في ثاني أيام مؤتمر النقد السينمائي الدولي بالرياض، والذي تنظمه هيئة الأفلام، أقيم لقاءٍ امتدّ عبر محاور النقد والبرمجة والسينما كفكرٍ وتجربة، مع كارلو شاتريان، المدير الفني السابق لمهرجاني برلين ولوكارنو، وأحد أبرز الوجوه الثقافية في المشهد الأوروبي، عن رؤيته لدور الناقد اليوم، وعن معنى إدارة مهرجان، وعن كيف يرى السينما في زمن التحوّل الرقمي والذكاء الاصطناعي.
من القراءة إلى الاكتشاف
في مطلع الحوار الذي أداره عبد الجليل الناصر، المدير العام لتنمية القطاع وجذب الاستثمار في هيئة الأفلام، عاد شاتريان إلى طفولته في السبعينيات قائلًا: «ولدت عام 1971، وكانت علاقتي الأولى بالسينما عبر شاشة التلفزيون مثل كثيرين من جيلي. لكنّ إدراكي الحقيقي للسينما جاء من القراءة. كنت أقرأ مقالات فرانسوا تروفو وجاك ريفيت وغودار وغيرهم قبل أن أشاهد الأفلام التي كتبوا عنها، ومن خلال كلماتهم فهمت أن السينما ليست مجرد حكاية تُروى، بل رؤية تُكتب بالضوء.»
بالنسبة له، كان النقد السينمائي هو البوابة الأولى لفهم الفن، والكتابة عن فيلم كانت وما تزال فعلًا فكريًا وشخصيًا في آنٍ واحد، حيث أوضح قائلًا: «النقد هو الطريقة التي أعبّر بها عن نفسي من خلال الفيلم. أكتب عن الفيلم لكنني في الوقت نفسه أكتب عني، عن كيف واجهت العالم عبره.»

النقد بين التعبير والترويج
يتأمل شاتريان في طبيعة النقد المعاصر ويقول إن «الكلمة لم تفقد قيمتها، لكنها تغيّرت أشكالها، مضيفًا: «اليوم يمكن أن يكون النقد مقالًا مطوّلًا أو بودكاست أو حتى فيديو على تيك توك. المهم هو الصوت الشخصي. النقد ليس إعلانًا ترويجيًا، بل تجربة فكرية وجمالية تُذكّرنا بأن السينما أوسع من السوق.»
ويرى أن الخلط بين النقد والتسويق أحد تحديات العصر، حيث قال: «صحيح أن التسويق أصبح حاضرًا بقوة، لكن ما زلت أؤمن أن الجمهور قادر على التمييز بين ما هو دعائي وما هو صادق. أولادي في العشرينات من عمرهم، وقد أدركت من خلالهم أن الحسّ النقدي ما زال حيًا.»
من النقد إلى البرمجة
شاتريان استعاد ذكريات توليه إدارة مهرجان لوكارنو عام 2012، حيث قال: «لم يكن الأمر بالنسبة لي قفزة من النقد إلى الإدارة، بل استمرارٌ له بشكل آخر. برمجة مهرجان هي شكل من أشكال الكتابة. لست أختار أفضل الأفلام كما يختار المرء الكرز، بل أؤلف بينها خريطة للعالم.»
أضاف تعليقًا على تلك اللحظة: «قلت لنفسي آنذاك: لقد مُنحت فرصة عظيمة، فلا تفسدها. ولئلا أخاف من القرارات، عدت إلى تاريخ المهرجان نفسه. هذا هو المهرجان الذي عرض أفلام بازوليني وسينما الاتحاد السوفيتي في الستينيات. كان تاريخه هو ضوئي الهاديء.»
وعندما وصل إلى برليناله، حمل معه الفكرة نفسها، حيث روى: «أردت أن أضخ دماء جديدة في المهرجان. فأنشأنا قسمًا جديدًا بعنوان Encounters، مخصصًا للأصوات السينمائية الطليعية. لم يكن الهدف منافسة الأقسام الأخرى، بل توسيع مساحة التجريب وإتاحة الفرصة لجمهور جديد كي يرى العالم بطريقة مختلفة.»

القيادة ليست ثورة
خلال الجلسة خصص شاتريان جزءًا في حديثه لتوضيح فلسفته في الإدارة التي قال عنها: «أنا لا أؤمن بالثورات، بل بالعمليات. ما نعيشه اليوم هو نتيجة ما حدث قبل عشرين سنة. المهرجان ليس لحظة عابرة، بل سيرورة مستمرة. في عملنا نشاهد مئات الأفلام في وقت قصير، والطريقة الوحيدة للحفاظ على الرؤية هي أن تنظر من مسافة، وأن ترى نفسك وتاريخ المهرجان كجزء من مسار طويل.»
بين المتحف والذاكرة
منذ 2024، يتولى شاتريان إدارة المتحف الوطني الإيطالي للسينما في تورينو، وهي تجربة مختلفة تمامًا كما يصفها: «إدارة متحف ليست كإدارة مهرجان. الآن أتعامل مع الميزانيات، والموظفين، والبيروقراطية، وهي ليست تجربة مريحة، لكنها تمنحك حرية من نوع آخر: أن تتنقل بين المعارض، والبرمجة، والترميم، وتطوير المختبرات مثل Torino Film Lab.»
وأضاف: «في عام 2024 استقبل المتحف 800 ألف زائر، أكثر من عدد التذاكر في مهرجان برلين! هذا يعني أننا نحاور 800 ألف شخص حول معنى السينما اليوم. عندما نعرض ملصقات لأفلام منسية أو ننظم معرضًا عن جيمس كاميرون، نحن لا نستدعي الماضي بل نعيد تعريف الحاضر.»
بالنسبة له، المتاحف ليست أماكن لتجميد الزمن، بل لصياغة علاقة جديدة بين الذاكرة والآن، قائلًا: «الأرشيف هو ذاكرتنا الجماعية، وإذا فقدناها نفقد خيالنا ذاته. في العالم الرقمي، الملف لا يهرم علنًا بل يتلف بصمت. لذلك نعيد نسخ كل ملف كل عشر سنوات، حفاظًا على ذاكرتنا الإبداعية.»

السينما في زمن الذكاء الاصطناعي
وبالطبع كان للذكاء الاصطناعي حضورًا في حديثه، فحين سُأل عن مستقبل السينما في ظل الثورة التقنية، قال: «أنا قلق على صالات السينما، ليس فقط من تناقص عددها، بل من تقلّص حجمها. مشاهدة فيلم مع ألفي شخص ليست كـ200 شخص. التجربة الجماعية هي جوهر السينما.»
أما عن الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي فيقول: «كنت متشككًا تجاه تقنيات الواقع الغامر، لكنني أرى الآن أنها تفتح حدودًا جديدة للتجربة. ربما تُلهم المشاهد للعودة إلى السينما بعد تجربة تفاعلية. أما الذكاء الاصطناعي، فهو ليس وحشًا كما يراه البعض، بل أداة إذا استُخدمت بإبداع يمكن أن توسّع آفاق الخيال.» مشيرًا إلى أن هناك مخرجين شباب يستخدمون الذكاء الاصطناعي بذكاء.
الجسر بين الكلاسيكيات والمعاصرة
يشيد شاتريان بتجربة مهرجان «سينما ريترُوفاتو» في بولونيا الذي يعرض فقط الأفلام الكلاسيكية، لكنه يجذب أسماء كبيرة مثل ألكسندر باين وغويليرمو ديل تورو: «اليوم الجسر بين الكلاسيكيات والسينما المعاصرة أقوى من أي وقت مضى. وهذا يصبّ في مصلحة السينما الجديدة لأن فهم الماضي شرط لتجديد المستقبل.»
السينما وعدٌ بالمستقبل
وفي ختام الحوار، حين سُئل عن توقعاته للمستقبل، أجاب بابتسامة هادئة: «لست الشخص المناسب للتنبؤ بالمستقبل. أفضل أن أعيشه. السينما بالنسبة لي هي وعد دائم بمستقبلٍ لم يصور بعد.»