في الوطن العربي، وربما خارجه أيضًا، تتصارع الشعوب باستمرار حول هوياتها. هذا يقول إنه ليس عربيًا، وآخر يدّعي العكس، أحدهم يقول إنه ينتمي إلى عِرق معيّن، أو إنّ هذا العِرق هو الذي سكن الوطن في البداية، أو إنّ عرقًا آخر دخيل على البلاد. تتجاهل تلك الصراعات الثقافية أمرًا جوهريًا يتعلَّق بالهوية، وهو أنها لا تتكوَّن من عنصر واحد، بل تشبه قطعة حلوى مكوَّنة من طبقات متعدّدة، نأكلها كما هي، من دون فصل الدقيق عن البيض والسكر أو الفانيليا التي شكّلتها.
على جانب مُشابه، يلتقط فيلم رانيا الرافعي «يوم الغضب: حكايات من طرابلس»، الذي عُرض عالميًا للمرة الأولى في قسم «المنتدى» ضمن الدورة السادسة والسبعين من مهرجان برلين السينمائي الدولي، هذا السؤال بدقة، وكأنّ المخرجة تستخدم مشرط والدها الطبيب لفتح تلك الكعكة، ليس لتخريبها، وإنما لاستكشاف مكوّناتها.

في «سينما باريس»، التابعة للمعهد الفرنسي في برلين، عُرض الفيلم بحضور مخرجته رانيا الرافعي ومنتجته جنان داغر. القاعة كلاسيكية بتصميم نصف دائري، تضم صالة رئيسية وشرفة ومقاعد تقليدية. كان الحضور خليطًا من عرب من جنسيات مختلفة، وألمان، وأجانب. تُطفأ الأنوار، ويجلس الجميع في صمت. يبدأ الفيلم من ميدان في طرابلس تتوسّطه كلمة «الله»، ويجلس أمامها شاب يعزف. بهذه الصورة، تدخلنا الرافعي إلى قلب طرابلس، المدينة اللبنانية الشمالية التي كانت يومًا جزءًا من ولايات الشام تحت الحكم العثماني، قبل أن يضمّها الانتداب الفرنسي، إلى جانب بيروت، إلى جبل لبنان لتشكيل دولة لبنان الكبير.
يظهر هذا الملخّص التاريخي من خلال مشهد في حصة تاريخ داخل مدرسة لبنانية، إذ تسأل المعلمة طلابًا مراهقين عن رأيهم في تلك الأحداث وتأثيرها في البلاد. تطرح رأيها، وتترك لهم حرّية تفسير التاريخ. ثم تنتقل الكاميرا إلى مقابلة معها، تتحدَّث فيها عن جدّها السنغالي الذي جاء إلى لبنان ضمن القوات التابعة للاحتلال الفرنسي. وقبل الدخول في تفاصيل الفيلم، تقدّم الرافعي لقاءً أوليًا مع والدها الراحل، فيذكر اسمه وتاريخ ميلاده، قبل أن نسمع صوتها وهي تروي قصتها الشخصية، بينما تظهر صورته ممزّقة على الشاشة.
تبدأ الرافعي في المزج بين عناصر متعدّدة، وكأنها تعيد تركيب الهوية. أحد هذه العناصر هو رسائلها الشخصية إلى والدها، بالتوازي مع استكشافها المدينة وسكانها وتاريخها عبر خمس مراحل احتجاجية خلال فترات زمنية مختلفة، بدءًا من عام 1943 وحتى اليوم. وخلال ذلك، تضيف عناصر أخرى، منها صور فوتوغرافية، ومقتنيات شخصية، وحكايات أصدقاء والدها، ومقابلات أداء مع أطفال، لا يعرف بعضهم شيئًا عن استقلال لبنان، أو نكسة 1967، أو حرب أكتوبر، أو الحرب الأهلية اللبنانية.

تتأمّل الرافعي هذه التحوّلات، وتربطها برسائلها المصوَّرة إلى والدها، لتجمع بين تاريخ شخصي وتاريخ جماعي، وبين الأشخاص والأماكن، وبين توجّهات سياسية مختلفة. تتوقّف أحيانًا عند تفاصيل مثل قصة الخياط الذي صنع لوالدها بدلة الضابط الفرنسي شارل ديغول، وأحيانًا عند قضايا أكثر راهنية، مثل أوضاع التعليم في المدارس الحكومية والخاصة. تمزج بين وقائع تاريخية موثَّقة، مثل خطاب جمال عبد الناصر، وصور المدينة وسكانها في الميادين والمقاهي وعلى الشاطئ، إضافة إلى مقابلات مع أطفال يمثّلون جيل المستقبل.
من خلال هذا الفيلم، الذي يبدو مشغولًا بعناية، وشريط صوتي يضم مقطوعات موسيقية مختارة، تسعى الرافعي إلى التواصل مع والدها الراحل، وفي الوقت نفسه تقدّم قراءة لتاريخ المدينة، وتطرح أسئلة حول مستقبلها. ويعكس التحوّل الذي شهدته طرابلس مسارات مشابهة في مدن عربية أخرى مرَّت بتجارب الاستقلال وما بعد الاستعمار، وحلم الوحدة العربية. ومن خلال هذا المسار، تطرح الرافعي تصوّرًا للهوية بوصفها مزيجًا من عناصر متعددة، لا يمكن فصلها عن بعضها البعض.
اقرأ أيضا: «وقائع زمن الحصار»: 5 حكايات من واقع الإبادة في غزة