في ماستر كلاس قدّمه خلال الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة السينمائي، تحدّث المخرج التركي نوري بيلغي جيلان، 66 عامًا، عن مسار طويل أفضى به إلى إنجاز أفلام مثل «حدث ذات زمن في الأناضول» و«سبات شتوي» («سعفة» كانّ 2014) و«شجرة الإجاص البرية»، كاشفًا مكوّنات عالمه الذي تمدّد من عزلة شاب يلوذ بالتقاط الصور الفوتوغرافية إلى أحد أعظم السينمائيين المعاصرين الذين يربطون كلّ حركة كاميرا بسؤال وجودي. ما تجلّى خلال هذا اللقاء القاهري المفتوح (أداره الناقد أحمد شوقي) ليس سردًا لمحطات مفصلية، إنما فسيفساء لنمط تفكير واشتغال مخرج يرى الفنّ علاجًا ومساءلة، والصورة امتدادًا ليد رسّام، في حين يعامل المونتاج كمساحة تأمّل أكثر منه عبور تقني.
بين حديثه عن ضرورة «الفوكوس بولر»، ونفوره من القصص الجاهزة، وخشيته الدائمة من الحماسة، مرورًا بموقفه من الممثّلين الهواة والمحترفين، وتأثّره بتشيخوف ودوستويفسكي، وصولًا إلى تأمّلاته في الإذلال والغرور وعزلة الفنّان، نكتشف «عقيدة» فّنان يكتب أفلامه من قلب هواجسه الإنسانية، ويصوّرها كمَن يحاول مصالحة مأساته، ليعيد كتابتها مرة أخيرة في غرفة المونتاج.
النصّ الآتي الذي صغته على شكل عشرة دروس، محاولة للاقتراب من تلك الرؤية، كما أفصح عنها جيلان: سينما لا تملك كلّ الأجوبة، تتشكّل من غريزة الفنّان وحدسه، تنبع أولًا وأخيرًا من سؤال الإنسان أمام ذاته والعالم.

1 – «لا يمكن الاستغناء عن الفوكوس بولر»
«في الخامسة عشرة، كنت فتى شبه وحيد، فكانت الفوتوغرافيا ملاذًا، هواية يمكن المرء أن يمارسها وحيدًا. لم يخطر لي يومًا أن أتوجّه إلى السينما. صناعة الأفلام تعني التعامل مع مجموعة من الناس، وهو ما بدا لي آنذاك أمرًا يفوق قدرتي. لكن حين بلغتُ الخامسة والعشرين، بدأ شغفي بالسينما يترسّخ. السؤال الآتي راح يلحّ عليّ: هل أستطيع أنا أيضًا أن أنجز أفلامًا؟ تخيلتُ تصويرًا بطاقم صغير، يكاد يشبه العمل الفوتوغرافي. راودتني فكرة أنه في الإمكان إنجاز فيلم كامل بجهد شخص واحد فقط. هكذا شرعتُ في تصوير أول فيلم قصير لي. لم تكن كاميرات الفيديو قد ظهرت بعد، فكان عليّ العمل بالشريط الخام. اشتريتُ عدسة أنامورفيك مخصّصة لفيلم 35 ملم، وصوّرتُ بلا سيناريو. كنت ألتقط ما يحيط بي بعفوية كاملة. كانت عائلتي تقيم آنذاك في الريف. رحتُ أجوب الحقول والطرق مصوّرًا كلّ ما تصادفه عيناي، تمامًا كما اعتدتُ في التصوير الفوتوغرافي. غير أنني أدركُت سريعًا أن وجود «فوكوس بولر» أمر لا غنى عنه. لا يمكن تشغيل الكاميرا والحفاظ على حدّة التركيز في آن واحد. عندها استعنتُ بشخص واحد فقط، ومعًا أنجزنا ذلك الفيلم القصير. بعد فترة، أنجزتُ فيلمًا قصيرًا آخر، بطاقم لا يزيد على شخصين. كنت أكتب السيناريو آخذًا طاقمي في الحسبان. عليك أن تعرف مَن تعمل وإياهم، وأن تشيِّد النصّ بما يتوافق مع قدراتهم وحضورهم. في الفيلم التالي ارتفع العدد إلى خمسة أشخاص. كنت لا أزال أتولّى تشغيل الكاميرا بنفسي، بل إنني صوّرت «أوزاك» على هذا النحو أيضًا. تدريجًا، ازدادت ثقتي بما أفعل، وبدأ الفريق يكبر عددًا».

2 – «القصّة لا تعنيني كثيرًا»
«الأسئلة تشكّل تحدّيًا على امتداد حياتي اليومية، وهي أسئلة لا أعرف لها إجابات حاسمة. أحبّ أن أشتغل في هذه المناطق الضبابية. أبحث، أتأمّل، وربما أُسكِّن نفسي. أن أطرح الأسئلة وأحاول الإجابة عنها، فهذان يشكّلان لي، إلى حدّ ما، نوعًا من العلاج النفسي. أجهل الإجابات تمامًا، وكلّما غصتُ في العمق، ازددتُ ضياعًا وتعقيدًا. وقد يكون هذا ما يدفعني إلى الاستمرار. فالأمر ليس سهلًا، ذلك إني لم أكن يومًا مخرجًا تحرّكه قصّة جيدة فحسب. القصّة في ذاتها لا تثير اهتمامي كثيرًا. الأسئلة هي ما يهمّني».
3 – «لا أنطلق في مشروع بدافع الحماسة»
«متى أقول لنفسي: الآن، أنا مستعد لكتابة سيناريو جديد؟ هذا سؤال صعب، لأنني في الحقيقة لا أعرف الجواب. في كلّ مرة أنطلق في مشروع جديد، أشعر بقدر كبير من العجز. لعلّ سنة كاملة تمر وأنا أعتقد أنني منهك، وأنني لا أرغب في صنع شيء. ثم، بشكل غامض، ومع تزايد شذرات صغيرة، كجداول دقيقة تتلاقى من أماكن مختلفة، أستشعر أن في إمكاني الإقدام على العمل. لا أبدأ بدافع الحماسة. في الواقع، أبدأ وكلّني شعور بالكراهية تجاه المشروع الذي أعمل عليه. وحتى عندما أنتهي من كتابة السيناريو، لا أشعر بأنني متحفّز. ومع ذلك أدفع نفسي دائمًا إلى المضيّ قدمًا، إلى إنجاز العمل. لست ذلك النوع من المخرجين الذين يمتلكون دافعًا ذاتيًا قويًا. لبعضهم مشاريع عديدة جاهزة في كلّ مكان من العالم، أمّا أنا فلم أكن كذلك يومًا. بعد الانتهاء من مشروع، لا يكون لديّ أي مشروع جديد ينتظرني. فلو كانت لديّ مشاريع قديمة مؤجّلة، لغيّرني إنجاز الفيلم الجديد ونقلني إلى أماكن أخرى، وجعلني أعزف عن تلك المشاريع السابقة. أنا دائمًا أرغب في إنجاز شيء آخر.
ثم ماذا في وسعي أن أفعل في الحياة سوى السينما؟ لا أعرف. أعمل أيضًا في التصوير الفوتوغرافي، وأحبّه كثيرًا لأنه عمل يمكن المرء أن ينجزه بمفرده، وما زلتُ أحاول الحفاظ عليه. عندما أعود إلى الماضي، أرى أن مسيرتي في الفوتوغرافيا كانت الأنسب لي. فإني كثيرًا ما أحتاج إلى أن أرغم نفسي على فعل شيء، وأحيانًا تأتي زوجتي بأفكار جديدة. من الجميل أن يكون لك في البيت شخصٌ يمكن الاتكال عليه في هذا الجانب».

4 – «ميزة العمل مع الهواة أنها توفّر ملايين الوجوه المحتملة»
«في فيلم لبرغمان، لا يمكنك العمل مع ممثّلين هواة. أما في فيلم لكيارستمي فوجود الهواة ممكن. إذًا المسألة متعلّقة بطبيعة المشروع ومتطلباته. لقد عملتُ مع الهواة والمحترفين. في أفلامي الأخيرة، فضّلتُ المحترفين، لأنني بدأتُ أكتب في الأفلام الثلاثة الأخيرة حوارات أكثر دقّة وانضباطًا، فلم أرغب في أن تتغيّر. مع الهواة، عليك أن تتكيّف باستمرار مع إمكاناتهم وحدود أدائهم. المحترفون يمكنهم حفظ النصّ كما هو مطلوب. اليوم، بتُّ أستخدم محترفين في أغلب الأحيان، لكن لبعض الأدوار القصيرة ما زلتُ أفضّل الهواة. فهناك ميزة خاصة في العمل مع الهواة: ملايين الوجوه المحتملة، بما يمنحك طيفًا واسعًا من التعابير والملامح، تمامًا كما كان الحال في سينما بريسون الذي كان يولي أهمية قصوى للوجه. مع الهواة تتّسع خياراتك وتتعدّد المعايير التي يمكنك البناء عليها.
حين أختار الممثّلين، لا أنطلق من فكرة جاهزة. فعندما تكتب شخصية ما، لا بد أن تتخيّل وجهاً معينًا لها، لكن أثناء الكاستينغ، كثيرًا ما ينتهي بك الأمر إلى اختيار وجه مختلف. اختبار التمثيل عملية حاسمة، وهو يشكّل في الواقع نصف عملية إنجاز فيلم. من جهتي، أقدمتُ على التمثيل لأنني رغبتُ في التجربة. وددتُ فهم أمور معينة. لكنني في الآخر كرهته. أنا شخص خجول بطبيعتي، وكنت كذلك دائمًا، لذلك لم أستمتع بأداء دور. وبالطبع، اكتسبتُ فهماً أعمق للممثّلين جراء التمثيل. وهذا ما ساعدني كثيرًا في إدراك كيفية الإخراج والتوجيه.
قد تشعر بأن كمية الحوار آخذة في الازدياد في أفلامي الأخيرة. يعجبني ذلك، ليس الأمر مجرد تفضيل بسيط، أنا أحبّ الحوار عندما يخدم الفيلم. في البداية، كنت حذرًا حيال استخدام الحوارات، ففي بعض أفلامي حاولتُ إبقاءها في حدودها الدنيا. مع الممثّلين الهواة، أكون دائمًا شديد التوجّس، ولا بد من إبقاء الحوارات قصيرة. لكن عندما أعمل مع المحترفين، أرغب في الدفع بالأمر إلى أبعد حدّ. أرغب أن أختبر نفسي: هل أستطيع أن أحافظ على حوار طويل، حتى لو امتدّ لثماني دقائق؟ كان هذا تحديًا لي، لكنه تحدّ أردت خوضه».

5 – «الممثّلون الذين لا يحفظون الحوارات هم أكبر مشكلة عندي»
«لم يكن في نيّتي أن ألجأ إلى مصوّر، لكن عندما مثّلتُ في «مناخات»، وجدتُ نفسي مضطرًا إلى القيام بهذا الدور. عملتُ مع مدير تصوير أحببتُ أسلوبه، فأدركتُ عندها أنه ليس هناك أي ضرورة لأن يتولّى المخرج تشغيل الكاميرا بنفسه. في الحقيقة، قد يكون ذلك ضربًا من التعسّف. يمكنك أن تسيطر على كلّ شيء عبر مدير تصوير آخر. كمخرج، عليك أن تكون واعيًا ببسيكولوجيا الشخصيات، ولا يمكنك القيام بذلك وأنت تحمل الكاميرا. الجمع بين المهمتين أمر غير منطقي.
كنت في الماضي مهووسًا بالكادر السينمائي، لكنني اليوم، حين أصوّر فيلمًا، أشاهده تقريبًا مثل الجمهور. أنسى كلّ شيء آخر. أشعر أنني بهذه الطريقة أستطيع التحكّم بالممثّلين على نحو أفضل. أركّز أساسًا على أدائهم، لأن تكوين اللقطة يكون قد حُسِم مسبقًا. أصوّر المشهد من كلّ زاوية حتى النهاية. أفضّل بالطبع ألّا أقطع اللقطة، إذا كان أداء الممثّلين جيدًا. أحياناً تنجح اللقطة من زاوية واحدة فقط.
أثناء الاختبارات، قد تُعجَب بممثّل، لكنك تجهل ما إذا كان سيتمكّن من إلقاء الحوارات بسلاسة. أحيانًا، يعاني الممثّلون في الحفظ، وهذا يشكّل عندي أكبر مشكلة. عندها أضطر إلى القطع بسبب الأداء. حتى لو أحببتُ المشهد كله، فلا يمكنني استخدامه إذا ارتكب الممثّل خطأ. لا أحبّ كثرة القطع، هذا أسلوبي، لكن أحيانًا أُرغَم على ذلك بسبب الأداء. أكون شديد الحذر إذا جاء الممثّل من دون أن يحفظ الحوار. غير أنه في فيلمي الأخير لم أواجه أي مشكلة من هذا النوع. كان الممثّلون ممتازين.
عادةً، أصوّر نحو سبع صفحات من الحوار في اليوم. وبعض المَشاهد يصل إلى عشرين صفحة من الحوار، يتطلّب تصويرها ثلاثة أيام. في فيلمي الأخير، حفظ الممثّلون الحوار جيدًا، ممّا أتاح لي أن أصوّر بلا توقّف. في مثل هذه اللحظات، أشعر بإعجاب عميق تجاه الممثّلين. فإذا تمكّنوا من حفظ حواراتهم بإتقان، يمكننا أن نستكشف اتجاهات جديدة. أما إذا كان الحفظ ضعيفًا، فنضطر إلى إضاعة الوقت بسبب التكرار. وعندما يكون حفظهم متينًا، فهذا يسمح بالبحث عن عناصر جديدة، عن شيء طازج ذي معنى.
عندما أختار الممثّلين وأجري معهم تجارب الأداء، أكون مليئًا بالمخاوف. حتى لو اعتقدتُ أنني اتخذت الخيار الصحيح، فلا أكون مطمئناً بالكامل. إنجاز فيلم يفرض عليك أن تكون في حالة شكوك متواصلة، وهذا يمكن أن يكون مرهقًا للغاية. بعد اختيار الممثّلين، أقرأ السيناريو وإياهم، لأرى إن كان هناك تفاعل مع الحوارات كما يجب. أحيانًا نجري تعديلات بسيطة. وقد يأتي الممثّلون ببعض الاقتراحات، لكنني لا أحبّ تغيير السيناريو كثيرًا. إذا واصلتُ العمل على السيناريو لفترة طويلة، فإني سأكرهه. وإذا أعدتُ قراءة السيناريو مرارًا، فقد أبدأ في كره الفيلم نفسه. لذلك أقول للممثّلين: رجاءً، احفظوا حواراتكم جيداً. فهذا أهم ما في الأمر، لأن عليّ أن أثق بهم. معظمهم يبذل جهدًا جبارًا في الحفظ، لكن بعضهم قد يُصاب بالتوتّر في موقع التصوير وينسى جمله، وهذا يمكن أن يتسبب بمشكلة. أفضّل أن استكشف معنى الحوارات في موقع التصوير، لا قبل. لا أقوم بتمارين مسبقة، نقرأ النصّ مرة واحدة فقط. بحثي الحقيقي يبدأ في موقع التصوير، عندما أكون في أقصى درجات التركيز».

6 – «تشيخوف حاضر في كلّ أعمالي»
«الأدب من أكثر الأشياء فائدةً في العالم. أرى ان تشيخوف هو الأنسب للسينما. ففي كلّ جانب من جوانب عملي، ستجد تفاصيل معينة مستمدّة من قصصه. أدمج هذه الحقائق في ما أكتبه من دون أن أشعر بذلك. هناك أمور في الحياة تبقى ثابتة. فبينما قد نتغير في جوانب عديدة، ثمة عناصر معينة لا تبقى على حالها. هذه العناصر تستمر في الوجود في الجزء نفسه من العالم وبالطريقة نفسها.
لا أتوجّه بأفلامي إلى جمهور بعينه. فإذا حاولتَ الاقتراب من الحياة بقدرٍ من الصدق والواقعية، وعبّرت ببساطة عمّا تؤمن به، ستصبح الأمور أسهل بكثير، لأن البشر في جوهرهم متشابهون أينما كانوا. ورغم اختلاف الثقافات، تبقى العناصر الأساسية مشتركة. لهذا أرى أن القيمة الحقيقية تظهر حين تعمل بإخلاص، من دون أن تحاول مواءمة نفسك مع كلّ جمهور على حدة».
7 – «لا أحد يعرف نفسه حتى يتعرض للإذلال»
«أمقت الإذلال. أكره أن أُذلّ. وربما لهذا السبب أخشاه. لعله مأساتي الشخصية، لا أدري. عندما تختبر الشخصيات تحت وطأة الإهانة، ترى وجوهًا مختلفة لها. الأمر يتعلّق بكيفية استجابة تلك الشخصيات للإذلال. حينها تفهم الشخصية بعمق أكبر. نحن جميعًا نعيش على نحو يحمينا من الإذلال. نحاول أن نحظى بالاحترام بالحفاظ على كرامتنا. لكن الأمور أحيانًاً تخرج عن السيطرة. لا أحد يعرف نفسه حقّ المعرفة حتى يواجه هذا الشعور. مع الوقت، تعلّمتُ كيف أرى تأثير الإذلال. دوستويفسكي هو الذي نبّهني إلى ذلك. في مجتمع اليوم، نرى أشكالًا مختلفة من الإذلال، لا سيما على وسائط التواصل الاجتماعي، حيث حياة إنسان يمكن أن تتغيّر في يوم واحد».

8 – «المونتاج هو المكان الوحيد حيث يمكنك أن تتأمّل»
«النفس البشرية معقّدة حدّ أنك لا تستطيع التنبؤ بكلّ شيء وأنت تكتب. لا يمكنك التصوير كما كتبت. في المونتاج، ترى أخطاءك. تدرك أن السلوك البشري ليس بالبساطة التي اعتقدتها وأنت تكتب. تفهم أن هناك خطأ ما، تعي أن هذا ليس النحو الذي تعمل فيه النفس البشرية. بمجرد أن تفهم ذلك، تتغيّر الأمور: خلال تصوير مشهد حبّ، إذا كان من المفترض أن نرى الشخصية وهي تبكي، فأصوّرها وهي تضحك أيضًا، لأن الناس غالبًا ما يتصرفون بعكس شعورهم وذلك بدافع اخفائها. ثم إني أفضّل أن أبدأ مرحلة المونتاج ومعي بدائل ومستويات مختلفة من المشاعر، لا مستوى واحد.
المونتاج هو المكان الوحيد الذي تملك فيه وقتًا للتأمّل. خلال التصوير، عليك أن تعمل بسرعة. وبفضل التكنولوجيا الرقمية، أصبح بإمكاني التصوير الآن بمرونة أكبر، رغم أنني أنجزتُ أفلامًا قبل عصر الرقمنة أيضًا. مئتا ساعة من المواد المصوّرة ليست كثيرًا. لو أُتيحت لي الفرصة، لصوّرتُ أكثر من ذلك. موازنة أفلامي عالية لا لأن الممثّلين يقبضون الكثير، إنما بسبب الوقت الذي يستغرقه التصوير.
المونتاج عنصر بالغ الأهمية بالنسبة لي. قد لا يمنحه بعض السينمائيين الاهتمام نفسه، بل يدّعون إنجازه خلال ساعتين، لكنني أراه خطوة أساسية في النوع الذي أعمل عليه. المونتاج هو المرحلة الوحيدة التي تتيح لي مواصلة البحث والاستكشاف».
9 – «عليك أن تتعامل مع الصورة كما يتعامل الرسّام مع اللوحة»
«أحيانًا، أعدّل لون السماء أو أي عنصر آخر في الصورة، إذا استدعت الحاجة، لكن هذا نادرًا ما يحدث. إذا كانت اللقطة ثابتة، فيمكنني أن أنجز التعديل بنفسي. أفعل ذلك أحيانًا، لكن ليس دائمًا. أعتقد أنه ينبغي لنا عدم تجاهل هذا الجانب، لأن السينما تتعلّق بموهبة تشكيل الصور. عليك أن تتعامل مع الصورة كما يتعامل الرسّام مع اللوحة. لا تعتمد على أن تكون الغيوم مناسبة في لحظة من اللحظات، علمًا أنني أمتنع عن أي شيء يكلّف الكثير».

10 – «العمل في الفنّ شكل من أشكال المصالحة مع مأساتي»
«الحياة بطبيعتها تبدو لي كوميدية؛ هذه هي الزاوية التي أراها منها، حتى في أكثر المواقف مأسوية كالجنائز. ببساطة، هكذا يعمل عقلي. لا أميل إلى العاطفة المفرطة، ولستُ من الذين يحمّلون الحياة معاني كثيرة. بالنسبة لي، تبدو الحياة بلا معنى، ولذلك لا أتعامل مع الأمور بقدر كبير من الجدية. وهذا لا يعني أنني أمتلك حسّ دعابة خارقًا. للأسف، لست كذلك. ومع ذلك، تلتقط عيني دائمًا تلك التفاصيل الصغيرة. أحياناً أحاول فقط أن أكون واقعيًا، فيجد الناس ذلك مضحكًا.
يعتقد كثيرون أنني مغرور، لكنني لستُ كذلك. بل على العكس، أشعر أنني لا شيء. لا أولي نفسي أهمية كبرى. فالإنسان كلّ شيء ولا شيء في آنٍ واحد. لا أعرف ما الذي يعنيه «الغرور» أصلًا. هو غالبًا آلية دفاع ذاتي، وهذه الغريزة موجودة فينا جميعًا. في السينما، أحبّ اللعب بهذه الفكرة، أن أكشفها، أن أكسرها، أن أحطّم الغرور داخل الشخصيات نفسها. ولتفعل ذلك، تحتاج إلى قدر من الغرور في الأصل… فقط لكي تتمكّن من تفكيكه.
إني أشعر بالوحدة منذ صغري، حتى وأنا بين الناس. هذا هو المُعطى المركزي في حياتي. إنه شيء لا أستطيع تغييره، وعليّ أن أتقبّله. العمل في الفنّ هو، بالنسبة لي، شكل من أشكال المصالحة مع هذه المأساة، طريقة لتخفيف حدّتها كي أستطيع احتمالها والتعامل معها. لكن هذا لا يعني أن شيئًا يتغيّر فعلًا. وحتى عندما يكون حولك عدد من الناس، يمكنك أن تشعر بالوحدة.
ينبغي أن تعرف مَن أنت وما مهمّتك في هذا العالم. وتكتب بالتالي على هذا الأساس. وإن لم تفعل، فأنت تخدع نفسك. عليك أن تدرك حدودك وإمكاناتك. اليوم، أصبحتُ أكثر حريةً في كتابة ما أشاء. فبالنسبة لبعض المخرجين، القصص البسيطة هي الأنسب. وحتى أنا، حين أشاهد الأفلام، أميل الى هذا النوع. أفلام أشبه بفصول من كتاب».
اقرأ أيضا: نوري جيلان يخنق المُشاهد ويعانقه «فوق الأعشاب الجافة»