فاصلة

مقالات

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب

Reading Time: 16 minutes

فإن كنتَ ابنًا وفيًّا لأبيك،
فثِر لي!
لكن لا تمسّ أمّك بسوء…
دعها للسماء وعدالة الضمير.
الآن أودّعك…
تذكّرني، يا هاملت…

هاملت -الفصل الأول – المشهد الخامس  (ظهور شبح الأب)

هاملت.. اكتر رواية قرأتها في حياتي..شوف الورق مصفر إزاي

المخرج يحيى شكري مراد (اسكندرية كمان وكمان – الجزء الثالث من رباعية السيرة الذاتية لشاهين)

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
إسكندرية ليه (1979)

في عام 1979 أنجز يوسف شاهين «اسكندرية ليه»، الجزء الأول من رباعية السيرة الذاتية، والتي عاد فيها برؤيته الخاصة كما أطلق عليها في تيترات الفيلم إلى العام الفاصل في حياته عندما قرر أن يسافر إلى أمريكا لدراسة التمثيل في معهد باسادينا – وهناك انتقل من دراسة التمثيل إلى الإخراج كما روى ذلك في الجزء الرابع «اسكندرية نيويورك»- ورغم الحضور الباذخ لتأثره الشديد بمسرحية هاملت لوليام شكسبير أو بشخصية هاملت نفسها – كما نرى في اختياره لمونولوج مخاطبة شبح الأب في المدرسة وهو يستعرض قدراته التمثيلية أمام زملائه ومعلمه- إلا أن جانب كبير من أصل هذه العلاقة الانفعالية والشخصية جدًا لم يكشف عنه بشكل صريح سوى في الجزء الثاني من الرباعية «حدوتة مصرية» 1982 والتي أزاح فيها ستار الخصوصية القاتم عن جانب من حياته الخاصة وتحديدًا علاقته بـ«شبح الأب.. وطعنة الأم».

الأب: شغل على ودنه شغل شغل.. لم قرشين هيخلوا بنتك.. قصدي أختك.. ما تشوفش يوم واحد من الأيام السودا اللي شافتها أمك معايا.. أيام من غير عيش من غير رز من غير لحمة من غير خضار من غير صابون من غير شرابات نايلون.

يحيى: وهي الحياة شرابات نايلون؟

الأب: روح أسأل أمك!

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
حدوتة مصرية (1982)

يعكس حدوتة مصرية أصل الأزمة الشخصية التي دفعت شاهين إلى التوحد مع هاملت بهذا الصورة الهستيرية حد الهوس، التمزق العائلي الذي شهده وشهد عليه نتيجة فارق السن بين أبيه وأمه

الأم: كان أكبر مني بتلاتين سنة ومكنش عايش في الواقع

يحيى: انتي عمرك ما حبيتي أبويا..

الأم: كنت بحترمه زي أب..

وكانت طبيعة شخصية الأب «بيروح يتفرج على غروب الشمس ويصطاد» كما يعترف شاهين على لسان محمود المليجي في دور الأب،  أما تركيبة شخصية الأم فكانت نازعة إلى التمرد على شكل علاقة زوجية لم تخترها، ولم تعجبها، ولم تشبعها -«ليلة زفافي مكنتش أعرف أي شيء عن أي حاجة في الدنيا.. ويا ريت كان فيه حب.. كان اغتصاب» … «أول عشر سنين مشفتش عتبة الباب وبعدين ولا حاجة».-

يكشف حدوتة مصرية إذن عن جين العلاقة الهوسية ليس فقط بين شاهين وهاملت ولكن بين شاهين وشبح الأب بالتفسير الهاملتي والمادي، بل إن المدقق في رحلة شاهين عبر أكثر من نصف قرن من صناعة الأفلام سوف يجد أن حضور شبح الأب بمختلف تجلياته أكثر اتساعًا وسيطرة على رؤية وخيال شاهين من شخصية هاملت نفسها، رغم كل التوحد والاستغراق الذي وصل إلى حد الصراخ المباشر في «إسكندرية كمان وكمان»:

يحي شكري: هاملت ده حلم..وهنححقه اهه!

عمرو: حققه أنت…

حدوتة مصرية (1982)

شبح بابا أمين

عقب عودته من دراسة الإخراج في أمريكا، وفي منتصف عشريناته، يتمكن شاهين من الحصول على فرصة إخراج أولى أفلامه الروائية الطويلة «بابا أمين» عام 1950، يكتب قصة الفيلم عن موظف من الطبقة المتوسطة يعيش حياة عائلية سعيدة لكنه يتعرض لوفاة مفاجئة تاركًا أسرته الصغيرة – زوجة طيبة وبنت جميلة موهوبة وابن مشاغب خفيف الدم- بلا عائل اجتماعي ولا ساتر مادي، ولكن روح الأب لا تغادر إلى السماء! بل يأتي إليه شبح أبيه – قدم حسين رياض شخصيتي الأب والجد- مانحًا إياه فرصة أن يظل شبحًا عالقًا لكي يرى ما الذي يمكن أن يحدث لأسرته من بعده نتيجة لطمعه وتصرفاته غير المسئولة.

يبدأ شاهين أولى أفلامه إذن بقصة عن أب يتحول إلى شبح! ويظهر له شبح أبيه ليقوده في رحلة الكشف والاكتشاف لما يحدث بعد موته! هذا الشبح المركب في حضوره الدرامي وغيابه المادي سوف يشكل تجلي أساسي من التجليات التي سوف تظهر فيما بعد عبر كل أفلام هذه المرحلة وربما ما بعدها، الأب الشبح، الحاضر الغائب، محور الأزمة، والمسئول عن إصلاح الأمور بعد فسادها أو إفسادها.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
بابا أمين (1950)

في فيلمه الثاني «ابن النيل» 1951، والذي يعتبره البعض أول الأفلام التي تحمل جينات أسلوبيته البراقة، يتحول حمدان الشاب الريفي المتمرد والنافر من بيئته بقوالبها الطينية وجفاف الصخب والأضواء التي يبحث عنها إلى شبح آخر بالنسبة لزبيدة، الريفية الجميلة التي تعشقه وتسلمه جسدها. يهرب حمدان من مسئولية الأبوة، ينكر على زبيدة حقها في الزواج والستر – بالمفهوم الريفي والإنساني- ويسافر من خلفه أخاه الأكبر – رمز الأبوة المجازية له ولبيته – لكي يقنعه بالعودة وتحمل المسؤولية! ووضع حد لاستسلامه المهين لصخب المدينة واضوائها الزائفة.

يمكن أن نشير إلى التقابل الوصفي بين عنواني الفيلم الأول والثاني فيما يتعلق بعالم الأبوة (بابا – ابن)

فيما بعد هذين الفيلمين سوف تظل هذه التيمة مركزية بشكل واضح كمجاز معلن للحنان المفتقد او الدكتاتورية الغالبة أو السلطة الغائبة أو التخلي المكروه، أو حتى الدافع للإنتقام – الهاملتي-، وحاضرة كمكون رئيسي للخلطة الدرامية أيًا كان نوعها – كوميدي أو ميلودرامي أو بوليسي- خلال الفترة الممتدة من الخمسينات وحتى أوائل السبعينيات.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
ابن النيل (1951)

في «صراع في الوادي» 1954 يصبح (الأب/الباشا) الراغب في الانتقام من المهندس أحمد بعد أن تجاوزه في محصول القصب نمرة واحد بكل ما يمثله من سلطوية طبقية هو المحرك الأٍساسي للأزمة التي سوف يواجهها كل من أحمد وآمال، والتي سوف تصيب أحمد بالأساس في أبيه صابر أفندي ناظر زراعة الباشا، حين يتم اتهامه بالقتل، انتقامًا من أحمد وتعطيلًا نهائيًا لرغبة ابنته آمال في الزواج من طبقة أدنى مستحقرة بالنسبة له.

تنطلق الحكاية من عوالم شكسبير خاصة روميو وجوليت، ولكنها أيضَا تسير من جهة الأب باتجاه الأب! ليصبح الأب القاتل في مواجهة شبح الأب الغائب بحكم الإعدام، والذي سوف يظل يطارد قصة أحمد وآمال حتى النهاية.

صراع في الوادي (1954)
صراع في الوادي (1954)

وفي «صراع في الميناء» 1956 يعود الأب مرة أخرى ليستحوذ على جانب مهم من الأزمة بين رجب البحار العائد بعد غياب طويل وممدوح الابن المدلل لواحدة من كبيرات عوائل الميناء وذلك حول الجميلة حميدة، وهي الحكاية التراثية التقليدية بين رجلين في صراعهما على امرأة، لكن بينما يغيب الأب عن الحكاية الأصلية ويصبح الصراع بين الأخوين، يتصدر الأب في الفيلم واجهة الأزمة في حضوره كوالد اجتماعي ومادي لممدوح ووالد بيولوجي (غائب/شبح) بالنسبة لرجب.

وبينما يمثل الأب في «الوادي» السلطة الاقتصادية والاجتماعية في شكلها الطبقي المنفر والمتماشي مع نزعة مقاومة الإقطاع عقب حركة الجيش 1952، يمثل الأب في «الميناء» بتخليه عن ابنه الأكبر، حالة التفكك الاجتماعي والإنساني، مع قليل من النزعة الطبقية في صراع في الوادي، والتي تكشف هشاشة الادعاءات بالمساواة! وتفوق عناصر مثل الاسم والسمعة والمستوى المادي على أي حقوق مكتسبة أو مقاومة للخروج من أسر الطبقية المستفزة.

صراع في الميناء (1956)
صراع في الميناء (1956)

وفي مقدمة «باب الحديد» 1958 نسمع صوت العم مدبولي صاحب الكشك وهو يحكي كيف عثر على الشاب الأعرج قناوي ملقى في المحطة، كأنما ابن سفاح تخلصت منه قاطرة من تلك التي تروح وتيجي على رصيف بعيد.

يبدو العم مدبولي في باب الحديد أقرب للأب البديل لقناوي، أب غير بيولوجي لكنه أقرب للأب الاجتماعي، إنه أب بحكم الرقة والحنان والحنو والتفهم الكامل أن عاهة قناوي في خياله وليست في ساقه العرجاء، وكيف أن الحرمان مزق دكه، فحوله إلى وحش مأسوف عليه، أول من يعثر عليه الأب وآخر من يبكيه هو الأب.

تبدأ حكاية «باب الحديد» بصوت العم مدبولي وتنتهي بنفس الصوت وهو يدعو قناوي لترك السكينة كي يتزوج من هنومه، الحكاية كلها من عينا هذا الأب المكلوم في ابن شوهته ظروف قدرية غير معلومة، لكنها محسوسة ومؤثرة، شكلت كتلة التلعثم والعرج والهيستيريا والقتل والجنون التي جسدها شاهين نفسه. ويمكن القول أن «صراع في المينا» ومن بعده «باب الحديد» يحملان الإرهاصة بالتطور الثيمي الذي سوف يشهده عنصر شبح الأب فيما بعد خلال سنوات السبعينيات. ونقصد به؛ محاكمة شبح الأب.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
باب الحديد (1958)

حيث يبدو غياب الأب بالموت أو التخلي أو الأستعلاء الطبقي، عناصر تؤدي إلى موت الحب، فقدان الأمان، انكشاف العورات الاجتماعية – وفيما بعد السياسية- وارتكاب الجرائم، وفقدان البوصلة الإنسانية والقيمية بشكل خاص وعام.

فيما بعد باب الحديد وقبل الدخول في مرحلة الفيلم الملون التي بدأت بالناصر صلاح الدين – بكل ما يحمله الفيلم من دعاية سياسية لفكرة حضور (الأب/الزعيم/المخلص) ونفي الشبحية عنه. قدم شاهين عدة أفلام مع الكاتب وجيه نجيب أبرزها «نداء العشاق» و«بين أيديك» و«رجل في حياتي»، وثلاثتهم بدون أي افتعال أو مبالغة تلعب شبحية الأب الدور الأساسي في محركاتها الدرامية، ففي فيلمي «نداء العشاق» 1960 و«رجل في حياتي» و1961 على سبيل المثال، تنطلق الحبكة في الفيلم الأول من جريمة قتل الأب على يد الراقصة ورد بعد أن حاول أن يتحرش بها، ليبدأ ابنه في مطاردتها هي وعشيقها من أجل الإنتقام، وفي الثاني يرتكب بطل الحكاية نفسها حمدي جريمة قتل الصياد والد حبيبته، ويتزوج منها وهي عمياء دون أن تدري أنه هو! وبينما تنتظر أن تعالج عينيها يخشى حمدي أن تفتحهما فترى قاتل والدها يشاركها البيت والفراش.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
الناصر صلاح الدين

وفي «بين ايديك» 1960 –عن قصة لمصطفى محمود- تنتقل العائلة الارستقراطية من ظل الأب المؤسس «أعظمهم» بكل ارستقراطيته الهشة إلى ظل الأب الجديد؛ المعلم مدبولي الجزار – نلاحط أن اسم مدبولي يتكرر في العديد من أفلام شاهين بشكل لافت- والذي يفرض على الأسرة بحكم كونه المعيل الأحدث والحامي الأقتصادي من الانحدار الطبقي أن تتزوج أمال بنت أخيه الراحل – الذي ناسب عائلة أعظمهم- من رجل عامل يكسب رزقه من عرق جبينه، وليس شاب مخنث عاطل بالوراثة أو نصاب محترف كمن تقع آمال في فخاخهم. إنه الصراع بين ارستقراطية العهد البائد – بمنطق الستينيات- واشتراكية العهد الجديد بالمنطق الناصري! والذي كان يتشكل احتقانه في ذلك الوقت بشكل مرعب وحي!

«أعظمهم..اعظمهم… أنا ما اسميش أعظمهم…أنا اسمي آمال محمود أبو عضمة» هكذا تصرخ آمال في وجه الجدة المسيطرة التي تحمل اسم الأب الغائب والتي تقاوم بكل ما أوتي لها من إرث ارستقراطي بائد دخول الطبقة العاملة متمثلة في رجب النجار إلى عالمهم الزائف والمضحك في نفس الوقت.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
بين ايديك (1960)

محاكمة شبح الأب

عقب موت عبد الناصر وتغير ملامح المرحلة من «الناصر صلاح الدين» 1963 الذي يدعو بلوعة الأب المكلوم: «رب هبني القدرة على الصبر» عقب مقتل ابنه إسماعيل في المعركة مع الصليبيين، لكنه في نفس الوقت لا يمنع جنوده من الفرحة: «عيسى! جفف دموعك! نحن هزمنا العدوان يا أبنائي… عودوا إلى احتفالكم»

دخل يوسف شاهين مرحلة جديدة فيما يخص علاقته بشبح الأب في أفلامه، وذلك بعد موت ناصر وتحول دفة المصالح السياسية في مصر وتهيؤ طبقات جديدة للصعود بديلًا عن تلك التي ظلت تحكم قبضتها الأمنية على كل السياقات خلال سنوات الحكم الناصري، وتبدلت أوراق اللعبة على الجبهتين المحلية والدولية بوصول السادات إلى سدة الحكم وتمركزه منفردًا وباطشًا بكل ما تبقى من ميراث (الوالد)، بدأ تيار التمرد على صورة (الأب/الزعيم/المخلص) ينهض بشكل متجاسر وجرئ، بالنسبة لشاهين بدأت ملامح التغيير مع الفيلم الفاصل بين مرحلة تقديس شبح الأب ومحاكمته؛ «العصفور» 1974.

اللواء إسماعيل بصرامة:  يا تقولي لهإانتِ يا أقوله أنا!

أم رؤوف بأنكسار: رؤوف! إسماعيل ابوك الحقيقي.. مش جابر

رؤوف بصدمة: وهو كان عارف!

… …

الشيخ أحمد: وأنت يهمك إيه؟ مش جابر هو اللي حبك ورباك وكبرك لحد ما بقيت راجل حر!

العصفور (1974)
العصفور (1974)

 ربما كان واحد من أسئلة العصفور الأٍساسية: من هو جابر زيدان الذي يتعامل معه جيل رؤوف على اعتبار أنه الأب الذي أحبه ورباه وجعل منه (رجل حر!) ثم اكتشف رؤوف أنه لم يكن ابنا لهذا الرجل! وأن أمه حملت به سفاحًا من اللواء إسماعيل رجل الأمن جامد القلب حاد الدماء!

ثم يفتح هذا السؤال الباب وراء جرعة أكبر من التساؤلات، لو اكتشف جيل رؤوف – جيل هزيمة 1967- أنه لم يكن ابن الرجل الجميل الرقيق صاحب الصوت العذب والأغنيات الوطنية الحلوة (ورفاق مسيرة عسيرة وصورة حشد ومواكب في عيون صبية بهية عليها الكلمة والمعنى) وأنه ابن رجل الأمن بكل تجليات هذه العلاقة المشوهة! والتي تمتد أيضًا إلى اكتشاف الصحفي المشاغب يوسف فتح الباب أن أبوه فؤاد فتح الباب عضو الإتحاد الإشتراكي واللجنة المركزية أهم شريك في مؤسسة يونس وشركاه، المؤسسة التي تصب فيها ماكينات مصنع الكبريت التي يتم سرقتها من القطاع العام لكي تباع لصالح المنتفعين الجدد للقطاع الخاص!

في بداية «العصفور» يكتب شاهين تصديرًا على خلفية من الصحف والجرائد التي تحكي عن اللحظة التاريخية التي قرر أن يشتغل فيها على فيلمه، يقول في التصدير أنه صنع هذا الفيلم لكي يجيب على أسئلة الأجيال الجديدة التي تسأله ماذا حدث في يونيو 67 وكيف؟!

العصفور (1974)
العصفور (1974)

يجيب شاهين في «العصفور» من خلال أربعة آباء يمثلون إرهاصات محاكمة شبح الأب التي سوف تتكشف علانية في الفيلم التالي «عودة الأبن الضال» 1976، الأب جوني الذي يعيش كشبح سكير على أطلال مجده العفن القديم حين كان يتعامل مع قوات الاحتلال الإنجليزية وقت تمركزها في قناة السويس، وهو رمز جيل الآباء الذين فرطوا في القضية واستغلوا الوضع السياسي لصالح مكاسب مادية ما لبثت أن طيرتها رياح التغيير.

والأب جابر زيدان/الصوت الشعبي الذي يتجلى كشبح يسكن في أغنياته، والتي تبقت في ذاكرة من عاصروه، وهي أغنيات جميلة ووطنية ومحمسة لكن أخوه اللواء إسماعيل ربما دس له سم السر في أذنه فمات كمدًا حين عرف أن رؤوف ليس ابنه، وهو نفسه تصور جيل رؤوف عن ناصر الأب الجميل الذي لم يتبقى من عصره سوى الأغنيات و(ومكن المصنع المسروق).

وهناك الأب الحقيقي، اللواء إسماعيل، الحاضر كشبح أمني باطش وراء مقتل جابر زيدان، وقيادة حملة لسكات ابو خضر المنشق عن منتفعي التنظيم السياسي الوحيد في البلاد، والذي يقف خلف تعطيل نشر يوسف مقالاته الفاضحة والتضييق عليه.

ثم الوجه الأخر للواء إسماعيل الأب فؤاد فتح الباب، شبح عملاق يخفي خلفه أشباح آباء آخرين من قيادات الدولة – كما في المشهد الشهير لشخصية لا يظهر سوى ظلها وهي تتحدث من مكتب يطل على الأفق القاهري دلالة على كونها في مركز قيادي عال يشرف على البلد كلها-.

أربعة آباء يعبر من خلالهم شاهين إلى مرحلة محاكمة شبح الأب التي سوف تتحول إلى لون أساسي ضمن مجموعة ألوان الحكايات التي سوف ينشغل بها منذ منتصف السبعينيات وحتى الفيلم الأخير.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
العصفور (1974)

جنازة الأب الضال

في نهاية «العصفور» كان عبد الناصر لا يزال حيًا – رغم الموت المعلن للأب جابر زيدان- بينما تجري بهية وسط الجماهير الرافضة للهزيمة معلنة: «هنحارب هنحارب»، ويتحرر العصفور – أو هكذا يظن- من قفصه الكبير- تطلقه يد جوني الأب السكير الذي توقظه لحظة الهزيمة من إدمانه العفن لذكرى «جوني الميجور وجوني بتاع الباب الوراني».

يمكن أن نرسم خطًا بين الرغبة – ولا نقول النبوءة- الخاصة بتحرر العصفور وبين خروج علي المدبولي من السجن في يوم وفاة (الأب/الزعيم) في «عودة الابن الضال»، خط غير مباشر لكنه أثيري ومحسوس.

عودة الابن الضال (1976)
عودة الابن الضال (1976)

في هذا الفيلم ولأول مرة نشاهد جنازة الأب -جنازة ناصر التي صورها شاهين بنفسه عام 1970- لقد أصبح الأمر رسيمًا الآن، صار الأب شبحًا مؤكدًا الآن، بعد أن كان مموهًا وسط المجازات والإسقاطات في الفيلم السابق. هذا الموت المادي ومشاهد الجنازة أصبحت إيذانًا بإمكانية محاكمته في مختلف تجلياته.

تبدأ مرحلة محاكمة شبح الأب في «عودة الابن الضال» بشكل عنيف ومباشر حد الصراخ، الأب محمد المدبولي يتحول إلى شبح حي «عبيط العيلة» كما يطلق على نفسه أمام زوجته، منذ أن يغادر علي الأبن الأكبر المتمرد على سلطة عائلة المدبولي، وخاصة الأب الثاني طلبة المدبولي حاكم العائلة الجديد، الممسك بزمام أصولها المادية والسلطوية، الذي يقبع مثل شبح مرعب في حياة ابنه إبراهيم الراغب في مغادرة ميت شابورة مثل عمه:

أبدًا… من ميت شابورة مفيش خروج أبدًا.. تقعد هنا وتباشر العزبة

 لا يا ابن أبويا البعيد يا غلطان… قولوا يا ولاد الشارع لمين؟ قولو له ليكون البعيد غفلان

 الشارع لنا… احنا لوحدنا… والناس التانين دول مش مننا… دول ناس أنانيين

عودة الابن الضال (1976)
عودة الابن الضال (1976)

هكذا يقرر علي ومن بعده ابراهيم الثورة ضد السلطة الأبوية المغلقة على الجغرافيا القديمة والزمن المتآكل، زمن المعصرة والسينما الشعبية والأرض القاحلة التي أضاع المدبولي الكبير أموال العائلة على محاولة استصلاحها بلا فائدة. بينما جيل إبراهيم يشاهد التليفزيون ويرغب في أن يصبح عالم فضاء!

يدين الفيلم تحول الأب إلى شبح تافه أو سلطوي محافظ رغم انحرافه النفسي – طلبة هو مغتصب فاطمة حبيبة الأخ الغائب كشهوة أو عقاب على كونها تنتظر الأخ المنفلت خارج حدود ميت شابورة-.

وفي النهاية يصبح الحل المفتوح هو أن يغادر إبراهيم وحبيبته تفيده نحو الشمس «نودع الماضي بحلمه الكبير… نودع الأفراح نودع الأحزان»، ماذا كان حلم الماضي الذي تقصده الأغنية؟! لقد انتهت العائلة إلى مصير الدم المحتوم نتيجة هزيمة النموذج الأبوي في مختلف تجلياته، الأب المنسحق والأبن المتجبر، ولم يعد الأمل سوى في الحفيد الهارب من جحيم الحرب الأهلية.

عودة الابن الضال (1976)
عودة الابن الضال (1976)

يعلق شاهين جزء كبير من أسباب هزيمة بيت المدبولي على عنصرين أساسيين؛ فشل الأب الأول وفساد الأب الثاني من ناحية، وتواطؤ الأم من ناحية أخرى – هنا نشم رائحة تواطئ أم هاملت ولكن في سياق اوديبي يشكله شاهين ما بين رتيبة زوجة محمد وخالة فاطمة وأم طلبة وبين طلبة نفسه ابنها البكر وراعي مصالح العائلة كما نراهم في مشهد تدخين الشيشة سويًا- تعزل رتيبة الأب عن عرش العائلة بحكم فشله في استثمار أموالها وتتواطأ على اغتصاب طلبة لفاطمة وتؤيد بقاء إبراهيم في ميت شابورة وتفرح بعودة علي وتريد تزويجه من فاطمة لضمان غسل سمعة الأسرة الملعونة.

حتى الأب البديل؛ علي، يعود بهيئة شبحية فاضحة، كما نرى ظله يجري عكس غروب الشمس في المشهد الشهير، حتى حين يدخل إلى أرض المدبولي يدخل مثل طيف عابر، يجلس بجانب أباه صامتا كأنما طفل ارتكب خطأ وينتظر صامتًا العقاب المستحق. يحاكم شاهين علي كأب بديل لإبراهيم، يحاكم سذاجته وبراءة حلمه وفشله في التحقق كأب قادر على إعادة إنتاج العائلة بصورة أكثر إنسانية.

وباستثناء حسونة والد تفيدة – نموذج الأب المتفهم الحنون الطيب قليل الحيلة- لا يوجد نموذج أبوي واحد في الفيلم لا يتعرض للفضح والإدانة والإعلان عن كونه سبب الهزيمة الماضية والقادمة.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
عودة الابن الضال (1976)

الأنا وشبح الأب

في عام 1979 يبدو وكأن شاهين يتوقف للتفكير بشكل معمق وشديد الجاذبية في علاقته بفكرة شبح الأب التي بدا واضحًا أنها جزء من عالمه المتنامي، حيث يقدم في «اسكندرية ليه» تحليل مفصل عن طبيعة علاقة قناعه الدرامي (يحيى شكري مراد) بوالده؛ المحامي المخضرم، صاحب النظرة النافذة والحكمة المترسبة عبر سنوات العيش في مدينة كوزموبوليتانية ملونة مثل الإسكندرية تتعرض لظرف تاريخي وسياسي مريع كالحرب العالمية الثانية وزمن التحولات الكبرى ليقدم خلاصة حكمته في الجملة الخالدة بصوت محمود المليجي «وعايزني أكسبها».

هذا التحليل المعمق للعلاقة لا يأتي منقطع الصلة عما سبقه من إرهاصات التمرد والمحاكمة، وكعادة شاهين لا يكتفي بنموذج أبوي واحد – يخصه – حتى لو كان الفيلم يحتوي على جانب من سيرته الذاتية.

محسن : أما أبوك ده يا سلاام… حقيقي صاحب مزاج… يا أما بيصطاد سمك يا بيصطاد طيور

ديفيد: أنت أبوك يعرف يصطاد في الحرب ولله الحمد

محسن: آه يا ابني… وطول الوقت قاعد يعدهم في المكتب وباعت لي أعدهم معاه

يحيى: تصور يا ديفيد أبويا وأبو محسن كانو مع بعض في المدرسة زينا كده!

تفتكر لما نكبر هنبقى مختلفين عن بعض زيهم كده.

إسكندرية ليه (1979)
إسكندرية ليه (1979)

هكذا يدور الحوار بين يحيى وصديقه محسن حول آبائهما، الأول يشتكي من جشع ابوه واستغلاله المادي للعمال وقت الحرب كنموذج فاضح للرأسمالية السامة الأكلة على موائد الحروب، والثاني محمل بالأحباط من جراء تجاهل أبيه لرغبته في أن يصبح ممثلًا بينما يريد له أن يكون مهندسًا! لأنه كان يرغب في أن يكون مهندسًا ولم يتمكن بسبب الفقر.

ورغم العلاقة الشعورية المكللة بالدعم ودموع الافتقاد بين يحيى وأبيه، أو على حد قول الأب «أنا هشاور لك بالجامد كده علشان تعرفني» وهو يودع ابنه الذاهب إلى «آخر الدنيا علشان يبقى ممثل»  إلا أن الجزء الأول من الرباعية لا يخلو من تنويعات على عنصر محاكمة شبح الأب بمختلف سياقاته  وعبر أحداث الفيلم تستمر محاكمة الآباء كل في موقعه الاجتماعي والإنساني والعائلي حتى النهاية.

وفي الأجزاء التالية من الرباعية والتي امتدت على مدار أعوام 1982 و1990 و2004 ورغم تجليات شبح الأب المختلفة في تجارب شاهين التي تخللت إنجازه الرباعية مثل «اليوم السادس» 1986، وشخصية الأب الشبحي سعيد الذي ينتهي على عكس الرواية بإحراق نفسه عقابًا على عجزه وعدم قدرته على أن يصد ظل الموت عن حفيده، في مقابل جرأة زوجته صديقة ومغامرتها الهاربة من الحاصد اللعين.

أو «المهاجر» 1994 حيث شبح الأب الذي يراقب رحلة ابنه إلى أرض النيل لكي يتعلم الحياة والزراعة، وصولا إلى «المصير» 1997 حيث ابن رشد أبو الفلاسفة، الوالد الطيب الرقيق الذي يرفض أن يدافع عن كتبه تاركًا إياها تدافع عن نفسها «لأن الأفكار ليها أجنحة محدش يقدر يمنعها»، رغم كل هذه التجليات العديدة لأباء كانوا محور أفلام شاهين في سنوات التسعينات وبداية الألفية إلا أن الرباعية تحديدًا شهدت تطورًا هائلًا فيما يخص فرضية محاكمة شبح الأب؛ وهي توحد شاهين وشبح الأب في كيان درامي واحد.

يوسف شاهين… المخرج الوفي لشبح الأب
المهاجر (1994)

ما حدث في حدوتة مصرية أن يحيى شكري مراد أنجب أكرم وجميلة «جميلة البنت وجميلة الفيلم» بينما من المعروف أن شاهين لم ينجب من زوجته كوليت، ولكن كما عودنا منذ «اسكندرية ليه» فالسيرة التي يحيكها هي تركيبة ما بين الرؤية الشخصية والمتخيل والأسطوري والبوح والفضيحة وفن الاعترافات، ولما كانت حدوتة مصرية أكثر أجزاء السيرة بوحًا – ولا نقول فضحًا- للكثير من كواليس نشأته وعلاقته بأمه وأخته وزوجته ولما كان الشكل الذي اتخذه شاهين في التجربة ذات البعد السوريالي نسبيًا هو شكل المحاكمة – ظاهريًا محاكمة الطفل الصغير الذي يقبع في قلبه مثل الجلطة لأنه تجاهله منذ سنوات كثيرة وصار رجلًا كبيرًا محملًا بالإخفاقات والهزائم- فإن شاهين يجدها فرصة عبقرية للتوحد مع شبح الأب أخيرا ومحاكمته في صورة ذاته نفسها «انا فشلت مع اولادي زي ما أهلي فشلوا معايا» هكذا يحول شاهين يحيى شكري مراد إلى صورة من شبح أبوه كتجسيد للإخفاقات التي عاشها على مدار حياته وصولًا إلى سن الستين.

يكفي أن نشير إلى مشهد احتجاز ابنته في قسم الشرطة بسبب شجار نشب بينما كانت  في السينما مع حبيبها «واد صنيعي وكسيب وبيقف على مخرطة وبيكسب منها أكتر منك أنت وعبد الهادي وحياتك» فينصدم (يحيى/الأب) أنها على علاقة بشاب من طبقة ومستوى اجتماعي أدنى وأقل «أستاذ يحيى ده الواد ابن أخت مديحة اللي عرفتك عليها يوم باب الحديد»، هنا تتجسد مثلا أزمة ازدواجية المثقف التي يرى شاهين أن يحيى شكري مصاب بها – أو ربما هو نفسه!

يحيى:أانت مين

سيد: أنا اللي هي عارفه انه بيحبها

يحيى: مين أبوك

سيد: أنا اللي هتجوزها يا فندم مش أبويا

يقرر الأب أن يتدخل لصالح إخراج ابنته «إذا سمحت اطلب لي سيادة وزير الداخلية» لكنه يترك الشاب في السجن، لتصرخ به «هنومة الحقيقية» معاتبة وفاضحة: «أنت تعمل مننا روايات وبس، وكلها كدب في كدب، زي المرهم الأسود اللي كنت حاطه على وشك يوم باب الحديد.. لكن احنا الزفت بحق وحقيق!»

حدوتة مصرية (1982)
حدوتة مصرية (1982)

يمكن اعتبار «حدوتة مصرية» هو ذروة أساسية في علاقة شاهين بشبح الأب وهي العلاقة التي بدأت بالاستدعاء في أول أفلامه ووصلت إلى التوحد الكامل في رباعية السيرة الذاتية، ويمكن القول أن هذا التوحد نفسه شهد تحولات داخلية في رؤية شاهين لذاته عبر منظور شبح الأب. وريته لشبح الأب عبر ذاته.

من هذه التحولات الواضحة والكاشفة تأتي إلى علاقة يحيى شكري مراد بعمرو في الجزء الثالث من السيرة.

يحيى: مين أجدع رقاص فى الدنيا يا واد

عمرو: انت

يحيى: قول أحسن من أبوك

عمرو: أحسن من أبوك

يحيى:  قول أحسن من أبويا

عمرو: أحسن من أبويا

هكذا يمازح المخرج الكبير الممثل الشاب الذي من المفترض أنه أدى دوره في أولى افلام الرباعية «لما شافت الفيلم حست إنك أنت أنا بالظبط.. المليجي أبويا بالمللي، وأنت أنا، وأنا صغير بالمللي» مزاح تحضر فيه سيرة الأب واضحة، مجازية ومباشرة في نفس الوقت، من هنا يمكن أن نعيد تقييم العلاقة الملتبسة والملتهبة بين يحيى وعمرو، العلاقة التي قيل أنها تحمل شبهة حب مثلي، بينما لو نظرنا لها على ضوء عنصر هام في سينما شاهين وهو شبح الأب – وتوحد شاهين معه في سيرته- سوف نجد أنها علاقة أبوية خالصة، وما أشبه المشهد الذي يتحدث فيه يحيى مع عمرو حول مسؤوليته أن يكون أعظم ممثل في العالم، لأن يحيى لم يستطع أن يفعل هذا وتحول للإخراج، بمشهد يحيى وأبيه في «اسكندرية ليه» وهو يصطاد بينما يحدثه أنه يريد له أن يكون مهندس. وفي حين يريد عمرو أن يصبح مخرج عظيم عقب التخرج من المعهد يتجاهل (يحيى/الأب) هذا ويقول له: «بل أريدك أعظم ممثل في العالم!» يقول المثل الشعبي: «لا أحد يريدك أن تكون أفضل منه في الدنيا سوى أبوك فقط»، وهذا ما يمكن أن نراه معلنًا في الفيلم: «لو أنا ما اخدتش حاجة ميهمنيش… إنما يبلطجوا على جايزة الواد… أخرب بيتهم».

يختبئ شبح الأب الذي لم يتمكن من أن يكون ممثلًا عظيمًا: «انت الحديقة التي لم تعشب وشاخت وبذرت»، «أنت حياتك كممثل إزاي تسمح لنفسك ترميها رمي؟» على حد وصف الممثلة الشابة التي تنبهر بفيلم «هاملت» وهو الفيلم الذي تخيل شاهين أنه أنجزه لكي يتخلص من مطاردة هاملت وشبح أبيه له طوال حياته «شايف أن هاملت ده دورك ليه بتحط التاني ده في بوز المدفع؟»… الثاني المقصود هنا هو عمرو، الممثل الشاب، ابنه الفني ومحور علاقته المركبة بالممثل وبالأب الذين في داخله.

إسكندرية كمان وكمان (1989)
إسكندرية كمان وكمان (1989)

نادية: انت متعلق به قوي

يحيى: كنت ومبقتش… خدت وقتها ومشيت

إن الحوار في «اسكندرية كمان وكمان» ملئ بالجمل التي تعكس محاكمة شاهين لذاته في ضوء أبوة شبحية فاضحة تكشفها له دون مواربة كل التفاصيل والأشخاص الذين يحيطون به وقت اعتصام نقابة السينمائيين الشهير في الثمانينات. محاكمة شبح الأب الذي لم يتمكن من الاحتفاظ بالممثل الشاب في صحبة حلمه المستمر بأن يكون ممثلا. والمخرج الدكتاتور الذي يريد للكل أمام عدسته أن يشبهونه!

بنهاية «إسكندرية كمان وكمان» يتخلص شاهين من آثار العلاقة الأبوية المشوهة بالممثل الشاب الذي تركه في اتجاه مختلف مسببًا جرحًا عميقًا للأب في داخله. وهو الجرح الذي ظل شاهين يلعقه طوال سنوات عبر تجارب اكتشاف ممثلين شباب جدد (خالد النبوي وهاني سلامة وأحمد وفيق وأحمد يحيى). لكن يظل شبح الأب يطارده في حكايات أفلامه وصولًا إلى الجزء الأخير من الرباعية «اسكندرية- نيويورك» والتي تقوم جانب كبير من حبكته على اكتشاف يحيى شكري مراد، أن له ابنًا من الفتاة الأمريكية التي أحبها وقت أن كان يدرس في باسادينا – استكمالًا للرحلة التي بدأت في الجزء الأول- ولكن هذا (الأبن/اسكندر) ينكره تمامًا، بالنسبة له هو مجرد شبح لأب ليس له مكان في حياته الأمريكية المزدهرة البراقة بينما أبوه قادم من بلاد تركب الجمال! ثم أخيرًا يدرك قيمة هذا الأب ومكانته وأهميته ويفرح الأب بأنه لم يعد شبحًا في حياة ابنه الموهوب، ومن ثمة يمكنه الآن أن يستريح أخيرًا.

هاملت:
ولكن، انظري يا أمي! إنه ينصرف ببطء!
أبي، بلباسه كما كان حيًّا!
انظري، إنه يغادر الآن، من ذلك الباب!

(هاملت- الفصل الثالث-المشهد الرابع – آخر ظهور لشبح الأب)

اقرأ أيضا: كيف غيّرت فقرة في مقال رؤيتي لسينما يوسف شاهين وللعالم؟

شارك هذا المنشور