روحت الجامع
طلعت من جيبي بيضا وحيطتها في دفا صدري
استنيت لغاية الفجر…
حسيت بعضم البيضة هيطقطق وفرخ أخضر خارج منها،
محدش سمع صوته في الدنيا إلا أنا،
دبحته بسكينة حامية وصفيت دمه على منديلك
ودفنت المنديل تحت حيطه الجامع
علشان ترجع ونشمو ريحتك.
هكذا تصف سعاد طقسها السري لاستعادة الغائب في المشهد الافتتاحي من فيلم «الجنوبية» مشروع تخرج رضوان الكاشف من معهد السينما عام 1984، الفيلم القصير الذي كتبه وأخرجه كنواة لملحمته «عرق البلح» التي خرجت إلى الشاشات بعد هذا التاريخ بخمسة عشر عاما تقريبا.
هنا تحكي الشابة أنها خرجت في الليل «صوت الديابة ودبدبة العقارب في وداني» وأنها وضعت بيضة بين ثدييها واتجهت إلى مسجد قريتها الجنوبية، كي تدعو الله لكي يرد حبيبها المصراوي الغائب – أي الذي تربي في القاهرة – ومن حر الصدر النابض بالشوق تنضج البيضة، ويخرج منها الفرخ الأخضر الذي يصبح قربانًا من اجل عودة الحبيب المسافر.
في مخيلته السينمائية المكتظة بالمجازات، والنابضة بخليط من مشاهدات وقصص وصور وأصوات وأساطير وحكايا لا يغيب الوهج عن تفاصيلها، تكمن علاقة ظاهرة وباطنية في الوقت نفسه بين رضوان الكاشف وبين الكائنات الحية، في تجاربه السينمائية الروائية الأربعة «الجنوبية» و«ليه يا بنفسج» و«عرق البلح» و«الساحر» سواء كانت طيورًا (حمامة، ديك وأوزه) أو حيوانات دابة (كلب وحصان)، وهو ما يجعل المشهد المُستدعى في بداية نصنا لفيلم «الجنوبية» مفتتح صغير لتتبع تلك العلاقة عبر رحلته الفيلمية.

في «الجنوبية» يرسم رضوان المشهد الافتتاحي عبر استدعاء حالة الليل، مستخدمًا صوت الذئاب الذي يصل إلى سمع سعاد، فلا يمس الخوف قلبها العاشق، ولا تلتفت لصوت دبيب أرجل العقارب من شدة حساسيتها واهتياج مشاعر الفقدان في داخلها. الصورة شعرية بليغة، ترسم شريط صوتي مرعب لحالة الليل الطويل الذي تعيشه بعيدًا عن حبيبها «ويا دوبك راجع بعد سنين متتعدش ويا ريتك راجع لي! رجعتك للميتين» حيث يبدو هذا العاشق هو نفسه رضوان! ابن قرية كوم شقاو من أعمال طما بمحافظة سوهاج، حيث كانت قدمه تدب في الإجازات الصيفية والمناسبات بعيدًا عن حي السيدة زينب الذي ولد فيه عام 1952، وعلى ما يبدو أن ثمة علاقة نمت بشكل متجذر في وجدان الكاشف الطفل والمراهق بينه وبين الكائنات التي تكتظ بها قرى الجنوب ولا تخلو منها شوارع القاهرة خصوصًا في احيائها القديمة.

تبدأ ثلاث من أفلام رضوان الروائية الأربعة بافتتاحية العودة، حيث ثمة شاب يعود إلى مسقط رأسه، أو إلى حيث بدأت الحكاية، وذلك في أفلام «الجنوبية» و«ليه يا بنفسج» و«عرق البلح».
في «الجنوبية» يعود حبيب سعاد ليتتبع أصل حكاية العمة سلمى وحبيبها أحمد، وقصة زواجها القسري وعشقها السري، وفي «ليه يا بنفسج» يعود أحمد – نلاحظ تكرار الأسماء المقصود- من سفرته الطويلة للعمل في الخارج إلى الحارة مرة أخرى، لتستقبله عمته فردوس -الوجه الأخر لزيد الخير في «الجنوبية» و«عرق البلح»- قبل أن تموت ويرث عربة الأكل وعشة الحمام الخاصتين بها، ليقابل في الحارة وجهيه الأخرين؛ عباس وسيد حيث يبدو أحمد وعباس وسيد ومعهم الهارب على بوبي أربعة وجوه لنفس الشخص.
وفي «عرق البلح»، نرى ما يشبه تجسيد لعودة الشاب المصراوي بعد ان كان مجرد عين صامتة تتابع الحكاية في «الجنوبية»، نراه هنا يدق بوابة القرية التي سقطت نخلاتها العاليات وانكشف رعب الشمس كما تحكي حافظة الحكاية زيد الخير، قادمًا من سفره البعيد، متتبعًا رائحة قوية تشده إلى قريته الأولى؛ ربما هي الرائحة التي تفوح من المنديل المغسول بدم فرخ الحمام الأخضر الذي دفنته سعاد اسفل جدار الجامع في الجنوبية.
وترتبط العودة في افتتاحيات تلك الأفلام بنوع مبطن من الهزيمة، ثمة شخص مهزوم بحكم الزمن او الرحلة أو فقدان الذات، يعود لكي يلملم شتات نفسه أو يتأمل في أصل هزيمته عبر حكاية تخصه أو تخص الأخرين الذين كانوا ضمن اسباب الهزيمة. تماما مثل الشاب الشبحي في «الجنوبية»، العائد ليسمع حكاية سلمى بوجهها الجميل المقهور والمغدور مثل جنوبيات كثيرات يرغبن في التحرر من أسر عادات بالية، أو أحمد العائد بعد فشله في جمع المال والحب من غربته، أو المسافر العائد في افتتاحية «عرق البلح»، المسكون بالشمس الذي تستدرجه رائحة قديمة ليكشف سر الهزيمة التي اصابت قريته الملوثة بـ«السكوت والعمى والنسيان» على حد الشرط الذي يضعه وكيل السفريات وهو يجمع رجال القرية كالدواب قبل أن يشحنهم للعمل في الخارج.

حمام سحري وأوزة بيضاء حلوة
في أول ظهور لعباس وسيد بفيلم ليه يا بنفسج 1993 اولى تجارب الكاشف الروائية الطويلة- كتابة مشتركة مع سامي السيوي- نرى حمامة بيضاء تقف فوق وجه عباس، بينما هو مستسلم ومستكين كأنه أمر طبيعي، تعطينا صورة الحمامة البيضاء فوق الوجه النائم شعورًا بالطيبة والحنو، وتبدو كترجمة مجازية واضحة لما يحسه أحمد تجاههما، عندما تفتح له عمته فردوس باب (العشة) ليلقي عليهم نظرة العودة بعد سنين الغياب.
يترجم الكاشف شعور أحمد تجاه عباس وسيد –رغم ما نراه من عنف وقسوة وتخبط في علاقتهم ببعضهم وبالواقع الذي يعيشونه- بوجود الحمامة البيضاء على وجه عباس، وصوت الحمام الذي يهدل في انحاء العشة. لا احد يطلق على غرفة العمة فرودس (أوضة) بالتعبير الدارج أو شقة! بل الكل يتحدث عنها على اعتبار أنها عشة! ليس فقط لوجود الحمام المستمر بها، ولكن لأنها تضم أحمد وعباس وسيد في كنفها؛ كأنهم كتاكيت أو أفراخ حمام تراعيهم بحضورها أو بطيفها الحاضر بعد موتها.

وفي افتتاحية «الساحر» 2001 آخر أفلام الكاشف – مع سامي السيوي أيضًا- نرى منصور بهجت الساحر المعتزل، والأب الذي يعاني من قلق ذكوري رهيب على جسد ابنته المراهقة المنفجر بالأنوثة، بينما يبدأ يومه بالصعود إلى عشة الحمام الخشبية التي بناها مع غرفة أخرى فوق سطح المنزل الذي يسكنه، ربما في نفس الحارة التي كان يسكنها احمد وعباس وسيد، حيث تذكرنا عشة منصور بعشة العمة فردوس، واحدة في الأسفل والأخرى فوق السطح. وكأن إطعام الحمام هو جزء من جغرافيا يومه ونظرية بهجته، أو على حد قوله لصاحب البيت عندما يطلب منه إخلاء واحدة من الغرفتين لصالح ساكنة جديدة/ شوقية أم علي «ده حمام سحري من النوع الغالي».
كل شيء بالنسبة لمنصور هو سحري من النوع الغالي، بداية من الحمام مرورًا بالحصان الذي يحاول بيعه لحازم ابن المليونير فاقد الذاكرة، وصولًا إلى جسد ابنته نور الذي يحلم في البداية بأنه غير قادر على حمايته أو لجم تضاريسه التي يعلو شأنها الأنثوي يوما بعد يوم أمام عينيه.
في «ليه يا بنفسج» ومع محاولة السيناريو تقديم شخصيات عباس وسيد، نراهم وهم يخفون ديك رومي ضخم لدى عيد، مقرئ المقابر الأعمى الذي يريد أن يذبحه ليطعم معدته الجافة من أثر قلة اللحوم، بينما يقنعانه أنه ليس من الجائز أن يتناولا الديك ليلة وفاة العمة فردوس، ثمة مجاز بصري ممتع هنا ونحن نرى عيد الأعمى وهو يمسك بسكينه ويرغب في ذبح الديك، صورة تبدو ادبية في وصفها: المقرئ الأعمى وهو يحمل سكينه كي يقص رقبة الديك المسروق، ودلالة المجاز واضحة؛ عيد يتعامل على اعتبار أنه مكتمل بلا عاهة تعوقه عن الأمور التي يحبها: الغناء والأكل وجارته الشهوانية التي ينتظر أن يطلقها زوجها كي يتزوج هو منها بعد أن عشق صوت تأوهاتها لسنوات، بينما هو مسجون خلف قضبان نافذته الأرضية التي ما هي إلا إشارة لعجزه وهزيمته أمام كل الأحلام التي رآها في كفاف نظره.
في الصباح يأتي صاحب الديك مصطحبا مخبر من القسم ليسترد الديك، وهنا يخلع عباس وسيد ملابسهم لكي يتشاجروا معه على عادة أهل المناطق الشعبية في القاهرة في تلك الفترة، ويصرخان ويهددان وينددان بتدخل الشرطة لصالح هذا المدعي –رغم انه صاحب الديك الحقيقي- وتصبح حادثة سرقة الديك ورده لصاحبه جزءًا مهمًا من تقديم وعرض شخصيات عباس وسيد، مضافًا إليها مشهد الحمام الذي ينام على وجوههم في بداية الفيلم.
في الساحر حينما نشاهد شوقية لأول مرة نراها وهي تركب عربة نقل الأثاث البدائية بينما تناول ابنها الصغير أوزة بيضاء، يحتضنها الابن في حب وحميمية. «وزة بيضا حلوة» هكذا يعرفها هشام جار منصور المصاب بمتلازمة داون وهو يتعرف على علي ابن شوقية، وتصبح الوزة ليست فقط محط الصداقة بينهما، ولكنها مجاز متعدد الأوجه. فعلي يربط الأوزة بحبل خوفًا من سرقتها وهو نائم، لكن أمه تعرف انه لم يعد يرى الأوزة بشكل جيد، ويريد ان يشعر بالأمان وهي قريبة منه «هربط الوزة بحبل وأمسكه بأيدي وانا نايم.. خايف تتسرق» ويتحقق ما يخشاه علي بالفعل، يسرقها هشام الذي يحب نور في الخفاء ويراقبها بينما تتبادل القبلات مع سيد حبيبها الشاب. ربما تبدو الأوزة بالنسبة لهشام تعويضًا عن نور، وفي نفس الوقت هي عينا علي اللتان على وشك أن يفقدهما.

بل إن الفيلم نفسه ينتهي على إحضار أبو علي – العربجي- أوزة بيضاء حلوة، بديلة عن التي سرقت، ويعيطها علي هذه المرة بإرادته إلى هشام لأنه ذاهب إلى المدرسة بعد أن أجرى جراحة تعينه على استرداد البصر.
نتوقف هنا أمام تفصيلة تخص العلاقة بين مسعود العربجي في «ليه يا بنفس«» الذي يسكر طوال الوقت خوفًا من أن يوجه اللحظة التي يفقد فيها ابنه المريض كما فقد أبناءه الآخرين، وبين علي ابن العربجي – وهو وجه أخر لمسعود- زوج شوقيه الذي يطلقها ويطردها هي وعلي من البيت، فتذهب لتقيم في جيرة منصور وتقرر قتل زوجها. عربجي «ليه يا بنفسج» يمنحه الثلاثي أحمد وعباس وسيد كلبًا صغيرًا طالبين منه أن يربيه مع ابنه الصغير، حتى اذا قرر ملاك الموت أن يأتي ليقبض روح الابن، يختلط عليه الأمر ويقبض روح الكلب الصغير وينجو الأبن!
تفصيله تنتمي بلا شك إلى عالم الواقعية السحرية الذي تماس معه الكاشف في أكثر من موضع خلال أفلامه خصوصا «ليه يا بنفسج» و«عرق البلح». وما يحدث هو ان ابن مسعود العربجي يموت بالفعل وينجو الكلب الصغير، وكأن ملاك الموت لم تنطل عليه الخدعة. وعندما يعود على بوبي محمولًا على كتف أحمد بعد أن تعرض للتصفية على يد العصابة التي سرقها، لا يجد أمامه سوى الكلب الصغير، فيطلبه من مسعود ظنًا منه أن الخدعة يمكن ان تنجح هذه المرة «اديني الكلب يا مسعود علشان يلهي الموت عني».
ومرة أخرى لا يفلح الكلب في انقاذ علي كما لم يفلح في انقاذ ابن مسعود، ويقبض ملاك الموت روح علي بوبي وسط رفاقه مبتسما كأنما لا يصدق أن الخدعة فشلت.

في الساحر لا يموت ابن العربجي وشوقية، ولا يحتاج أن تفتديه الأوزة أو تخدع ملاك الموت فلا يقبض روحه الصغيرة، تختفي الأوزة ويُنقذ الولد الصغير على يد منصور، كأنما يعيد الكاشف ومعه السيوي صياغة حكاية العربجي بشكل أكثر بهجة وتفاؤلا، وكأن استبدال الوزة بالكلب أفلح في انقاذ روح الصغير.
يعيد رضوان الكاشف توظيف الكلب كمجاز -بعد ان جربه في «ليه يا بنفسج»- عندما يقتله أحمد في «عرق البلح». فحين يكتشف أحمد الشاب الذي تُرِك وحيدًا وسط قرية سافر ذكورها وصار هو رجل كل النساء – بالمفهوم الإنساني والنفسي والمادي- تتعرض حيطان القرية إلى تسلل الغرباء، نتيجة طبيعية لغياب الرجال، حيث تقع شفا جميلة جميلات القرية وزوجة سالم في الخطيئة عندما تلتهمها غلمة مفاجئة، تنتابها أثناء الرقص على نقرات الدف الذي يحمله طبال منسجم ومُشتهي، وتحاول أن تتخلص من نطفة الخطيئة بمساعدة سلمى ولكن أحمد يفاجئهما، ويقرر أن يمارس دوره كذكر وحيد ينتقم لشرف النجع المهجور، ليثبت أن القرية لا تزال تحمل رائحة العفة والشرف، ونصل الفأس الحامي المدافع عن أجساد النساء. لكن سلمى تقبل قدميه راجية ألا يفعل ما اعتاد الرجال أن يفعلوه بالنساء في مثل هذه المواقف، ولا يجد أحمد أمامه سوى الكلب الذي كان جالسًا أسفل قدما شفا، ليشق رأسه بالفأس، تفريغًا لطاقة الغضب وحنق الشرف المغدور.
هكذا يموت الكلب الذي نجا في «ليه يا بنفسج» بفأس أحمد في «عرق البلح»، وتدفنه سلمى مع الخطيئة المُجهضة وهي تهمس «كأن شي ما حصلش» أي كأن المدفون هنا هو الكلب، وليس ما يدل على الخطيئة من دم وأمشاج.

نفسي أشوف أبويا وأصحابي والحصان
في «عرق البلح» حين يأتي وكيل السفريات مصحوبًا بقوة ضاربة تنزع الرجال من النجع، نراهم يركبون الدراجات البخارية رغم هيئتهم الفانتازاية التي تجمع ما بين أقنعة جلدية وجعبة سهام وجونيلات قصيرة كمحاربي الرومان القدامى، ومسدسات في الخصر، تشكيلة عبثية مقصودة تمثل آلة الحرب التي تساند الرأسمالية منذ قديم الأزل.
لا نراهم يركبون أحصنة حية، بل أحصنة حديدية تمثل التطور التقني المفتقد أو البعيد عن النجع المنسي ما بين الصحراء والجبل. بينما الجد، كبير القرية الصامت، المراقب، حامل الأسرار، المُنتَظِر المهيب الذي تتحدث عيناه لكن لا أحد يسمعها، في أول ظهور له لا نراه مباشرة، بل نرى حصانه الأسود، الكامل، المعنون بالكبرياء والقوة، ونسمع صوت حمحمته الحارة، ليصبح الحصان من هذه اللقطة التي تنتقل منه إلى الجد، مهيئًا لكل المجازات التالية داخل السردية الملونة بالأسطورة والشعر وعرق البلح الأبيض والدم.
عقب مغادرة الرجال محمولين في مؤخرة العربة التي تشبه ثلاجة اللحوم كأنهم ذبائح ميتة، يصبح الحصان عرش النجع الذي يتوجون عليه أحمد؛ الذكر الأخير الباقي.
يصبح اعتلاء الحصان للمرة الأولى اعترفا بتحول أحمد من الطفولة إلى مقعد الرجال، تقول النساء عقب إعداد أحمد للخروج من القرية لأول مرة (الحصان جاهز) كأن ركوبه للحصان هو ختانه المجازي المنتظر ليصبح رجلا.
تكتمل تلك الدلالة عندما تودعه سلمى وهو يبتعد فوق صهوة الحصان خارج النجع «ووه يا أحمد عدت راجل يا أحمد» أي صرت الآن فقط رجلا يا احمد، عندما اعتليت حصان الجد. حيث يكرسه ركوب الحصان للدور الذي ينتظره وللنهاية التي تكتبها له هزيمة كل رجال النجع الذين نزلوا عن صهوة أحصنتهم ورضوا بمؤخرة عربة وكيل السفريات.

عندما يقرر أحمد الصعود إلى النخلة العالية – رمز رجولته الكامنة عقب شعوره بالغدر إثر اكتشافه خطيئة العمة شفا- يُسقط من فوق النخلة البلح الأبيض، في مجاز جنسي واضح، كأنه يغرق النجع في مني الخصوبة المفتقدة بعد رحيل الرجال، صحيح أنه لم يمس من سيدات القرية سوى حبيبته سلمى، إلا أن التأكيد على أن حضوره الجنسي المفعم بالشباب والحرارة هو انتصاره الذي قرر رجال النجع المهزومين عقب عودتهم معاقبته عليه.
في تلك الليلة حين يشرب الجد (عرق البيضا) من يد زيد الخير، نسمع صوت صهيل الحصان دون ان نراه! كأن الجد على وشك أن ينطق، أو كأن الحصان يستدعيه من أجل رحلته الأخيرة.
وبالفعل يتحول أحمد في تلك الليلة إلى رجل بالمعنى الكامل على يد سلمى، في ذات الليلة التي ترحل فيها العمة شفا منتحرة ومحترقة، وكأننا أمام طقس يشبه خروج الحي من الميت، ثم خروج الميت من الحي، حيث ينهض الجد للمرة الأولى والأخيرة، يدفع احمد بعصاه كي يوقظه، ويأمره بعينيه أن يتبعه في زرقة الليل لنرى ماذا في انتظاره؟
إنه الحصان!
أجل الحصان الذي سوف يغادر الجد على صهوته للأبد تاركا القرية إلى الصحراء أو الأفق أو العالم الأخر، يصبح الحصان هنا هو كارون/ شارون؛ ناقل الموتى في الميثولوجيا اليونانية، المعداوي بين عالم البشر والعالم الأخر. يصبح هو الجسر الحي الذي يغادر عليه الجد – ومن بعده أحمد- نخلات القرية العاليات إلى عراء المجهول.
لم يترك الجد القرية مدفونا في التراب أو محمولا على اكتاف النساء، ولا حتى سائرًا على قدميه؛ بل غادرها فارسا على ظهر حصانه، منتصبا في جلسته، كأن عرق البيضا منحه الخروج الآمن قبل أن يشهد عودة المهزومين من رجال النجع التعساء.
- يومين والفرس هيعاود
- وجدي؟!
- رحلته طويييلة.
وكما يغادر الجد في مشهد مهيب يغادر أحمد عقب إسقاطه من فوق النخلة العالية بفعل قطعها من منبتها على يد المهزومين، ينتصب أحمد فوق صهوة الحصان الأسود بينما يقود الجد اللجام، يطلق رصاصة من بندقيته تحية للشاب المغدور من أشباه الذكور الذين لم يحتملوا بقاء خصوبته في النجع بعد أن هجروه وراء حلم مادي تافه ومشين.
وكما تودع زيد الخير الجد وهو على صهوة حصانه، تودع سلمى أحمد وهو ينطلق مغادرا القرية التي سوف ينكشف عنها رعب الشمس في اليوم التالي، وتصبح تلك الخرابة المهجورة التي شاهدنها في أول الفيلم.
ثم ينتقل الكاشف أخيرا بالحصان في «الساحر» ليصبح محورا مهما من محاور الحبكة، كأنه يعيد إنتاجه في وسط المدينة بعد أن غادر الجنوب.
يقول علي لأمه شوقيه: نفسي أشوف أبويا وأصحابي والحصان.
ابوه هو العربجي – كأنه امتداد لمسعود عربجي «ليه يا بنفسج»- والحصان هو ما يجر العربة الخشبية التي يعمل عليها الأب، والذي يستبدله له منصور بحمار –كأنه حمار مسعود في ليه يا بنفسج والذي يعرف الطريق بمفرده- ليبيع الحصان إلى حازم حفيد المليونير الكبير فاقد الذاكرة، الذي يرغب في إسعاد حفيده. وذلك من أجل إنقاذ الطفل ابن العربجي وشوقية لتوفير أموال الجراحة التي ستعيد إليه بصره.

يتمكن رضوان والآسيوي – رغم بساطة الفيلم وكونه يحتوي على محاولات كوميدية غير متقنة- من أن يدمجا الحصان في البيئة الحضرية بصورة شبه مقنعة، صحيح أنه من المصادفة البحتة أن يكون رفيق السُكر مع منصور هو سايس قديم يحكي له عن «نفخة البوكس» حيث يخرج الحصان منتصبًا جاريًا عقب حبسه لأسبوع، ولكن يبدو هذا متقبلا في الإطار الهزلي الذي يدور فيه جانب من الفيلم.
لا يمتلك الحصان في الساحر مجازات شعرية متعددة التأويل كما في عرق البلح، بل هو اقرب لأداة درامية في تطوير الحبكة أو صياغتها، خصوصًا مع ارتباطه بعنصرين اساسين: الأول هو علاج علي بقابل بيعه إلى حازم الحفيد المدلل «أبويا اداني الحصان علشان أخف»، والثاني موافقة حازم على الشراء رغم علمه أنه حصان بلدي وليس عربي أصيل «كنت عارف إنه بلدي واشتريته بعشرين ألف جنيه علشان خاطر نور»
في قصيدتها ترنيمة للذين لم يُكمِلوا سقوطهم
تقول الشاعرة نورهان أبو عوف:
إلى أولئك الذين
تعثّرت خطواتهم في المنتصف،
فسقطوا…
لكن الهواء خذلهم
قبل أن يلامسوا القاع.
…
يقولون:
لسنا منهزمين،
لكننا نرتّب انهيارنا
بطريقةٍ لا تُزعج الآخرين.
هكذا تبدو حالة ابطال سينما رضوان الكاشف الذين سقطوا دون أن يلامسوا القاع، ليس فقط لأن الهواء خذلهم؛ بل الواقع والحاضر والماضي وأنفسهم ذاتها هم من خذلوهم. بهجتهم شحيحة وباهتة، وابتسامتهم مؤقتة، يتحركون في عالم من المجازات الحية عبر أرواح تسكن باطن الحمائم والكلاب والأوز والأحصنة، حيث حالة فريدة من التعاطي مع الكائنات أنتجتها مخيلة هذا المخرج، الذي رغم رحلته القصيرة؛ إلا إنه ترك لنا إرثا لا ينضب تحليله، ولا نمل من تعاطيه وإعادة استبطان ما ينتجه من سياقات لم تهدأ خصوبتها رغم مرور ما يزيد على العشرين عاما على رحيله.
اقرأ أيضا: عادل إمام.. خمس ابتسامات وأكثر