فاصلة

مقالات

130 عامًا على اختراع الأخوين لوميير: السينما فنّ بلا مستقبل؟

Reading Time: 5 minutes

عندما وقف عدد من العمّال في فناء مصنع عائلة لوميير في حيّ مونبليزير (ليون) عام 1895، ما كانوا يدركون أنهم يدخلون التاريخ من باب ضيّق سيتّسع لاحقًا للعالم كله. لم يعِ أحد آنذاك بوجود فنّ جديد ينطلق في أوروبا. لا شيء سوى كاميرا تسجّل لحظة عابرة، صانعةً منها ما سيُعرف بـ«السينماتوغراف»، الفنّ الوحيد الذي رأى الإنسان لحظة ولادته الأولى. من هذه البوابة خرجت لقطة بسيطة (عمّال يغادرون المصنع)، لكنها أضحت البذرة التي ستُثمر لاحقًا أشكالًا لا حصر لها من الحكايات التي تُروَى صوتًا وصورة.

خلافًا للمدن التي شهدت اختراعات كبرى، لم تتحوّل السينما في ليون إلى ذكرى بعيدة. تكفي الاقامة لمدة أسبوع في ربوعها لتعي أن هذا الفنّ لا يزال في ذروة شبابه. لم تكتفِ المدينة بإعلان نفسها مهدًا للسينما، فبنت على تاريخها ما يشبه تراثًا ثقافيًا يتجسّد في معهد لوميير، الجهة التي أطلقت بدورها مهرجان لوميير في العام 2009. في البداية، كان مشروعًا أقرب إلى محاولة لردّ الجميل إلى الفنّ الذي خرج من هذه البقعة، والترويج لفكرة قد تذهب أدراج الرياح مع الوقت، إذا لم يرعها الحُرصاء عليها. بدلًا من إضافة رقم جديد على المهرجانات الكثيرة التي ينسخ بعضها بعضًا بلا أي خيال، لجأت ليون إلى صيغة مختلفة: النظر إلى الماضي، ماضي السينما، الذي كثيرًا ما يحتاج إلى تنقيب وبحث وإعادة نظر. ففي الثقافة والفنّ لا شيء جامدًا. هذا كله، مع الحرص على استعادة شكل من أشكال المشاهدة الجماعية الذي كان في أصل مشروع الأخوين لوميير وميّزه منذ البدء عن الاختراع الذي نُسِب إلى توماس إديسون.

كلينت إيستوود - لوميير 2009
كلينت إيستوود – لوميير 2009

كلينت إيستوود أول مَن كُرِّم، في حدث بدا في حينه أقرب إلى مغامرة قد لا يخرج منها شيء. يومها، عندما تسلّم جائزة «لوميير 2009»، قال ممازحًا أن فكرة أن لا أحد غيره سينال جائزة في المهرجان، تعجبه، ممّا أثار ضحك برتران تافرنييه، رئيس معهد لوميير. لكن سرعان ما تحوّلت هذه المغامرة إلى تظاهرة سينمائية جماهيرية ترفع شعار  «مهرجان سينما للجميع» (تبلغ موازنتها 4 ملايين أورو) وتربط المدينة بناسها، كما أنها تجمع الأطراف بعضها ببعض. هذا الارتباط بين الحدث ومشاهدين من مختلف الطبقات الاجتماعية والخلفيات الثقافية هو ارتباط عضوي شديد الخصوصية. المشاهدون يأتون من أجل المتعة والثقافة والاحتكاك بالصنّاع، لا لأنهم محكومون بفضاء مكاني وحيز زمني. وإذا كان بعض الجمهور الشباب يكتشف هذه الكلاسيكيات، فالمسنّون يستعيدون أفلامًا سبق أن شاهدوها بعين جديدة، انطلاقًا من مبدأ «لا نشاهد الفيلم نفسه مرتين، لأننا لا نكون الشخص نفسه في كلّ مرة». وفي هذا الإطار، كان ينبغي رؤية وجوه الكثير من المشاهدين وهم يخرجون من عرض «باري ليندون» لستانلي كوبريك (نسخة جديدة بالـ4K)، كي يعي الواحد منّا للمرة الألف أنه لا يوجد ما يُعرف بـ«فيلم قديم»، كما يعتقد البعض.  

تييري فريمو مايكل مان- لوميير
تييري فريمو ومايكل مان (2025)

لا يشبه مهرجان لوميير أي حدث سينمائي آخر، لا شكلًا ولا مضمونًا، لا سيما في الدور الذي يضطلع به كحارس للذاكرة السينمائية ووسيط بين الأزمنة وناقل للمعرفة. كلّ عام نجده وقد استحضر أسماء كبيرة في الإخراج والتمثيل والتأليف، سواء حضوريًا أو معنويًا. وأغلب الظنّ أنه ما كان سيصبح على ما هو عليه اليوم، من دون مديره تييري فريمو الذي هو أيضًا المدير الفنّي لمهرجان كانّ، الرجل الذي يوظّف علاقاته من أجل الاتيان بالكبار إلى ليون.

إذا كان المهرجان يسمو بالذاكرة السينمائية، فإن المكان هو القلب النابض لهذه الذاكرة. فمعهد لوميير أرشيف حيّ ومنظومة ثقافية متشابكة. هذا البُعد الحضري للمهرجان جزء من البنية الفكرية: السينما هنا لا تسكن الصالة وحدها، إنما الشارع أيضًا.

Heat (1995)
Heat (1995)

أرقام الدورة الفائتة (أكتوبر 2025) التي انطلقت بتدشين شارع «أول فيلم» بعدما رمّمته بلدية ليون ومجلسها المتروبوليتاني، واختُتمت بعرض ضخم لفيلم «حرارة Heat» بحضور مخرجه المُكرَّم مايكل مان في قاعة «توني غارنييه» أمام خمسة آلاف متفرج، ستثير غيرة أكثر من مهرجان: 158 فيلمًا عُرضت ضمن 419 حصّة ونُظِّمت في 45 موقعًا على 50 شاشة. 185 ألفًا شاهدوا الأفلام، منهم 137 ألفًا اشتروا تذاكرهم للعروض المدفوعة. 6 آلاف سينيفيلي زاروا معرض الـ«دي في دي» والنشر المرئي واليوم المخصّص لكتاب السينما، وهذا دليل على أن الأقراص لا يزال لديها جمهور ومهتمّون في زمن التحميل المجّاني (غير القانوني) ومنصّات العرض التدفّقي. في حين أن هناك مشاهدين لا يزالون يعتبرون القراءة عن السينما امتدادًا للفرجة. وحضر دورة هذا العام ألف محترف من بينهم 635 معتمدًا من سوق الفيلم الكلاسيكي. كما زار 10 آلاف شخص المعارض الأربعة التي أُقيمت على هامش المهرجان: «مغامرة لوميير» و«ديفيد لينتش، صديقنا الأميركي» و«في مزاج وونغ كار واي»، و«صورة بعد صورة: فنّ واستوديو لايكا للرسوم المتحركة». واستقبلت قرية المهرجان أكثر من 31 ألف زائر حضروا اللقاءات وحلقات النقاش وغيرها من النشاطات. أما الذين حصلوا على بطاقة اعتماد للمهرجان فعددهم عشرة آلاف، من بينهم 6500 ممّن هم دون الـ26، «ممّا يؤكّد أن جمهور الغد يشكّل جزءًا أساسيًا من جمهور مهرجان لوميير اليوم»، كما قال بيان مُرسل إلى الصحافة. 

من عناصر تفرّد هذا المهرجان، أنه لا يفرّق بين ما يُسمَّى تجاريًا (أو جماهيريًا) ونخبويًا. في الجدول نفسه يُمكن أن تشاهد فيلمًا خفيفًا إلى جانب تحفة لبرغمان. هذا التعايش ليس تفصيلًا، إنه بيان جمالي يربطك بعمق فكرة السينيفيلية على الطريقة الفرنسية. مجلّة «كاييه دو سينما» نفسها، لطالما اتّسعت لجون كاربنتر وبدرو كوستا. في أي حال، الأخوان لوميير لم يبتكرا فنًّا نخبويًا. المهرجان، بعد أكثر من قرن على ولادة السينما، يسعى إلى نبذ الهرمية الفنية.

«Norma Rae» 1979
Norma Rae (1979)

من خلال النبش في أرشيف السينما وإعادة أفلام منسية إلى الضوء، يعطي المهرجان فرصة ثانية أو ثالثة لأفلام، اذ ان بعضها، شأنه شأن الكحول، يحتاج إلى وقت. والوقت قد يفعل الكثير بالعمل الفنّي، سلباً وايجاباً. وهكذا عاد كثر من السينمائيين إلى الصالات، بعدما كان أُهدِر حقّهم المعنوي في الماضي. فهذا العام، كان أحد المكرّمين مارتن ريت (1914- 1990)، المخرج الأميركي الذي شكّلت أعماله استعارة لتحولات المجتمع الأميركي في أواسط القرن العشرين. من خلال استعادة عدد من أفلامه، قدّم المهرجان فقرة يمكن وصفها بالسياسية، ذلك أن ريت كان من ضحايا المكارثية وله دور مباشر في النقاش الاجتماعي والسياسي. باختصار، أُتيحت لنا قراءة الحاضر انطلاقًا من الماضي. فلا يعود «نورما راي Norma Rae» (من أبرز أعمال ريت) والحال هذه، فيلمًا من الماضي، إنمّا يتقدم في اتجاهنا كنصّ يضيء أسئلة الحاضر. هذه الديناميكية، وهذا الحوار بين الماضي والحاضر، هما جوهر المهرجان وجوهر العمل الفنّي نفسه: أن يكون لفيلم خرج في الستينات قدرة على مخاطبة مشاهد من عام 2025، ففي هذا الجانب نتلّمس أهمية الأفلام التي تصبح كلاسيكية. 

كلّ دورة تحمل معها لحظة رمزية تتوّجها «جائزة لوميير». من كوبولا إلى سكورسيزي ودوبارديو وفندرز وفوندا وكامبيون، مرّت من هنا أسماء تميز كلّ منها بأسلوبها، فكانت لها جائزة سينما تحمل اسم مخترعها. هذا العام، جاء دور مايكل مان. حين وقف الثمانيني على خشبة المسرح، كُرِّم كأحد الذين رسموا ملامح الإنسان الأميركي الحديث. قال في كلمته إنه لم يفهم سرّ ليون إلا حين وطئ أرضها ووقف أمام 3000 مُشاهد في ليلة تكريمية لن ينساها طوال حياته. في اليوم التالي، زار «شارع الفيلم الأول» وصوَّر بنفسه نسخة جديدة من لقطة العمّال المغادرين. ويُقال إنه أعاد اللقطة خمس مرات. وبهذا أقفل دائرة: ليون – هوليوود – ليون. 

وبما أن الاحتفال هذا العام صادف مع الذكرى الـ130 للسينما، استُهلّ الافتتاح بعبارة لأنطوان لوميير: «السينما فنّ بلا مستقبل». كان رد المهرجان على هذا التصريح بشريط بصري لخّص 130 عامًا من المَشاهد الأيقونية. وكأن الاختراع يرد على مخترعه: المستقبل بدأ عام 1895.

اقرأ أيضا: القائمة الكاملة لجوائز مهرجان الجونة السينمائي الثامن

شارك هذا المنشور