قبل عشر سنوات كاملة نشرت مقالًا من النوع التي لا يمكن كتابة أكثر من واحد منه كل عام، بسبب ما يحتاجه من جهد ووقت وإعادة مشاهدة لأفلام عديدة. المقال الذي لقى صدى جيدًا آنذاك حمل عنوان «عشرة مخرجين مصريين والهوس المتكرر في أفلامهم»، وفيه حاولت إيجاد الاختيارات التي تتكرر باستمرار في أعمال عشرة من أهم مخرجي السينما المصرية، التفاصيل الصغيرة أو الأماكن أو العناصر التي لا يمكن اعتبارها تيمة العمل أو موضوعه الرئيسي، لكن ظهورها المستمر يعكس امتلاكها قيمة وازنة لدى الفنان.
شعرت وقتها بقدر كبير من الرضا على الذات في الإمساك ببعض الزوايا الجديدة، كارتباط سينما فطين عبد الوهاب الوثيق بالبيروقراطية والعمل المكتبي، وظهور علاقات التراتب الإداري والعمل داخل أروقة الشركات والمؤسسات في أغلب أفلامه، بما يعكس زمن صنعها خلال عقدي الخمسينيات والستينيات اللذين شهدا أكبر أثر للطبقة الوسطى المصرية التي اهتمت بها الدولة الناصرية بشكل خاص.
مثال آخر من المقال كان العلاقة الخاصة التي تجمع أبطال أفلام محمد خان بمركباتهم، التي يملكون معها علاقة خاصة وتكاد تلازمهم في أغلب زمن الفيلم، سواء كانت سيارة في «مشوار عمر» و«فارس المدينة»، دراجة بخارية في «ضربة شمس» و«في شقة مصر الجديدة»، أو حتى حصان أو مترو الأنفاق. الأمر الذي فسرته بمركزية تيمة الفروسية في أفلام خان، الذي كان يرى أبطاله دائمًا فرسانًا يمتطون صهوة جوادهم أيًا كانت صورته ليواجهوا متاعب الحياة المعاصرة.

مكالمة تقلب الموازين
في المقال تحدثت عن سينما شاهين، معتبرًا الهوس المتكرر فيها هو الرقص والفيتيشية Fetichism، فمن جهة كان المخرج المصري الأشهر عاشقًا للرقص يكاد يعتمده منهجًا لحركة الأبطال، ومن جهة أخرى كان أكثر صناع السينما العرب تركيزًا على التفاصيل التي تعكس هوسًا خفيًا، فيتيشيًا، بالأجساد البشرية: قطرات العرق على الجباه والجلود اللامعة، الأرجل وأصابعها، رائحة الدخان الملتصقة بالجسم والملابس.
كتبت المقال ونشرته واستمتعت لساعات، ربما لأيام، بردود الفعل الإيجابية، إلا أن اتصالًا هاتفيًا من الناقد الكبير كمال رمزي قلب شعوري الزائف بالزهو رأسًا على عقب، وجعلني أشعر بأنني ربما أكون قد أقدمت على خطأ كبير في قراري بكتابة مقال يدّعي قدرة على استقراء أفلام عظيمة بشكل مغاير. السبب: تعليق بسيط من الأستاذ كمال على الزاوية التي رصدتها في أفلام يوسف شاهين.
بعد بعض كلمات الثناء الكريمة على المقال، وبطريقته التي تمزج بين التهذيب والمحبة وخفة الظل، قال لي أنني أتعبت نفسي كثيرًا في البحث عن تلك العناصر في سينما شاهين، لكنها لا تتكرر باستمرار ووضوح سوى في المرحلة الأخيرة من أفلامه، بينما هناك عنصر آخر وثيق الارتباط بحياته الشخصية، حاضر دائمًا في كل أفلامه تقريبًا منذ أن بدأ العمل في السينما وعمره لا يتجاوز الأربعة وعشرين سنة. عنصر يظهر حتى في الأعمال المبكرة التي لم يكون فيها قد أوجد أسلوبه الخاص أو السمات التي ستميز أعماله لاحقًا.

سألت عن هذا العنصر المقصود، ليرد كمال رمزي ببساطة: «الرحلة، في كل أفلام شاهين تقريبًا هناك شخص يخرج في رحلة، تؤثر في حياته وحياة من حوله»، وقبل أن أرد مجادلًا بأن أي حكاية درامية هي بطبيعتها رحلة، أوضح الأستاذ أنه لا يقصد هنا أي رحلة معنوية، وإنما رحلة فعلية، جسدية، سفر أو انتقال من بلد لآخر أو من مدينة لمدينة. وبينما اسمع هذا التوضيح، توالت في ذاكرتي الأمثلة التي تؤكد الطرح.
رحلة صدّيقة وعُكّة النيلية في «اليوم السادس»، عودة المهندس المرتقبة لأعوام التي منحت «عودة الابن الضال» عنوانه، رحلة محمد أفندي إلى القاهرة أملًا في إنقاذ «الأرض»، رجوع رجب بعد ثلاثة سنوات في البحر من أجل بدء «صراع في الميناء»، وهو نفس الإبحار الذي صنع الفارق النفسي بين التوأمين سيد ومحمود في «الاختيار»، وخروج رام «المهاجر» من طلبًا للعلم، وهو بالطبع ما يناظر الرحلة الرئيسية: خروج يحيى شكري مراد، صورة يوسف شاهين السينمائية في أفلام سيرته الذاتية، من أجل دراسة المسرح في باسادينا بالولايات المتحدة، الخروج الذي أعاد شاهين خلقه في النهاية بالغة العذوبة لفيلم «اسكندرية ليه؟»، فمنحنا من خلاله مفتاح الولوج لعالمه، الذي لم انتبه له في خضم بحثي عن أمور موجودة بالفعل، لكنها لا تحمل بالتأكيد نفس القيمة المركزية.

رحيل أبدي
رباعية السيرة الذاتية تُفسر لنا جذور هذا الهوس في حياة يوسف، الشاب الذي نشأ في اسكندرية الكوزموبوليتانية التي اجتمعت فيها الأعراق والأديان والطبقات في لحظة مفصلية من التاريخ، لكن خياله كان بعيدًا هناك، معلقًا بحلم السفر إلى الجانب الآخر من العالم على أمل أن يصير مثل أولئك الأساطير المضيئة التي يشاهدهم على شاشة السينما، وبينما عاش أقرانه مرح سنّهم ظلت حياته معلقة بهذا الحلم، الذي ما إن تحقق حتى اكتشف صاحبه أن الجانب الآخر من الأطلنطي ليس مثاليًا كما كان يتصوّر.
رحلة ثانية يقطعها يوسف، بعدما صار مسلحًا بالشهادة الدراسية الأمريكية، ليعود إلى وطنه شابًا ممكنًا، بإمكانه أن يتعلم السينما بالتجربة والخطأ، ويكفي إنه عندما أكمل عامه الثلاثين عام 1956، كان قد أنجز بالفعل سبعة أفلام روائية طويلة، وهو بالتأكيد عدد لم يكن ليتمكن منه لو ظل في الولايات المتحدة، لتخلق العودة المُظفرة تلك المفارقة التي ستستمر لدى الفنان الموهوب حتى نهاية عمره المديد: أن يظل طيلة حياته معلقًا برحلة ما، انتهت أو في سبيلها للبدء، أن يعيش معلقًا بين عالمين، ينتمي لكل منهما بلا حسابات، وينسلخ عنه بلا حسابات.

شاهين ذو الذائقة العالمية والأسلوب بالغ التعقيد مقارنة ببساطة السينما المصرية الكلاسيكية، القادر على السباب بثلاث لغات على الأقل، والذي طالما اتهمت أفلامه بالتغريب وصعوبة الفهم من قبل المشاهد العادي، هو نفسه الرجل الذي يجتاح الإنترنت كل فترة نفس الفيديو الشهير له وهو يرفض اعتباره مخرجًا من العالم الثالث، ويشرح لمحاوره الأوروبي نظريته التي تجعله يعتبر المجتمع المصري أكثر تحضرًا من نظيره الغربي لما فيه من تراحم وتعاضد اجتماعي، وكرم يبديه حتى من لا يملك قوت يومه. وهو نفسه الفنان الذي يروي لنا بانفتاح كيف كانت الجوائز الغربية بالغة الأهمية في حياته وسعادته وعلاقته بأقرب الناس إليه، وليست مكاشفات «إسكندرية كمان وكمان» عنّا ببعيدة.
كيف تجتمع تلك المواقف المتناقضة وغيرها داخل نفس الإنسان؟ ربما كانت الإجابة التي أنارها لي تعليق كمال رمزي هي شعوره الدائم بالاغتراب، بأنه على سفر أبدي بدأ يوم مولده ولم ينته يوم رحيله. اجتمع داخله القلق الوجودي للفنان الباحث عن الحق والخير والجمال، والتجاور المُلغز للانتماء والتمرد. في الغرب يقبض على هويته ويرى أوجه القصور في الثقافة التي ترغب في جعله عينة فنية لمن على شاكلته، ثم يعود إلى الوطن فيرى العيوب جليّة أمام عينين رأتا العالم واختبرت أنماط حياة أخرى، أكثر حرية ورحابة وجنونًا.
مفتاح فهم كل شيء
لا أبالغ عندما أقول أن هذا الاكتشاف -على بساطته- جعلني أعيد النظر في علاقتي بأشياء عديدة، لا تتوقف عن حد سينما يوسف شاهين، بل تمتد إلى فهمي للسينما بشكل عام، وما يمكن للأفلام أن تُمثله في حياة صانعها وحيوات محبيه.
وإذا كانت أفلام شاهين تُتهم دائمًا بالغموض والتعقيد، فإن ذاك المفتاح يقلب الآية كليًا، فيجعلها أعمالًا بسيطة، يمكن استقبالها باعتبارها تجسدًا لقلق صاحبها من ترحاله الأزلي. الرحلة هي ما جعلت صباه انتظارًا لا ينتهي، وشبابه انفتاحًا ممزوجًا بالإحباط، وعودته تمكينًا يشوبه ندم الاحتمالات، وحياته بعد ذلك تنقلًا دائمًا بين الرحيل والعودة، فهو دائمًا على سفر، ينتظر رحلته الآتية، فيلمه المُقبل، مهرجانًا سيزوره الشهر التالي، وهوية مشتتة بين كل ذلك: خواجة أوروبي مكتبه في شارع يعج بورش الميكانيكا ومحلات الكشري، واسكندراني «صايع» يصعد سلالم قصر مهرجان كان مرتديًا توكسيدو من أرقى بيوت الأزياء.
ساعدني فهمي الجديد لأفلام يوسف شاهين أن أفهم نفسي أكثر، فأرى فيها صورة مصغرة للتيه نفسه، صورة تفتقر بالطبع للموهبة الاستثنائية والإشعاع الإنساني والجاذبية الأيقونية التي صنعت منه شخصًا أكبر من العالم، لكنها تتفق في نفس الشعور بالتمزق، بأن تكون مصريًا فخورًا خارج الوطن تتفاخر بشوارع القاهرة المزدحمة وليلها الصاخب، بينما تتقوقع في المدينة ذاتها وتلوذ ببيتك خوفًا من الاحتكاك المؤلم بازدحام الشوارع وصخب الليل!
وبينما تُذكرنا الحياة بفرار الأيام من بين أيدينا ونحن نكتشف أننا نعيش الذكرى الثامنة عشر لرحيله الذي يبدو لمن عاشوه كحدث وقع قبل عامين أو ثلاثة، ويستعد العالم بأكمله للاحتفال بمئوية ميلاده خلال العام المقبل الذي سيشهد بالتأكيد محاولات عديدة لإعادة زيارة التراث الفني والإنساني الثري الذي تركه لنا، يبدو حضور يوسف شاهين اليوم أكثر ضرورة من أي وقت مضى. ففي عصر توضع فيه قيم الغرب موضع المحاكمة العلنية، ويلجأ فيه الشرق لصياغات ماضوية يصعب أن تجيب عن أسئلة العصر، يشعر كل من اختبر العالمين بأن الحيرة الشاهينية قد تكون اختيارًا منطقيًا، نلوذ بها من عبث العالم ووحشيته.

ولعل أعذب اللحظات في أفلام شاهين، والتي نعود إليها مرارًا وتكرارًا طالبين اللذة للعقل والمشاعر، هي تلك التي يتصارع فيها داخل الشخصيات شعوري القوة والضعف، امتلائهم بأنفسهم وثقتهم فيما يحملونه من فرادة من ناحية، وانسحاقهم أمام العالم الكبير القبيح المليء بما تنوء نفوسهم الصافية بحمله. «صُغّير قوي على المركب دي كلها» كما قالت والدة يحيى وهي تراه يبدأ رحلته الكبرى في رباعية الإسكندرية الفيلمية، أو كما قال لورنس داريل في الرباعية الروائية: «ربما كانت أشد الأوهام رقة وفجيعة هي الإيمان بأن أفعالنا يمكن أن تضيف أو تنقص من القدر الكلي للخير والشر في العالم».
يوسف شاهين لم يُغيّر القدر الكلي للخير والشر في العالم، لكنه عاش الحياة واختبرها حتى الثُمالة، شاغبها وحوّلها على طريقته مساحة للعب والتجريب والهروب من الفكرة إلى الفكرة. خاض رحلاته بين البلاد وداخل نفسه كي يمنحنا فيلموغرافيا مدهشة كنت في حاجة لملاحظة من أستاذ كبير كي أدرك قدر بساطتها الساحرة.
اقرأ أيضا: عمر الشريف راهن على الحياة وكسب