فاصلة

مراجعات

«F1: The Movie».. معضلة أن تصنع نفس الفيلم كل مرة ويظل ممتعًا

Reading Time: 5 minutes

لماذا نستمر في مشاهدة المباريات الرياضية؟ لأنه بالرغم من ثبات القواعد والمسابقات فإن التنافس البشري قادر على الخروج بسيناريوهات وإثارة جديدة في كل مرة.

لماذا نواصل مشاهدة الأفلام الرياضية؟ لأنه رغم كل المحاولات لإقناعنا في كل مرة بأن قواعد اللعبة ستتغير بالكامل، نجد أنفسنا في النهاية نتابع نفس الحكاية المألوفة، والمحبوبة.

يشير التناقض المبدئي بين التساؤلين السابقين لخصوصية الأفلام الرياضية كنوع سينمائي مستقل بذاته، يظل حتى يومنا هذا قادرًا على أن ينال إعجاب المشاهدين حول العالم، على الرغم مما يبدو ظاهريًا من تكرار في الصياغات الحاكمة للأفلام التي تقوم حكايتها على قصة رياضية، وأحدثها فيلم «إف وان: الفيلم F1: The Movie»، أحدث أفلام المخرج جوزيف كوسينسكي، والذي بدأ عرضه العالمي قبل أيام.

 

يعدنا الفيلم بتجربة مختلفة، سواء بعرضه -في قاعات مختارة- بتقنية جديدة تُدعى «سينما إكس» تُضاف فيها مساحات إلى جانبي الصورة لتجعلها بمحيط 270 درجة مئوية حول المشاهدين، أو بكونه يأتي للمرة الأولى باعتراف سباقات «فورمولا وان» الأشهر في العالم وباستخدام شعارها وسباقاتها الرسمية ضمن الأحداث، أو وجود اسم سائق فورمولا وان الأشهر لويس هاميلتون ضمن منتجي الفيلم، بل وظهوره ضمن الأحداث كأحد المتسابقين الذين ينافسهم الأبطال.

إذا أضفنا إلى ذلك اسم المخرج جوزيف كوسينسكي، الذي حقق نجاحًا هائلًا اعتبره البعض طوق النجاة الذي أنقذ هوليوود بعدما أخرج فيلم «توب جن: مافريك Top Gun: Maverick» ليكون أول فيلم هوليوودي ضخم يحقق نجاحًا دوليًا بعد توقف جائحة كورونا، فسنكون أمام معادلة مكتملة يمكن للبعض أن يتوقع إتيانها بالجديد في مجال الفيلم الرياضي، غير أن مشاهدة الفيلم تعود وتذكرنا أن كل ما سبق مجرد حيل شكلية أو دعائية، وأن الجوهر نفسه دائمًا، والأهم هو كيفية معالجة هذا الجوهر.

F1: The Movie (2025)
F1: The Movie (2025)

بطل اعتيادي

جوهر الفيلم الرياضي منذ فجر السينما هو قدرة البطل الفرد على التحدي المزدوج للنفس والعالم، والذي يقوده إلى منافسة نهائية توضع فيه نتيجة هذا التحدي على المحك: مباراة كروية أو نزال ملاكمة أو سباق محموم. طبيعة اللعبة نفسها ليست مهمة إلا لأغراض التشويق وإثارة لعاب المحبين (كدخول فيلمنا عالم فورمولا وان)، الأهم أن تتمكن من تحقيق تلك المفارقة الدرامية المثالية التي تختلف فيها الرياضة عن الحياة، فالرياضة نموجٌ مصغر لحياة البشر، لكنه نموذج يتفرد بوجود رابح معلن وخاسر معلن، لا مجال فيه للمساحات الرمادية، اللهم إلا في حالة القرار العجائبي بانتهاء الجزء الأول من «كابتن ماجد» بتعادل أثار حنقنا جميعًا في طفولتنا!

يمكن نسج عشرات القصص عن الرياضة: الفقير الذي صعدت به الرياضة إلى سُدّة المجد، والثري الذي كانت طريقته للتواصل مع العالم، المضطرب الذي دمّر نجاحه وشعبيته بنفسه، والعنقاء الذي يُبعث من الرماد فيعود بطلًا من جديد. النموذج الأخير تحديدًا يهمنا هنا، لأنه القالب الذي ينتمي إليه بطل الحكاية سوني هايز، والذي يجسده النجم براد بيت بإتقان يعكس قدرة المخرج على إخراج أفضل ما لدى كبار النجوم

«F1: The Movie».. معضلة أن تصنع نفس الفيلم كل مرة ويظل ممتعًا
F1: The Movie (2025)

هايز سائق متقاعد، لا يصرح الفيلم بعمره لكننا بحسبة بسيطة نعرف إنه يقترب من الستين، فقد كان نجم التسعينات المرتقب الذي ينتظر الجميع تألقه، حتى تسبب حادث مضمار ضخم في إنهاء مسيرته الرياضية وتحويله مغامرًا فاشلًا، يقامر من أجل العيش ويخرج من علاقة فاشلة لأخرى أكثر فشلًا، ويدخل سباقات محلية صغيرة بغرض ربح المال. حتى يأتيه عرض لا يمكن رفضه من صديقه القديم (خافير بارديم)، السائق المتقاعد الذي صار مالكًا لأحد فرق فورمولا وان، لينال فرصة أخيرة للتنافس على اللقب الذي كان يعتقد أن حياته قد انتهت دون أن يناله.

معضلة فريق السباقات

الملخص السابق يوضح لنا كيف تبدأ حكاية «إف وان: الفيلم» بصورة شديدة الكلاسيكية، فمن منّا لم يشاهد فيلمًا له نفس الحكاية مرات عديدة؟ لكن الجاذبية الدرامية تبدأ مع وصول هايز إلى مقر الفريق، وهو فريق خيالي لكن شعاره وُضع على سيارات حقيقية تم تصويرها داخل سباقات فعلية ضمن صلاحيات النفاذ المدهشة التي منحتها إدارة السباقات لطاقم الفيلم خلال التصوير. دخول هايز عالم فريق السباقات، والمنافسة التي تشتعل من اللحظة الأولى بينه وبين نجم الفريق الشاب جوشوا (دامسون إدريس)، تمهد لأفضل ما في الفيلم: إدراكه لخصوصية الوجود داخل فريق فورمولا وان.

F1: The Movie (2025)
F1: The Movie (2025)

كأي فريق رياضي في أي لعبة جماعية، يضم الفريق أفراد مختلفي الطباع والخلفيات، لكل منهم أهدافه الشخصية التي قد تتفق أو تختلف مع أهداف زملاء، بينما يجب أن يسعى الجميع معًا لبلوغ الانتصار لكامل الفريق. أما في سباقات فورمولا وان فالأمر مختلف، لسبب بسيط هو مشاركة كل فريق بسائقين في كل سباق، بما يعني أن رجلان مهووسان بالسرعة والتفوق يتنافسان معًا، ويفترض أن يتم التنسيق بينهما لمصلحة الفريق. الوضع الذي يخلق تساؤلات منطقية: فلو احتدم السباق وكان ثمن احتلال سائق مركزًا متقدمًا هو الإطاحة بزميله، فكيف يمكن أن يكون قرار السائق متماشيًا مع مصلحة الفريق؟

يستغل الفيلم هذا الوضع مضيفًا إلى المزيد من التعقيدات الناتجة عن التفاعل بين السائقين، فمن جهة هما متناقضين كليًا: أحدهما أبيض والآخر أسود، أحدهما متقدم في العمر والآخر في مقتبل الشباب، أحدهما منغمس في تقنيات العصر ومنصات التواصل والآخر لا يعرف عنها شيئًا، ناهيك عن أن جوشوا كان نجم الفريق الأول حتى جاء هذا العجوز ليقلب موازين القوة داخل الفريق. الصدام بين السائقين يأتي طبيعيًا ومتوقعًا، لكن الفيلم يصيغه بذكاء وجاذبية، اعتمادًا على إدراكنا أنهما من جهة أخرى يكادا يتطابقان: كلاهما شاب فقد والده في بداية المراهقة وصار مهووسًا بالسيارات ومستعدًا للمخاطرة بالموت في سبيل الانتصار في السباق، كلاهما يستعيض بالسرعة عن تعثره في الحياة، سوني هو ما سيكون عليه جوشوا بعد ثلاثين عامًا، مالم يجد مثلًا أعلى يجعله يفهم الحياة أكثر.

F1: The Movie (2025)
F1: The Movie (2025)

متعة متجددة متطايرة

هذه العلاقة الذكية التي تنشأ بين السائقين، والتي تتوازي مع صداقة سوني المتقلبة بزميله القديم مالك الفريق، والعلاقة التي تبدأ في النشوء بينه وبين مهندسة التصميم التي تحاول إثبات قدراتها كامرأة على النجاح في مجال ارتبط تاريخيًا بالرجال، كلها أمور تقودنا حول ما بدأنا به حديثنا، بأن “إف وان: الفيلم” لا يكاد يقدم جديدًا، فقط يعيد تبديل وتوفيق القطع، وتركيبها في صورة جديدة، لكن الناتج للعجب- يظل مثيرًا، صالحًا للمتابعة، بل والانغماس والتأثر.

هل يعتمد ذلك على مشاهدة الفيلم بالتقنية الجديدة التي تضع الجمهور في حالة انغماسية تحاول مضاهاة ألعاب الفيديو؟ في الحقيقة لا، لا يهم كثيرًا إذا كانت الشاشة تحمل بعض الإضافات من الجانبين أم تعرض الفيلم بشكل اعتيادي. المهم أننا شاهدنا فيلمًا ممتعًا، مصنوعًا بعناية، يخاطب جمهور الأفلام الرياضية بلغة يعرفونها جيدًا ويستعدون لقبولها، ليمنحنا ساعتين ونصف قد ننسى محتواهم بعد عدة أيام، لكن يبقى شعورنا خلال المشاهدة كافيًا لتذكر أسباب وقوعنا في حب السينما منذ البداية. 

اقرأ أيضا: الأخوان كوين… عاشقا الشخصيات «الخاسرة»

شارك هذا المنشور