فاصلة

مقالات

عمر الشريف راهن على الحياة وكسب

Reading Time: 5 minutes

هو فنّان بوجوه متعددة، عالميّ الهوى، متحرر من قيود الانتماء، في صوته كاريزما، وفي عينيه شيء من الغموض الآسر. رحل قبل عشر سنوات، وهو في الثالثة والثمانين، بعد حياة حافلة بالتناقضات عاشها على أوسع نطاق، أرهقته كما أكرمته.

جاء رحيله بعد أشهر قليلة من وفاة فاتن حمامة، المرأة الوحيدة التي أحبّها بصدق، وكان تعرف إليها في موقع تصوير أولى تجاربه التمثيلية وجمعتهما سبعة أفلام في المحصّلة. كرر مراراً أنه لم يعرف الحبّ من بعدها. لم يتزوج ثانيةً، رغم ما أغرته به الحياة من فرص. هي كانت الاستثناء في حياة ملأها الانفلات العاطفي والمغامرات العابرة. ولمّا رحلت، شعر وكأن شيئاً منه قد انهار.

مسيرته الفنية زخرت بقرابة ستين فيلمًا، تشكيلة متنوعة من السينما الرفيعة وأخرى تجارية، لجأ إليها ليحافظ على نمط العيش الذي اعتاده. لم يستقر في مكان، بلا عنوان ثابت، ولا رقم هاتف معروف. ظل يتنقّل بين فنادق العواصم الكبرى وكازينوهاتها، يلاحق متعة البريدج ويهرب من فكرة الاستقرار الذي يراه بعضهم «قاتلًا». 

عاشها بشراسة. لم يدّخر منها شيئاً، مفضّلًا التهام اللحظة بأسنان حادة.

عمر الشريف
Lawrence of Arabia (1962)

إنه عمر الشريف، ذلك الرجل القادم من السراب، ذات زمن بعيد. في لقطة سينمائية من «لورنس العرب» لن تسقط من ذاكرة المشاهدين، رأينا عربيًا يخطو ببطءٍ من عمق الصحراء، نحو النقطة التي وضع فيها ديفيد لين كاميراه. جملٌ يشقّ رمالًا لاهبة، وسكونٌ يلفّ المشهد كأنما هو انتظار لنبوءة.

هكذا ظهر عمر الشريف، إلى جانب بيتر أوتول، لأول مرة في الفيلم الذي صنع اسطورته. ومن تلك اللحظة، وُلد نجمٌ بمواصفات دولية. لكن، قبل ذلك الظهور المهيب، بدا كأن خطوات عمر الشريف مرسومة سلفًا نحو العالمية. فمنذ أول أدواره في «صراع في الوادي» ليوسف شاهين، تشكّل مساره بثقة، وتوالت أدواره تحت إدارة كبار مخرجي السينما المصرية: كمال الشيخ، هنري بركات، فطين عبد الوهاب، عز الدين ذو الفقار، صلاح أبو سيف وغيرهم. نجَّم بفترة قياسية. 

عمر الشريف
صراع في الوادي (1954)

كان شاهين قد تذكّر رفيقه القديم، ذلك الفتى الذي تألّق على خشبة مسرح المدرسة، فأسند إليه دور أحمد بدافع اكتشاف وجه جديد يحمل شيئًا مختلفًا. ومن تلك اللحظة، بدأت الحكاية وكرّت السبحة.

اشتغل عمر الشريف في السينما المصرية ثماني سنوات، شارك خلالها في أعمال بعض من أبرز صنّاعها، قبل أن ينطلق إلى أفق أرحب. هناك، لم يعد وجهًا مصريًا فحسب، بل مساحة بيضاء، إذ كان في إمكانه أن يكون جنكيز خان، دكتور جيفاغو، أو حتى تشي غيفارا، وغيرهم، من دون أن يخونه الحضور.

كثيرًا ما نُسب نجاحه إلى الحظّ أو المصادفة، لكنه كان يعترف بجميل خاص للفرنسيين، الذين كرّموه لاحقًا بوسام جوقة الشرف، أرفع لقب رسمي في البلاد. 

عمر الشريف أثناء حصولة على جائزة «غولدن غلوب» (1963)
عمر الشريف أثناء حصولة على جائزة «غولدن غلوب» (1963)

ذلك الفتى المولود في الإسكندرية، لعائلة ذات جذور شامية عريقة، وُلد باسم ميشال شلهوب. هاجرت عائلته وتمصّرت، واندمجت في نسيج المدينة الكوزموبوليتية. تلقّى تعليمه في فيكتوريا كوليدج، حيث انفتح على ثقافات غير عربية، وتشرّب لغات عدة، أبرزها الإنكليزية التي كانت بوابته إلى العالمية، ومفتاحه نحو أدوار سينمائية كبرى، أولها دوره في «لورانس العرب»، الذي نال عنه جائزة «غولدن غلوب» كأفضل ممثّل في دور ثانوي.

طلّته سهّلت عبوره إلى هوليوود. أزال الشامة عن خدّه، كأنه يهيئ وجهه لشاشة بلا حدود. يصعب الحديث عن وسامته من دون استحضار «دكتور جيفاغو»، رائعة ديفيد لين الأخرى، وهذه المرة لعب بطولتها. في ذلك السرد الملحمي لروسيا الثائرة، تجلّى العاشق الذي تسبق دموعه كلماته، في مشاهد لا تُنسى. أغنية لارا، جولي كريستي، الثلوج، النفي… عناصر صنعت لحظة خالدة، نال عنها ثاني «غولدن غلوب» في مسيرته.

عمر الشريف
Doctor Zhivago (1965)

توالت الأدوار، بين دراما وتاريخ ورومنسيات وأفلام حركة، من «فتاة طريفة» لوليام وايلر إلى «مايرلينغ» لترنس يانغ، مرورًا بـ«ليلة الجنرالات» لأناتول ليتفاك، الذي جمعه مجدداً ببيتر أوتول. وصولًا إلى محطّات متأخّرة، من بينها «موسيو إبراهيم وأزهار القرآن» لفرنسوا دوبيرين، الذي أهدى إليه جائزة «سيزار»، ثم «روك القصبة» لليلى مراكشي، الفيلم الذي ودّع فيه الشاشة بدور رجل ميت.

في مصر، التي عاد إليها في سنواته الأخيرة، لم تغب صورته عن الشاشات. شارك في «المسافر» لأحمد ماهر الذي عُرض في مهرجان البندقية، ووقف إلى جانب عادل إمام في «حسن ومرقص» لرامي إمام.

عمر الشريف
حسن ومرقص (2008)

كان قادرًا على أن يكون أرمينيًا، تركيًا، أرجنتينيًا، روسيًا، منغوليًا، عربيًا، يتنقّل بين الهويات كما لو كان يعبر بوابة مسرح. ما من خيط ناظم يربط مسيرته الفنية، وكأن اختياراته التي تبدو عشوائية، انعكاس لرغبة داخلية في التفلّت من كلّ تصنيف وقيد. لم يتّبع منهجًا. سار حيث قادته اللحظة، كمَن يهرب من الثبات بوعي تام.

سُئل مرة إن كان يندم على بعض أدواره، فأجاب: «أنا لا أفهم هذه الكلمة. ربما كرهتُ أفلامًا كثيرة، لكني لا أندم. قررتُ أن أعيش اللحظة ولا أفكر في ما فات. الماضي طويل جدًا، والمستقبل يضيق يومًا بعد يوم. لا أريد حذف شيء، لكن لا أرغب في اجتراره».

هذه الفلسفة البسيطة كانت ملاذه. لا ينظر إلى الوراء ولا يتأمّل الخسائر. يعيش اللحظة، لأن ما تبقّى أقلّ ممّا مضى. لا مكان للندم في حياة اختار صاحبها أن يعيش كلّ يوم كما لو كان الأخير. هكذا كان: لا في الشرق تمامًا، ولا في الغرب كليًا، بل دائمًا في المسافة بينهما… بلا نقطة التقاء.

لم يكن عمر الشريف يخفي مشاعره تجاه السياسة. تحدّث بصراحة عن رفضه للأنظمة القمعية، وروى كيف حاول نظام عبد الناصر تجنيده لاغتيالات سياسية، كما كشف أن المخابرات المصرية سعت لتجنيد فاتن حمامة، لكنه وقف في وجه ذلك. دعا السنّة والشيعة إلى نبذ التقاتل والتوحّد في وجه الاحتلال الإسرائيلي. ومع ذلك، لم يكن دائم الاتزان؛ فغضبه المفاجئ كان يقوده أحيانًا إلى تصرفات ندم عليها لاحقًا. ورغم ما في ذلك من حدّة، ظل محتفظًا بجانب طفولي، يدمع أمام مشهد سينمائي مؤثّر، ويقول في لحظة صدق: «مع الوقت، بتُّ أقل تسامحًا وأكثر غضبًا. كنّا نظن أن الشيخوخة حكمة، لكنها في الواقع ضيق وقت».

لم يكن يحب العمل كثيرًا وكان بحاجة دائمًا إلى مَن يدفعه نحوه. أنفق بسخاء، خسر لكنه ربح ذكريات يملك موهبة روايتها. حتى وهو في سبعيناته، ظلّ يعيش بتمرد، أنيقًا في حضوره، غير آبه بالموت، لكنه يتوجّس من المرض والانهيار. كان الألم وحده ما يربكه. أكثر ما كان يخشاه أن يتحوّل عبئًا على أحد. وحين بدأت ذاكرته تتآكل بفعل الزهايمر، بدت تلك اللحظة أشبه بخلاصة رمزية لحياةٍ كاملة صُرِفت في الترحال والتجريب، في تقمّص «الآخر» في كلّ دور ومشهد. مع فقدان الذاكرة، فقد عمر الشريف آخر ما تبقّى من ملامح ذاته. 

اعتاد عمر الشريف أن يكون حاضرًا داخل الشاشة، في الحكايات، وعلى امتداد الخيال الجمعي لجمهوره، انسحب ببطء إلى غياب أبدي، لا يشبه أي خروج درامي سبق أن أدّاه. لم تعنِ له الخسارة الكثير، الأهم أن يبقى هناك ما يراهن عليه.

اقرأ أيضا: كلب وحصان وحمائم… الواقعية السحرية في سينما رضوان الكاشف

شارك هذا المنشور