السينما الذي يُعرض على شاشة «بيازا غراندي»، إذ ستكون هناك أيضًا «شاينينغ»، رائعة ستانلي كوبريك، وذلك لمناسبة تكريم مصمّمة الأزياء الإيطالية الكبيرة ميلينا كانونيرو، الحائزة أربع جوائز «أوسكار» في مسيرتها الطويلة التي تعاملت خلالها مع كبار السينمائيين من مثل فرنسيس فورد كوبولا ولوي مال وسيدني بولاك وغيرهم.
من بين أفلام مسابقة كانّ، اختار لوكارنو أربعة لعرضها على جمهوره: «حادث بسيط» لجعفر بناهي، الحائز «السعفة الذهبية» و«قيمة عاطفية» ليواكين ترير (حاصل على «الجائزة الكبرى»)، و«الصغيرة الأخيرة» لحفصية حرزي، التي نالت بطلتها جائزة أفضل ممثّلة.

أما الفيلم العربي الوحيد الذي سيُعرض في الهواء الطلق فهو «إركالا – حلم جلجامش» للعراقي محمّد الدراجي، الذي تدور أحداثه في بغداد، حيث يحاول صبي مثقل بالفقد، إحياء والديه من خلال بوابة أسطورية مستلهمة من ملحمة جلجامش، فيما تجبره مؤامرة ميليشيوية على الاختيار بين الوهم والحقيقة. ويُختَتم برنامج «بيازا غراندي» بـ«قبلة المرأة العنكبوت» لبيل كوندون، وهو معالجة جديدة لرواية مانويل بويغ الشهيرة، سبق أن نقلها إلى الشاشة المخرج هكتور بابنكو قبل أربعين عامًا.
يضم مهرجان لوكارنو 11 قسمًا مختلفًا تتداخل وتتكامل في ما بينها، ثلاثة منها فقط تنافسية. وفي ختام المهرجان، ستُمنَح 20 جائزة موزّعة على هذه الأقسام. تُعرّف الإدارة عن رؤيتها بهذه العبارة: «نحن مهرجان يستكشف السينما من جميع الزوايا، نختار أفلامنا بعناية لتلهمك وتفاجئك وتفتح آفاقك، وتدفعك إلى إعادة النظر في مسلّماتك».

الاهتمام الأكبر، بطبيعة الحال، سينصب على المسابقة الدولية التي تضم 18 فيلمًا، جميعها يُعرض دوليًا أو عالميًا للمرة الأولى. أغلبها تجارب لمخرجين غير مكرّسين، باستثناء بعض الأعمال التي تسبقها شهرتها، مثل «مكتوب حبّي: النشيد الثاني» لعبد اللطيف كشيش، و«دراكولا» لرادو جود (شاهدنا أحدث أفلامه في برلين الأخير)، و«وهم ياكوشيما» لنويمي كواسي.
المسابقة تتضمّن أيضًا حضورًا عربيًا لافتًا من خلال فيلمين يستلهمان الواقع السياسي والأمني والاجتماعي في الشرق الأوسط: «مع حسن في غزة» لكمال الجعفري الذي يصفه مخرجه بأنه تحية إلى المدينة المنكوبة وأهلها، و«حكايات الأرض الجريحة» لعباس فاضل (مخرج عراقي مقيم في لبنان) الذي يقدّم عبر شهادات أهلية توثيقًا للحرب الأخيرة التي شهدها جنوب لبنان، مسجّلًا ملامح الحياة اليومية في ظلّ العدوان الإسرائيلي.
أخيرًا، وفي إطار الاستعدادات السنوية التي ينظّمها المهرجان، سنكون على موعد مع بانوراما بعنوان «آمال عظيمة: السينما البريطانية ما بعد الحرب 1945 – 1960»، تتضمّن 45 فيلمًا مهمًا تتتبّع تطوّر سينما بلاد شكسبير خلال مرحلة مفصلية من تاريخها.
اقرأ أيضا: 12 فيلمًا عربيًا يضيئون في سماء مهرجان لوكارنو الـ78