لا يحتاج كريستوفر نولان إلى تعريف، هو واحد من مخرجين قلائل لازالوا يمارسون عن اقتدار سينما المؤلف. يكتب نولان عادة معظم الأفلام التي يخرجها، يسمها بأسلوبه السينمائي المميز والمعقّد، ذلك التعقيد الذي ينعكس بشكل واضح في طريقة كتابته للشخصيات وهيكلة أفلامه؛ بدايةً من السرد غير الخطي والتلاعب بالزمن، ورسم المؤامرات المعقدة ذات الخطوط المتعددة. اعتمادًا على تلك الوصفة، يبني نولان عوالم غنية بالتفاصيل، حيث يتداخل الزمن والواقع والذاكرة لخلق أعمال سينمائية فريدة وعميقة تبقى في ذاكرة كل من يراها. ولكن، ترى كيف يكتب نولان تلك الأفلام، وما هو برنامجه لصناعتها؟
في حلقة من بودكاست «Script notes»، فتح نولان نافذة نادرة على كواليس كتابته، متحدثًا عن فيلمه “أوبنهايمر Oppenheimer”، الذي نال ثلاثة عشر ترشيحًا لجوائز الأوسكار، تُوِّجت بجائزتي أفضل مخرج وأفضل فيلم لعام 2024.
في اللقاء شارك نولان طقوسه اليومية، وقدّم خمس نصائح أساسية يراها جوهرية لكل كاتب سيناريو.
النصيحة الأولى: أنهِ جلسة الكتابة في منتصفها
يعتقد كريستوفر نولان أن فعل الكتابة صعبٌ للغاية. لذلك، يحاول – كغيره من الكُتّاب- أن يجد طريقةً لحث نفسه على الاستمرار والاستمتاع بالكتابة.
يروي نولان أنه عندما كان طالبًا في الجامعة، شارك في محاضرة للروائي جوليان بارنز. يومها قال بارنز جملة ظلت عالقة في ذهنه إلى اليوم، وهي: «أنهِ جلسة الكتابة في منتصفها».
يعلق «نولان»: “قد يبدو هذا الأمر غريبًا. لكنه يوفر نقطة بداية واضحة وسهلة لجلسة الكتابة التالية، مما يزيل الشلل المزعج الذي تسببه قفلة الكتابة Writer’s block. وهذا ما يساعد نولان على المضي قدمًا في الانتهاء من سيناريوهات أفلامه.

النصيحة الثانية: اكتب الآن أو ستندم لاحقًا
يحاول نولان أن يكون منضبطًا أثناء عملية الكتابة، وأن يعامل الكتابة كالتزام يوم عمل، فيعمل منذ الصباح الباكر وحتى انتصاف اليوم (ساعات مكتبية) معظم الوقت، ولا يسهر طوال الليل أو لساعاتٍ طويلة حتى لا يكون مضطرًا لذلك.
يقول كريستوفر نولان: «ما تعلّمته، وما يجب على كل كاتبٍ تعلّمه، هو أنه عليك أن تكتب في اللحظة التي ينتابك فيها شعور أنك تستطيع كتابة شيءٍ ما، أنه قد واتاك الإلهام. عليك ألا تفوّت هذه اللحظة تحديدًا، وأن تضع ما برأسك على الورق وتغتنم تلك الشرارة الإبداعية، لأن هذا الشعور سيتلاشى كالريح، سيختفي بكل تأكيد.
يحكي نولان أنه أثناء كتابة “أوبنهايمر” خالف التزامه بالكتابة خلال ساعات النهار، وكان يستيقظ في منتصف الليل “بملابسي الداخلية”، وقد باغتته فكرة لآخر ثلاثة أو أربعة مشاهد من سيناريو الفيلم. “نزلتُ إلى مكتبي عبر الحديقة، وجلستُ وكتبتُ ما كتبته. أعتقد أنني لم أحصل على حاسوبي، لذا كتبت هذه المشاهد على مفكرة قانونية. لكنني كتبتها كمشهد كامل متصل، لم يتغير أبدًا.

النصيحة الثالثة: أعِد قائمتك الموسيقية
كثيرًا ما يربط الكتّاب إلهامهم بالموسيقى، ولا يشذ نولان عن تلك القاعدة. يؤكد في لقائه مع بودكاست “سكريبت نوتس” أنه يعتمد على الموسيقى اعتمادًا كبيرًا “ما وجدته هو أن استخدام الموسيقى بشكلٍ متكرر في عملية الكتابة يجعلني قادر على استعادة حالات ذهنية معينة تعينني على الكتابة”.
مع بداية كل مشروع جديد، يعد نولان قائمة موسيقية خاصة لترافقه أثناء الكتابة “لتساعدني على استحضار مشاعر معيّنة أو إنشاء عقلية مناسبة لكتابة المشهد. الموسيقى تشكل رابط عاطفي كبير، إشارة عاطفية”.
لا يعد نولان القائمة ثم يكتب على وقعها، بل يدع المشاهد والأفكار والشخصيات: “أجد أنني لا أستطيع إنشاء قوائم موسيقية مُسبقًا، عليّ أن أستشعرها أثناء العمل، وأُجرّب مقطوعات موسيقية مختلفة، وأُحاول معرفة ما يربطني بحماسي تجاه المشروع. إنها طريقة مُختصرة رائعة لإعادة نفسك إلى حالة عاطفية محددة، لأنني أعتقد أن الكتابة عملية عاطفية للغاية”.
لا يرى نولان أن الكتابة مسألة فكرية “لكنني أعتقد أن الكتابة نفسها عاطفية”. يتحدث نولان عن أن عناصر الكتابة “معقدة.. تلك العناصر التي تُركّز على السرد أو تُعكسه أو تُنشئ روابط؛ هذه هي الأمور الفكرية التي نحب مناقشتها، ولكن يجب أن تكون عاطفية كذلك. عندما أكتب، يجب أن أكون في حالة عاطفية، وأن أكتب من منظور عاطفي”.

إضافة إلى تلك النصائح الثلاث التي استفاض فيها نولان في البودكاست، فهناك نصائح أخرى تحدث عنها في لقاءات صحفية أخرى. منها:
النصيحة الرابعة: اقض وقتًا في التخطيط أكثر مما تقضيه في الكتابة
ينقل موقع ميديام عن نولان أنه لا يجلس للكتابة قبل أن يكون قد وضع مخططًا شاملاً للسيناريو وشخصياته جميعًا، بل ويرسم بعض تفاصيلها ومواصفاتها. وبعد أن يطمئن لخطته، يجلس للكتابة، بعد ان يكون قد سجل مخططه كاملاً على كروت يمكنه الاستعانة بها للكتابة التفصيلية.
يقول نولان: “من السهل أن تتحول الكتابة على سرد خطي لو اعتمدنا فقط على وسائط رقمية في الكتابة والتخطيط والتسجيل، فيما يتيح التخطيط الحر على الأوراق وتخوت الكتابة بأن تفكك السرد وترسم خيوطها وتفرقها وتجمعها بما يضمن سردًا غير خطي”.
النصيحة الخامسة: اعزل نفسك عن كل ما يشتتك
يقول نولان: “أثناء العمل، أستخدم جهازي كمبيوتر، أحدهما متصل بالإنترنت لأغراض البحث، والآخر منعزل تمامًا عن الشبكة. وقت الكتابة أعتمد فقط على الجهاز غير المتصل بالشبكة”.
نولان مثل كثيرين منا، يمكنه أن يتشتت بسهولة ويغرق في قراءة ومشاهدة مواد متداخلة على الإنترنت، لذا فإن الانعزال عن الإنترنت أثناء وقت الكتابة هو أحد وصفاته ونصائحه المضمونة لنجاح الكتابة.
افرأ أيضا: «ميمنتو» كريستوفر نولان: ما تبقى من الخيال… والذاكرة