فاصلة

مقالات

يوم قابلتُ غولشفته فراهاني

Reading Time: 6 minutes

لم تكن غولشفته فراهاني تدري أن ثديها الأيمن، حين تعرّى في مناسبة شريط مصوّر لحفل توزيع جوائز «سيزار 2012»، سيكون عود الثقاب الذي يشعل غضب محاكم الثورة الإيرانية. ولم تتخيل أن هاتفًا سيقرع في بيت أبيها ليقول له رجلٌ من الأمن ببرود مروّع: «سنقطعهما ونرسلهما إليك على طبق». فهي في تلك اللحظة، لم تكن تخطّط لاستفزاز أحد، بل تفتّش عن ذاتها في شوارع باريس، لاجئةً إلى المنفى الأوروبي، تتعلّم الفرنسية من أفواه المارة، وتستبدل أوتار العود الذي نشأت عليه بصمتٍ آخر أبلغ من الموسيقى. 

ابنة التاسعة والعشرين، كانت قررت أن تكون حرة، حتى لو كلّفها ذلك الوطن كله. لكن السلطات العليا في بلادها لم ترحّب بعودة تلك التي مشت على السجّادة الحمراء بلا حجاب، وتلك التي أصرت ان تكون مواطنة تعبّر عن رأيها بصوتٍ عالٍ خلال الثورة الخضراء.

يوم قابلتُ غولشفته فراهاني
غولشفته فراهاني

عندما قابلتها قبل نحو عشر سنوات، بدت لي أكثر نضجًا، أكثر تصالحًا مع خيباتها، لكنها بقيت كما هي: امرأة لا تعرف أن تمشي في منتصف الطريق، إن أحبّت تفجّرت، وإن تمرّدت كسرت. لا شيء في ملامحها يوحي بالخوف. ما من تفصيل في ابتسامتها يدلّ على ندم. هناك نساء يخلقن من النور، من التمرد، من كسر التقاليد بالنعومة ذاتها التي يكسر بها العاشق كأسه الأخيرة. غولشفته فراهاني واحدة من هؤلاء. 

نشأت في عائلة ترى في الفنّ قداسة، وإن كرهت كلمة «قداسة». «كان والدي يرى الفنّان عبدًا للناس. لا خادمًا للسلطة ولا للمال». بهذه العبارة تذكّرته خلال اللقاء، مع أنه، يا للتناقض، حينما علم بخوضها التمثيل، خاصمها بصمته طوال شهرين. ثم عاد وآمن بها.

لدى فراهاني قدرة استثنائية على التعبير عن ذاتها، تعبيرات تحمل اختزالًا مذهلًا للأفكار والثقافات: «أتحدّر من عائلة فنّانين. كان الفنّ في عائلتنا، يعني شيئًا أشبه بالنبوة. هكذا كان الفنّ في نظرنا».

بنبرة صوت يحمل شيئًا من «صلابة» باريسية تلقّتها في منفاها، تعود وتكرر: «السينما هي الهواء الذي أتنّفسه، لا أستطيع أن أعيش من دونها».

يوم قابلتُ غولشفته فراهاني
Body of Lies (2008)

أطاحت فراهاني كلّ المحرمات في السينما الإيرانية، لتصبح أول ممثّلة بعد الثورة الإسلامية تُختَار في فيلم هوليوودي. ظهرت إلى جانب ليوناردو دي كابريو في «كتلة أكاذيب» لريدلي سكوت، فدفعت الثمن: احتجاز جواز سفر، أشهر من التحقيقات، وتهمة جاهزة بالتعامل مع العدو.

«تعرضتُ لمضايقات بسبب دوري كممرضة إلى جانب دي كابريو. مجرد ظهوري في فيلم أميركي كان ممنوعاً في إيران».

تابعت وكأنها تستعيد فصولًا من معركة لا تنتهي: «حين بدأت الحملة ضدي، لم يكن الفيلم قد عُرض، ولا أحد كان شاهده بعد، لكن الشبهة كانت كافية. قالوا لي إنني ساذجة، وإنهم ربما غيّروا السيناريو للإيقاع بي في فخّهم الإيديولوجي. ريدلي سكوت هو الذي اختارني، لكنه كان عليه أن يناضل حتى يفرضني على جهة الإنتاج».

لسخرية القدر، فإن العقوبات الأميركية على إيران جاءت في يوم توقيع عقدها، فوجدت نفسها بين مطرقة حكومتها وسندان قوانين أميركا: «وُضعت على اللائحة السوداء في إيران بتهمة التعامل مع العدو، في حين مُنعت في أميركا من العمل بسبب جواز سفري الإيراني».

«كلما ارتفعتُ، زاد صوتهم»، ردّدت فراهاني، في إشارة إلى المضايقات التي لا تتوقّف والتي دفعتها أحيانًا لأن تتساءل إن كانت تستحق هذا الثمن.

يوم قابلتُ غولشفته فراهاني
The Pear Tree (1998)

قصّتها مع الفنّ بدأت باكرًا. داريوش مهرجوي، مخرج «البقرة»، هو الذي فتح لها أبواب الشهرة والتقدير الجماهيري عندما اختارها لبطولة فيلمه «شجرة الإجاص» (1998)، وهي في الخامسة عشرة. مطاردتها من قبل السلطات بدأت باكرة أيضًا. «عن إيلي» لأصغر فرهادي (2009)، كاد يُمنع من العرض في إيران بسبب مشاركتها فيه وكانت يومها في السادسة والعشرين، أيضًا وأيضًا بسبب عملها مع ريدلي سكوت، قبل أن يتدخّل الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد شخصيًا، معتبرًا أن «معاقبة العمل بسبب خطأ ارتكبته ممثّلة، ظلم لا يجوز».

About Elly (2009)
About Elly (2009)

في حديثي معها، بدت فراهاني واضحة، لا تلتفت إلى التهديدات، إنما تعتبرها مجرد رذاذ في وجه عاصفة أكبر. «الحرية ليست مجرد كلمة نردّدها، هي شعور ينبض في أعماقي، السينما بالنسبة لي ليست مهنة فقط، إنها مقاومة».

بجمالها الشرقي الآسر وعينيها الطفوليتين، استطاعت فراهاني منذ أول ظهور لها أن تحفر مكانتها في قلوب المخرجين والمشاهدين. وجهها يختزل الشرق ببراءته وعمقه، وعيناها تلمعان بحكايات الطفولة التي لم تغادرها رغم تجارب النضوج المبكرة. عملت مع بعض الأسماء البارزة: الناصر خمير، رولان جوفيه، عتيق رحيمي، بهمن قبادي، عباس كيارستمي، هونير سليم، جيم جارموش، وأخيراً وقفت قبالة كاميرا جوليا دوكورنو في «ألفا». مواطنتها مارجان ساترابي، مخرجة «برسيبوليس»، لم تلبث أن قارنتها بليز تايلور، في حين رأى آخرون فيها مزيجًا من غريتا غاربو وجانّ مورو. هي، بحقّ، مزيج متناغم من هذا كله، تخرج إلى الشاشة وكأنها توليفة من رقي وكاريزما وسحر دفين.

غولشفته فراهاني
غولشفته فراهاني

في باريس، حيث الرياح لا تعرف ثباتًا، وجدت ملاذًا لها. لكنها روت لي أنها لا تستقر في مكان واحد، لا لأن المكان لا يستحق، إنما لأن روحها تبحث بلا نهاية عن شيء غير معروف: «بعد مغادرتي إيران، لم يبقَ لي جذور. الرياح تحملني إلى أماكن لا أعرفها، كأنني أبحث عن شيء لا أجده. هذا البحث يمنعني من البقاء في مكان واحد. عليّ أن أذهب وأبحث عن المزيد».

عن فرنسا، تقول بصراحة تؤكّدها الفترة الزمنية التي أمضتها في ربوعها: «اللاجئ القادم من بلد يعاني من القهر والضغوط، مثل إيران أو الصين أو الجزائر، تتطوّر فيه قدرة عميقة على التأقلم. أنا متفاهمة مع الثقافة الفرنسية، رغم البدايات الصعبة، لكن اليوم وجدتُ صلة قوية بها. ومع ذلك، لن أتحوّل أبداً إلى فرنسية. لكن، في باريس، شعرتُ بكرامة الولادة من امرأة، وأحسستُ لأول مرة في حياتي بأن المدينة حررتني من ذنوب كنت ظننتُ أنني اقترفتها».

كانت الموسيقى شغفها الأول، البيانو والدروس في الكونسرفاتوار، لكن القدر كان له رأيٌ آخر. هي نفسها لم تنفصل عن الموسيقى، لكنها تحوّلت نحو أصوات أكثر حدةً، خالطت البيانو بالهارد روك والميتال، لأنها أدركت أن الموسيقى الكلاسيكية لا تصل إلى وعي الناس، خاصةً الشباب منهم. وبينما بدأت شهرتها تتوسّع، تغيّر موقف عائلتها تدريجاً، لكن الرحيل عن إيران جعل المساندة أشبه بتحدٍ جديد: «مع كلّ خطوة جديدة، كنت أنتظر منهم رد فعل جديداً. لكنهم، في النهاية، كانوا معي».

مراحل الإقصاء والإذلال دفعتها إلى المنفى، لكن ما زاد الطين بلّة، كما قالت، هو الحجاب: «في إيران، يجب عليّ ارتداء الحجاب، خاصةً في الأفلام. لكنني سرعان ما أدركتُ أنه لا يمكنني أن أستمر في التمثيل مغطاة الرأس. المشكلة الحقيقية عندي هي الحجاب. في إيران، أتجوّل أحيانًا بلا حجاب في البيت أو في الجبال حيث لا وجود للشرطة. الحجاب هناك شيء شكلي، وليس مثل بعض الدول الإسلامية التي تفرضه بشكل دائم. أكره الحجاب. في الإسلام، فُرض ليحد من الشهوة الرجالية، لكنني لا أريد أن يُحدَّد مصيري بهذا الأمر. مشكلتنا نحن الممثّلات الإيرانيات ليست السلطة التي فوقنا، بل اعتقاد الناس أننا خرجنا من بطون أمّهاتنا مغلّفات بقطعة قماش».

الجوائز التي نالتها فراهاني كانت كلها خارج إيران. حين سألتها عن هذا، ردّت بغموض ساخر: «في المهرجانات الإيرانية، لم أنل جوائز لأنني أطل دائمًا بدور امرأة قوية. في احدى المرات، أوقفوا عرض فيلم كنت فيه لأنهم اعترضوا على فكرة تقديم امرأة تتّخذ قراراتها بنفسها. الجوائز في إيران لا تُمنَح لمن تملك الحرية، بل تذهب لسيدات يخضعن لرغبات أزواجهن. أحيانًا، الكذب والنفاق هما الطريق الوحيد للنجاة. نحن نعيش حيوات متعددة: في المنزل، في المدرسة، في الشارع. الضغوط الاجتماعية تجبرنا على استخدام الكذب كسلاح يومي».

حين يستجوبها الغرب عن المرأة الإيرانية والحرية، تتملّص من تلك الصورة النمطية التي تُفرض عليها: «أحاول دائماً أن أتهرب من الأسئلة السياسية. أنا ممثّلة، لستُ ديبلوماسية. لا أريد أن أكون «جان دارك» الممثّلات، ضحية مضطهدة. الغرب يحب أن يراك ضحية، ويريدك تعزيز هذه الصورة، لأنه يشعر بالارتياح حين تظلّ الأمور على حالها. يقولون لك «تعال إلينا وسنساعدك»، لكن عندما تصل، لا يكترثون بك».

رغبتُ في معرفة ما اذا كانت السينما أنقذتها أو زجّت بها في متاهات أكثر تعقيدًا. أجابت بلا تردد: «إذا أردنا بناء مجتمع متماسك، علينا أن نزرع جذوره في مكان ما، والسينما تساعدنا في ذلك، تعيننا في تحديد هويتنا ومكاننا».

اقرأ أيضا: يوم التقيتُ جولييت بينوش

شارك هذا المنشور