فاصلة

مقالات

يوم سألتُ بيلا تار متى سيعود إلى السينما

Reading Time: 5 minutes

ألتقيتُ بيلا تار (1955 – 2026) مرتين. نسيتُ تمامًا كيف كان لقائي الأول به في تورونتو عام 2007، فيما بقيت ظروف الحوار الثاني في برلين، من بعده بـ12 سنة، ماثلة في وجداني. قبل الضغط على زر rec، طلب تدخين سيجارة وهو واقف في فبراير الذي لا يرحم. جرى الحوار في فندق «سافوا» في برلين الغربية، المدينة التي كان لجأ اليها في الثمانينات بعدما وجد فيها واحة حرية مُنع عنها في مسقطه المجر.

الناقد اللبناني هوفيك حبشيان وبيلا تار
هوفيك حبشيان وبيلا تار

دخّن تار سيجارته ببطء رجلٍ لا ينتظر أحدًا وغير مكترث بالموعد. رأيته مهمومًا، تصعب معرفة بمَ يفكّر، يحدق في الفراغ. كانت حالته الصحية بدأت تتدهور في تلك المرحلة، وبدا لي كأنه لا يقوى على الوقوف طويلًا. كان هذا قبل أن يستعين بعصا في السنوات التالية. عندما انطلق الحوار وبدأتُ أطرح أسئلتي واحدًا بعد آخر، وضع يديه على الطاولة كما لو أنه لا يريد منهما شيئًا بعد الآن. لا حركة زائدة، لا رغبة في الإقناع، ولا أي محاولة لإرضاء أحد. كان صريحًا كعادته، تتفلّت من فمه كلمات مثل «فاك». لكنه، بدا أيضًا كمَن يحضر جسدًا فقط، بعدما ترك روحه في مكان آخر، ربما في إحدى تلك الطرق الموحلة التي عبرت أفلامه، أو في زمن قرر أن يطويه إلى غير رجعة.

غموض تار لم يكن قناعًا، بقدر ما هو حالة. شعرتُ، وأنا ألتقط له بعض الصور، أنه لا يريد شيئًا من هذا العالم، وهذا ما يجعله صاحب مكانة استثنائية في الحياة والسينما. رغم السنوات المتراكمة فوق كتفيه والتي جعلته أكثر حكمةً وأقلّ رغبةً في تغيير العالم، كان لا يزال غاضبًا من الداخل: «لا يسعني تقبّل العالم الذي نعيش فيه. للأسف، في المجتمعات الغربية باتت السعادة تُقاس بكمية المال التي تملكها».

بيلا تار من مهرجان برلين 2011، وقت عرض فيلمه «The Turin Horse»
بيلا تار من مهرجان برلين 2011، وقت عرض فيلمه «The Turin Horse»

أنجز تار تسعة أفلام سينمائية وضعته على عرش سينما المؤلف الأوروبية، سينما ذات ايقاع متمهّل، تتأمّل الحياة كمن يراقب نهراً أو يمعن في النظر إلى غروب الشمس. لكنه، من خلال الحوارين، بدا لي غير معني بهذا اللقب ولا بأي لقب آخر. الرجل الذي جرّد البوادي من ألوانها، جاعلًا من الزمن مادة خامة لأفلامه، كان وصل إلى جدار مسدود فنًّا ووجودًا. ما عاد يريد إضافة شيء. كلّ محاولة لمساءلته، للاعتراض على خياره، لجره إلى التفكير مجددًا، اصطدمت بالجدار نفسه: «ماذا أقول بعد ”حصان تورينو“؟ لقد تكلمتُ عن الموت يا سادة».

ورغم إحساس مزمن بالخيبة، جلس معي وفتح قلبه وتحدّث طولًا وعرضًا، متيحًا لتاريخه وماضيه وهواجسه وقلقه من المستقبل أن يجلس معنا، وذلك رغم انشغاله بالعودة إلى برلين لإعادة تقديم «تانغو الشيطان» بعد ربع قرن على عرضه الأول في الـ«برليناله» الذي لطالما حمله على الراحات. هذا العمل تطلّب تحقيقه أربع سنوات من حياته، بينها سنتان من الترحال لاكتشاف الأماكن والناس، فتحوّلت القرى أمام كاميراه إلى كائنات.

يا ترى، كيف كان العرض الأول عام 1995 لفيلم أصبح أسطوريًا مع مرور الزمن؟ أخبرني بأنه شعر بتعب شديد ساعتذاك: «كنّا أنهينا لتوّنا الفيلم. وددتُ فقط ان ينتهي كلّ شيء في أسرع وقت لأرتاح. عليّ ان أعترف لك بأني أشعر بالغرابة. أشياء كثيرة حدثت في الـ25 سنة الماضية. تجتاحني الآن الكثير من الذكريات وأنا أفكّر في ماضيّ. أقول لنفسي: أنجزتُ هذا الفيلم قبل 25 سنة، ولا يزال صالحًا للمشاهدة. جمهور من الأجيال الشابة يكلّفون أنفسهم عناء الذهاب إلى السينما لاكتشافه، وهذا ليس بالشيء القليل عندي».

Satantango (1994)
Satantango (1994)

حين سألته عن طول «تانغو الشيطان» الذي يتجاوز السبع ساعات، ضحك بسخرية هادئة وذكر «الحرب والسلم»، وأضاف: «أوبرا فاغنر ست ساعات ونصف الساعة. ”هاملت“، إذا قُدِّمت كاملة، تبلغ المدّة نفسها، لكن لا أحد يشتكي».

تكريم بيلا تار في مهرجان القاهرة السينمائي
تكريم بيلا تار في مهرجان القاهرة السينمائي

الاحتفاء المتكرر بتار قبل رحيله، في أماكن مختلفة من العالم، من بينها مصر، يبعث على الطمأنينة. فالرجل نال حقّه وهو لا يزال حيًّا. لم يكتفِ المسؤولون بوضع نيشان على نعشه. وعلينا التذكير بأنه لم يولد مع ملعقة ذهب في فمه، بل إنه رُشِق مرارًا بأحطّ النعوت، واتُهم بالشيطنة، فيما رآه آخرون واحدًا من آخر سادة السينما التأمّلية والسينما الحرة وتلك التي لا تقيم وزنًا لاعتبارات التسويق بل تحاربها. لم يخشَ إخضاع سينماه لهواجسه وإيقاعه واقتناعاته من دون أن يتحدّث عن نفسه بالضرورة.

كان تار يتحدّث بإنكليزية غير متقنة، لكنها كافية ليقول ما يود قوله. عنده، اللغة ليست أساسًا. هناك شيء آخر يمرّ بين الكلمات: نظرة، صمت طويل، إيقاع داخلي. هذه المحدودية في اللغة التي لا تسعفه دائمًا تمد كلماته برنين ما: «نحن كبشر، لسنا سوى جزء صغير من هذا الكون. كلّ شيء آخر أكبر منّا»، قال لي بحكمة الستيني الذي اكتشف الحقيقة بعدما فات الآوان.

سألته على شكل تعليق: «لك علاقة جدلية بمفهوم الزمن. فأنتَ، على نحوٍ ما، تسير في أثر مارسيل بروست، باحثًا عن الزمن المفقود». ملاحظة فضفاضة ربما رد عليها بالآتي: «الزمن مسألة بالغة الأهمية: زمن لئيم، قاس، لا يرحم. لكلٍّ منّا زمنٌ واحدٌ فقط للعيش، لا يُستعَاد ولا يُعوَّض. ما يشغلني ليس الزمن في ذاته فحسب، بل الكيفية التي نملؤه بها، وبُعده النوعي لا العددي. يشغلني أن أفهم كيف يهدر الناس حياتهم داخل الهامش الزمني الممنوح لهم. هذا السؤال يشكّل محور اهتمامي منذ فترة بعيدة. فحياتنا لا تجري في سياق مكاني فحسب، بل في سياق زماني أيضًا. والسينمائي لا يملك ترف التغاضي عن هذين البُعدين المصيريين في أي فيلم. فكلّما وقع حدث، هرع السينمائيون لتصويره. لكن لا يجوز التعامل مع الحدث بعجالة أو ارتجال. الزمن، في السينما كما في الحياة، يحتاج إلى تأمّل، لا إلى استعجال».

السينما، استثمرها تار كأداة. كما يستعمل النحّات إزميله. يقول ويكرر جملة بديعة في هذا الصدد: «ما يهمّ ليس الإزميل، بل التمثال».

السياسة بمفهومها المباشر؟ لا تعنيه. أو بالأحرى، لا يثق بها. «الإسفاف السياسي موقّت. يأتي ويمضي بلا سبب. ما يهمّني هو الكرامة البشرية. نوعية الحياة. كرامة أي كائن حي يظهر على وجه الأرض. كلّ شيء عدا ذلك يتلاشى».

«لا قصص جديدة»، قال تار في ذلك اليوم. كلّ شيء قيل وأُعيد قوله. بيد ان الأسئلة التي ظلّت تشغله: كيف نعيد روايتها؟ كيف نستخدمها لبناء علاقة بيننا؟ كيف نخاطب بعضنا البعض عبرها؟

رغم أنه انخرط في التعليم مرارًا، كره تار معاهد السينما والأستاذ الذي يقف ليقول للطلاب ما الصح وما الخطأ. «في القرن الحادي والعشرين، أقلّ ما يجب أن تفعله إذا أردتَ إنجاز فيلم، هو ألا تلتزم القواعد. لا توجد طريقة صحيحة. يوجد أنت، ولا شيء سواك».

عندما أسّس مدرسة في ساراييفو، مستلهمًا حركة باوهاوس الفنية، اعتمد مبدأ «لا أستاذ ولا طالب». مساواة كاملة. رفع شعار التحرر من القواعد والمسلّمات. أردتُ معرفة رأيه بالهواتف المحمولة التي جعلت من الجميع سينمائيين محتملين وعن الشكوى الدائمة من قلّة الإمكانات. لم يملك جوابًا سوى: «فاك! اذهب وصوّر!».

نظرًا لإيقاع أفلامه، كنت أعتقد انه سيوافقني اذا قلتُ له ان الحياة صارت وتيرتها جد سريعة في هذه الأيام. جاء ردّه مفاجئاً: «لا بل أشعر أن الحياة بطيئة جدًا. إلى درجة أننا لا نزال في مكاننا».

اعترف تار أنه ليس إنسانًا نوستالجيًا، بل شخص كسول. اختياره لفندق «سافوا» يأتي من كونه مكانًا مريحًا لا أكثر. بالنسبة له برلين الغربية هي برلين الحقيقية. في شارلوتنبورغ كان يشعر نفسه في وطنه ويتذكّر: «كنت هنا عندما انهار النظام الشيوعي. ليلة سقوط الجدار عشتها في الشوارع. لم نتوقّع قط أنه سيسقط بهذه السهولة. مَن عاش الشيوعية ما كان ليصدّق أن التغيير ممكن. ولكن علينا أن نفهم شيئًا وهو أن الجدار سقط من تلقاء نفسه. لم تحدث ثورة. لا يد للناس في سقوطه. سقط لأنه تعفّن من الداخل واهترأ. لهذا أؤمن بأن لا شيء تغيّر منذ ذلك الوقت. هذا شعوري. مظاهر الحياة تحسّنت. أما في العمق، فنحن لا نزال «هناك». الأفلام التي أنجزتها في الماضي أستطيع تكرارها اليوم. الخطاب عينه لا يزال قائمًا. لا بل بعض الأفلام التي كانت تُعتبَر خيالية عندما صوّرتها، باتت واقعية اليوم. وهذا يحزنني».

سألته في نهاية الحوار، متى سيعود إلى السينما. صَمتَ طويلًا. ثم أعلن، بهدوء الشخص الذي حسم قراره قبل زمن بعيد: «ستنتظر كثيرًا. ربما إلى آخر حياتك. وبالتأكيد إلى آخر حياتي». وهذا ما حدث. انتظرناه، غاب ولم يعد. اكتفى بتسعة أفلام سينمائية، ستبقى كالصلوات في معبد الفنّ السابع. لم يبحث عن الخلود، لكن يمكن العثور على هذا الخلود في كلّ لقطة من أفلامه.

اقرأ أيضا: بيلا تار… الزمن موقف سينمائي

شارك هذا المنشور