فاصلة

أصوات نقدية سعودية

«الزرفة».. نجاح كبير لقصة غير متماسكة

Reading Time: 5 minutes

عادة ما تكون الأفلام أو المسلسلات التي تدور أحداثها داخل السجون مثيرة للاهتمام، تكشف مناطق وأحداث وحكاية غريبة وغير مطروقة أو مألوفة، فالسجن بوصفه مكان مغلق وخطر والأهم: مرفوض اجتماعيًا، يشكل بيئة درامية خصبة لأي عمل. تتعدد فيه الشخصيات وتتنوع فيه الدوافع والأفكار، فالكثير من أفلام السجون حققت قدرًا من التميز أو على الأقل قدمت تجربة ممتعة بغض النظر عن قيمتها الفنية. ويمكن هنا أن نذكر عددًا من الأعمال التي تدور أحداثها أو جزء منها بالسجون.

أحد أشهر الأمثلة على نجاح الأعمال التي تدور في عالم السجن الغامض، فيلم «الخلاص من شاوشانك The Shawshank Redemption (1994)» وكذلك فيلم «الميل الأخضر The Green Mile » (1999) ومن المسلسلات «الهروب من السجن Prison Break« (2005–2017) على الأقل في موسمه الأول. هذا الأخير استدعاه فيلم «الزرفة» من خلال الاستعانة بأحد ممثليه وهو روبرت نيبر المعروف بشخصية «تي باغ» ليكون احد شخصيات الفيلم السعودي الجديد، في إشارة لتأثر الفيلم بأجواء المسلسل، وهو ما سنفصله لاحقًا في هذه المراجعة.

الزرفة (2025)
الزرفة (2025)

عندما تسمع عن فيلم جديد تدور أحداثه بالسجون ويقدمه فنانون سعوديون، تنتظر لترى ما إذا كان العمل يعتزم تقديم تصور درامي مختلف أو قصة ملفتة تتصل بواقع المجتمع السعودي وقضاياه وانعكاساتها في عالم السجن، بعيدًا عن القصص التي شاهدنا الكثير منها بالأفلام الأجنبية أو حتى العربية وبالتحديد المصرية. ليس فقط لأن أحداث السجون منطقة خصبة جداً درامياً، ولكن كذلك لأنه اول فيلم سعودي يدور في جانب كبير منه داخل ذلك العالم.

 لكن الفيلم وكانه يحرص منذ الوهلة الأولى على تخييب الظن. يبدأ الفيلم من قصة عادية جداً يمكن ان تحدث في أي مجتمع لو غيرنا أسماء ولغة حوار الشخصيات، فنتابع في بدايته ثلاثة أصدقاء (محمد شايف، حامد الشراري، وأحمد الكعبي) يعملون في سلسلة مطاعم يملكها رجل أعمال شهير (إبراهيم الخير الله)، ونفهم أنهم خططوا للفوز بمسابقة نظمها رجل الاعمال لاختيار العاملين في مطعمه، فلم يشاركوا فيها بحثا عن فرصة عمل تجمعهم وإنما لأنهم يخططون لسرقة موروث قبلي ذهبي، يحتفظ به هذا التاجر في معرضه الخاص. سرعان ما يلقى القبض على اللصوص الثلاثة ويلقون في السجن، ولكن بعد أن يخبئوا القطعة المسروقة في مكان بعيد، يصدف أنه موضع تصوير فيلم روائي يتناول حياة أحد أجداد رجل الأعمال نفسه. وبالرغم من إنكار التاجر حدوث السرقة دون مبرر مقنع، إلا انهم مع ذلك يسجنون، دون تهمة واضحة.

«الزرفة».. صدى واسع لقصة غير متماسكة
الزرفة (2025)

يلجأ فيلم «الزرفة» إلى استخدام أسلوب يعرف بالواقع البديل أو الفضاء المتخيل، هو أسلوب يتيح لصناع العمل تقديم تصورات وأحداث في الفيلم تختلف عن الواقع المعاش والمعروف، ودون الالتزام الصارم بواقعية الفضاء الجغرافي والاجتماعي لموضع الأحداث (البلد أو المدينة) أو منطقها. لذا، فعلى الرغم من أن أحداث الفيلم تدور داخل الرياض، إلا طريقة بناء العالم والشخصيات توحي بأن ما يجري يقع في مكان آخر، أو على الأقل في نسخة خيالية ومفصولة عن الرياض الحقيقية.

يتجلى هذا الانفصال من خلال المبالغة في تقديم بعض الشخصيات والمواقف، أو عبر مفارقات ساذجة تًفقِد السياق واقعيته. مثل شخصية مدير السجن «أبو حامد» (خالد عبد العزيز)، التي تظهر بتكوين غير منطقي سواء في خلفيتها أو في تصرفاتها ودوافعها، ما يجعلها أقرب إلى كاريكاتير منها إلى شخصية درامية وواقعية. أقرب مثال على هذا الأسلوب هو في سلسلة أفلام باتمان التي تدور أحداثها في مدينة جوثام، وهي مدينة متخيلة تستلهم أجواء نيويورك وشيكاغو دون أن تكون أيًا منهما.

 محليًا، نجد مقاربة مشابهة في فيلم «راس براس» للمخرج مالك نجر، الذي اعتمد بناء عالم خاص وشخصيات تتجاوز الواقع المباشر. مما يتيح خلق عوالم رمزية تتيح حرية أكبر للسرد.

الزرفة (2025)
الزرفة (2025)

بالرغم أن هذا الأسلوب يعطي مساحة وحرية أكبر لصناع العمل في تشكيل عالمهم دون الوقوع في مطب التصادم مع الواقع والقيود الرقابية؛ إلا أن «الزرفة» لم يستغل ما تتيحه له تلك اللعبة السردية من مساحة لتجاوز الخطوط الحمراء أو تقديم رؤية درامية جريئة لما يفترض أنه يدور داخل عالم السجون. يزيد على كل هذا، إخفاق الفيلم في بناء عالمه وصياغة أحداث بمنطق هذا العالم الداخلي. فلا شيء ملفت على مستوى البناء السردي أو التفاصيل الفنية. حتى الكوميديا التي يعتمد عليها الفيلم جاءت باهتة سطحية، بل وطفولية أحيانًا. تفتقر إلى الذكاء والعمق، مستندة على نكت جاهزة ومشهورة، قد يعرفها المشاهد أو سمع بسياقها من قبل. أي أمام فريق عمل تمتع بفرص عدة للنجاح في صناعة فيلم في منطقة جديدة ومختلفة ولم يتم التطرق لها في أفلامنا المحلية، لكنه أخرج لنا فيلمًا غارقًا في التشتت والضياع، وخيوط سرده مفككة ملقاة عفو الخاطر.

الزرفة (2025)
الزرفة (2025)

إذن، فعلى الرغم من افتتاح الفيلم في مساحة جيدة نوعًا ما، بعيدًا عن كونها ساذجة وغير منطقية وهي محاولة التخطيط للسرقة، وحتى دخول الشخصيات للسجن، والتي تعادل الربع الساعة الأولى من الفيلم تقريبًا؛ تنفرط حبات عقد الفيلم بعد تلك الافتتاحية الأولى، وتضيع خطوطه في اتجاهات غير مترابطة. وبدلًا من التركيز على المساحة المهمة وهي السجن باعتبارها المسرح الرئيس للأحداث؛ نجدنا أمام تتابعات سردية واهية وضعيفة وغير ملفتة، ولا تقدم شيئًا مهمًا على مستوى الحدث أو تطور الشخصيات.

أضف إلى ذلك، أن التعريف بالشخصيات الكثيرة داخل السجن جاء من دون مبرر درامي ولا أهمية. كان بالإمكان بالطبع أمام هذا التشتت والضياع، ربط الخيوط مع بعضها البعض وتقديم قصة لطيفة وبسيطة ومتماسكة، ولكن يبدو أن صناع العمل أرادوا أن يجعلوها فرصة لتقديم أكبر قدر من الشخصيات بغض النظر عن ضرورتها أو أهمية دورها الفعلي، وما إذا كانت ستضيف شيء للفيلم أو لا.

الزرفة (2025)
الزرفة (2025)

 وما زاد من تشتت الفيلم وترهله، ذلك التركيز على خط سردي جانبي وهو محاولة التاجر صناعة فيلم عن أحد أجداده، مما جعل الفيلم ينفصم إلى فيلمين بينهما رابط واه، ويكاد أحدهما يؤثر في الآخر بصعوبة. نعم، هناك خيط رفيع يربط هذا الخط مع الأحداث الرئيسية بشكل ما، ولكن ما أهمية التركيز عليه وتقديمه كما ظهر بالفيلم إلا من باب خلو الفيلم وفراغه من مادة درامية حقيقة، وبالتالي محاولة حشوه بالأحداث الفرعية، والشخصيات غير المهمة.

التبسيط بقدر ما يظهر أنه من السهل الوصول له، إلا أن تطبيقه على أرض الواقع يعد مهمة صعبة بعض الشيء، مما يوقع أي عمل ينشد ذلك، أحيانًا في فخ السذاجة والتخبط، بل أكثر من ذلك يخرج العمل من منطقه الدرامي لمساحة التشتت والضياع، وللآسف هذا تحديدًا ما حدث في فيلم «الزرفة» الذي أراد أن يقدم حبكة بسيطة تدور حول محاولة ثلاثة شباب لسرقة قطعة الذهب ودخولهم للسجن، إلى فيلم مليء بالثغرات واللامنطق، وتشتت السرد وعدم انتظامه ضمن حدث مركزي ناهض يبعث الحبكة وينعشها ويمنحها دفعة درامية حقيقية.

 يسقط فيلم الزرفة في الكليشيهات المعتادة للحياة داخل السجن سواء على مستوى الأحداث أو طبيعة الشخصيات. ولكن حتى مع التزامه بالتقليدية يفشل في إعادة تقديمها بالشكل المتوقع أو المطلوب. فرص عديدة لتطوير السرد أهدرها الفيلم؛ فلا عواقب حقيقة، ولا تخطيط واقعي ومدروس للهروب والنجاة، ولا تطور يذكر للشخصيات التي ظلت سطحية واعتيادية. حتى الشخصية الوحيدة التي بدت أكثر قابلية للتطوير، وهي شخصية «محمد شايف»، أهدرت فرص تشكيلها وتطورها.

اقرأ أيضا: «إن شالله الدنيا تتهد».. عن واقع تحكمه الأقنعة ومنظومة استهلاكية تبتلع الجميع

شارك هذا المنشور