الكوميديا، في جوهرها، هي فن إثارة الضحك. وذلك وفقًا لأنواع متباينة ونكهات مختلفة. والملاحظ أن أفلام الكوميديا في السعودية التي تحقق نجاحًا باهرًا في صالات السينما وعلى منصة نتفلكس ما زالت أسيرة النمط الهزلي Farce الذي يتسم بالضحك المباشر والمغالاة في الفوضى التي تفجر طاقة المرح. والاتكاء على الشخصيات النمطية واللغة التهكمية الإضحاك الجسدي والحبكة اللامنطقية، في الوقت الذي تغيب فيه الكوميديا السوداء Dark Comedy التي تتخذ من المواضيع الجادة أو المؤلمة مادتها للفكاهة. الكوميديا التي لا تسعى للضحك المحض فحسب، بل غالبًا ما تستخدمه كوسيلة للتعليق على قسوة الحياة، أو للتعامل مع الألم، أو لتسليط الضوء على تناقضات الوجود البشري. حيث يمتد هذا النوع من الكوميديا إلى عمق النفس، ليعيد ترتيب المشاعر، ويمنح الإنسان قدرًا أكبر من التوازن.

صمدو – «أحلام العصر»
وهذا هو ما يفسر اعتماد معظم الأفلام السعودية الكوميدية على شخصيات كاريكاتورية شعبية معيبة، درباوية الملامح في معظم الأحيان، منذ شخصية مناحي (فايز المالكي) الذي حملت شخصيته عنوان الفلم. فهذه هي الشخصيات التي تستدر الضحك المجاني بالنظر إلى شعبوانيتها وسهولة اغترافها من الفضاء العام. وكأننا أمام كوميديا لا تُنتج لمشاهدي ومتذوقي السينما بل لصغار السن. وقد كان من الممكن أن تنبني بعض تلك الشخصيات وفق أبعاد إنسانية تولد التعاطف. وذلك بإلباسها شخصية المُضحك المُبكي tragicomic character. فشخصية صمدو (صهيب قُدس) مثلًا في فلم «أحلام العصر» لاعب كرة القدم المعتزل، الذي يعاني من العطالة وانحسار النجومية إضافة إلى فقد زوجته، كانت تحتمل هذا المنحى، إلا أن الفلم تبدد حول صرعات السوشيال ميديا وجرائم الفساد ولذلك لم تتحرر شخصية صمدو من نمطيتها، وبالتالي لم تحظ بأي تعاطف. لأنها عجزت عن اختراق وجدان الجمهور. وذلك من خلال نهاية سعيدة ساذجة لا توقظ أحاسيس المشاهد.

سعد – «سطار»
وبنفس النهاية السطحية انتهى فلم «سطار» الذي يتحدث عن شخصية سعد (إبراهيم الحجاج) الذي يحلم بأن يصبح أحد نجوم المصارعة الحرة، إلا أن الفلم لا يغوص في أعماق شخصية سعد، ولا يراهن على كيميائها البشري، بقدر ما يقدم شخصية رجل سمين تخدمه الصُدف، فهو أقرب إلى السذاجة منه إلى معنى البطولة. لدرجة أنه تحول إلى ما يعرف فنيًا بالكوميديا التهريجية Slapstick comedy الموجهة في المقام الأول للأطفال والمراهقين، وتعتمد على المبالغة الجسدية، والحركات الهزلية السريعة، والمواقف العنيفة التي تُقدَّم بطريقة بهلوانية، لتثير الضحك بمباشرتها وعفويتها، وتُستخدم فيها الضربات والسقوط والانزلاقات. فيما تتنازل عن إنتاج المعنى.

بركة – «بركة يقابل بركة»
وربما تكون شخصية بركة (هشام فقيه) في فلم «بركة يقابل بركة» أكثر تلك الشخصيات قربًا من الكوميديا السوداء، على الرغم من كونها شخصية مسقطة في سياق فلم درامي الطابع. حيث يؤدي هشام فقيه دورًا كوميديًا مركبًا، فهو موظف بلدية بسيط، يتدرب في أوقات الفراغ على تمثل دور «أوفيليا» في مسرحية «هاملت». كما يعيش قصة حب مستحيلة، وهو القادم من طبقة اجتماعية بسيطة مع «بركة» التي تتماثل معه في الاسم والحُلم، لولا أنها ربيبة أسرة برجوازية. وعلى هذا الأساس تحدث المفارقات المضحكة المحزنة في آن. وإن كانت الشخصية بحاجة إلى تطوير وشحن على مستوى المشاعر.

عامر – «شباب البومب»
وفي ذات السياق الهزلي يقدم (فيصل العيسى) كوميديا آمنة، أقرب ما تكون إلى كوميديا الأطفال Children’s comedy. وذلك من خلال فلم «شباب البومب» بجزئيه، استثمارًا لنجاح المسلسل الذي جاء بنفس العنوان. وهو فلم منذور لإضحاك الأطفال والمراهقين بالدرجة الأولى الذين يجدون فيه مساحة دفء، من خلال محتوى كوميدي بسيط، ونكات سطحية ومباشرة. ولكن من دون تجاوزات لغوية، أو تلميحات مبطنة، مع التأكيد على جملة من الرسائل الايجابية بالمعنى الوعظي، كالترويج لمفاهيم الصداقة مثلًا. حيث يضطلع عامر (فيصل العيسى) بالدور الأكبر عبر شخصيته الكاريكاتورية الشعبية المحبوبة، إلى جانب شخصيات مهلهلة تراهن على الإضحاك من خلال عطبها الشكلي واللفظي. وهو المنحى الذي يغذي الأطفال بشحنات من الهزل المجاني.

فيلم «الخلاط»
إلى جانب هذه الأفلام هناك أفلام أخرى مثل «شمس المعارف» و«عياض في الرياض» و«الخلاط» و«راس براس» و«الهامور ح. ع.» و«إسعاف» و«فخر السويدي» و«الزرفة» وغيرها من الأفلام التي تتفاوت في منسوب كفاءتها الفنية وقدرتها على الإضحاك. إلا أن القاسم المشترك فيها يكمن في مغالاتها في الهزل والعجز عن إنتاج المعنى. بمعنى اعتمادها على إثارة الضحك الصرف من خلال الشخصيات (الاستهبالية) المعتمدة في المقام الأول على حركات جسدية مضحكة، وعبر مواقف غبية وسخيفة تصادف تلك الشخصيات في جو من الفوضى، حيث تتضخم العثرات الصغيرة لتتحول إلى كوارث، وضمن إيقاع حركي سريع يوحي بالنشاط والفاعلية وخروج القصة عن سياقها الطبيعي، في الوقت الذي تخلو فيه تلك الشخصيات من العمق العاطفي، بل أن الفلم ذاته يتجرد من المشاعر، بالنظر إلى تركيزه على الضحك الترفيهي الخالص. وهذا هو ما يفسر خروجنا من جو هذا النمط من الأفلام من دون أي قدرة على تأمل ذواتنا
وأظننا ما زلنا على مسافة بعيدة من أفلام الكوميديا السوداء، وذلك بسبب عدم وجود كُتاب يمتلكون الجرأة أو القدرة على مقاربة التجارب الإنسانية الحساسة. كالموت والمرض واللامعنى واللاجدوى والفقر والحرب والمآزق الوجودية. فهذه موضوعات تحتاج إلى معالجة اجتماعية فلسفية، ليس للسخرية منها، بل للتخفيف من حدتها. حيث الرسائل الفنية العميقة التي تتطلب أدوات أهم من الضحك لمجرد الضحك. وعلى اعتبار أن النقد الاجتماعي اللاذع، المقولب في مشاهد كوميدية لا يتأتى إلا من خلال نظرة استكشافية قادرة على التماس مع وجودية الإنسان. وذلك في إطار تخفيف الألم بالضحك. وعبر نهايات ليست سعيدة بالضرورة، بل واخزة لضمير المشاهد، تدفعه للتفكير أو حتى الانزعاج بعد انقضاء فاصل الضحك.

فيلم «شمس المعارف»
المفارقات الحياتية التي تضغط على الإنسان في السعودية كثيرة. وهي بحاجة إلى معالجات تتجاوز كوميديا التصريف العاطفي وتهريب الذات خارج مدارات الألم، إلى كوميديا تنهض على تجربة شعورية مركبة، تمزج ما بين الدعابة بالحزن، والسخرية بالجدية، لتمنحنا كمشاهدين لحظة مواجهة مريرة مع واقعنا. بمعنى أننا نستحق فكاهة من نوع مختلف. أي كوميديا ليست خفيفة أو سطحية أو بريئة. وهذا لا يتأتى إلا في مدار نكتة مشوبة بالذنب أو الألم، حيث التوتر العاطفي الذي يولد الإحساس العميق بالمفارقة. وهنا تكمن فاعلية الكوميديا التي تكشف الجانب المظلم من حياتنا. بما تولده من إحساس نفسي عميق كاشف لتوتراتنا الداخلية. وفي الوقت ذاته تهبنا القوة أو المنفذ الآمن للحديث المغلف بالدعابة عما لا يقال، أو ما نخشى مجابهته سواء على المستوى النفسي أو الاجتماعي.

فيلم «إسعاف»
الضحك، كما يقول علم النفس، آلية دفاع ذات تأثير نفسي عميق. كما أن السخرية وسيلة دفاعية ناجعة ضد الألم. وهنا يكمن الأثر العاطفي لهذا النوع من الكوميديا، حيث يمكن للفلم أن يعيد صياغة الواقع المؤلم في مشاهد فكاهية تلتف على المأساة بطريقة لا تخلو من الشجاعة. وذلك في إطار كشف قبح العالم. فالكوميديا السوداء بهذا المعنى لا تزوّر واقعنا بل تكشفه لنرى أنفسنا بشكل ساخر، أو ساخط، وفي بعض الأحيان بوجه قاسٍ. وهذا هو بالتحديد ما يؤدي بنا إلى الغضب أو التأمل عوضًا عن القهقهة المجانية والاستمتاع بمشاهد النهايات السعيدة. وفي هذا المفصل يتحول الأسى إلى ضحكة، والمأساة إلى لحظة إنسانية صادقة. وهذا هو ما يجعل الكوميديا السوداء فنًا للنجاة.
اقرأ أيضا: «إسعاف».. كوميديا التخمة