فاصلة

مقالات

يحيى الفخراني… هواية اللعب في مساحات الخطر

Reading Time: 7 minutes

اشتهر النجم الكبير يحيى الفخراني منذ السبعينات بأنه أحد رواد الدراما التلفزيونية والمسرح. ولم تكن هذه الشهرة نتيجة غزارة أعماله فقط، ولا نابعة من كونها أعمالًا «جيدة» فحسب، إذ تحوَّلت مع الوقت إلى «كلاسيكيات» يصعب المرور عليها من دون التوقّف عند حرفيتها في مختلف عناصرها، كما يصعب إعادة إنتاجها أو حتى تقليدها، وهو ما يؤكد فرادتها وجودتها.

مسلسل الليل وآخرة (2003)
مسلسل الليل وآخرة (2003)

وعلى سبيل المثال، نذكر «ليالي الحلمية»، «زيزينيا»، «أوبرا عايدة»، «الليل وآخره»، وغيرها من الأعمال التي ظلّت حاضرة حتى اليوم، إلى جانب السهرات التلفزيونية، وأعماله الإذاعية، ومسرحياته التي انطلق منها، وصولًا إلى «قصص القرآن للأطفال» المرتبطة بصوته ارتباطًا وثيقًا. هو تاريخ يصعب حصره أو تجاوزه. لكن، مع كلّ هذا النبوغ هل كان دخوله إلى السينما أمرًا يسيرًا؟

بالطبع لا. فالسينما كانت دائمًا مختلفة، لها حساباتها الخاصة، وشباكها، وجمهورها، وقواعدها الإنتاجية الصارمة. مساحاتها أضيق مقارنة بالمسرح والإذاعة والتلفزيون، كما أنها تشترط «مواصفات خاصة» للنجم. وفي ظاهر الأمر، لم تكن هذه المواصفات متوافرة في يحيى الفخراني. فإلى أي مدى خدمه «السياق» إلى جانب موهبته الفريدة وإرادته؟

قواعد تتغيَّر وجرأة لا تُنكر

في مقاله «صورة النجم في السينما المصرية»، يشير الناقد كمال رمزي إلى أنّ صورة النجم في السينما المصرية تغيَّرت في السبعينات، مقارنة بالنموذج السائد منذ الثلاثينات. فبعد البطل الأرستقراطي، اللبق والوسيم «الشيك جدًا»، برزت نماذج جديدة تنتمي إلى الطبقة الوسطى، مثل عادل إمام، وأحمد زكي، ونور الشريف.

ملامح أقرب إلى الواقع، وأجساد عادية غير مثالية، لا تنطبق عليها شروط الوسامة التقليدية. ويرى رمزي أنّ السبب يعود إلى اقتراب هؤلاء من رجل الشارع، ليس في الشكل فقط، بل لأنهم بالفعل أبناء الطبقة الوسطى، ممّا جعل الجمهور يتماهى معهم لشعوره بأنهم يشاركونه الهموم والتجارب.

من هذا المنطلق، يمكن فَهْم كيف ساعدت الظروف السياسية والاجتماعية يحيى الفخراني على أن يصبح نجمًا وبطلًا سينمائيًا، رغم عدم توافقه شكليًا مع الصورة التقليدية للنجم. وفي المقابل، لم يتحقَّق الأمر بالقدر نفسه مع ممثل كبير مثل صلاح منصور، رغم تقاربهما في البنية الجسدية، ممّا يشير إلى أنّ الموهبة وحدها لم تكن كافية، إذ يظلّ «الظرف» عنصرًا حاسمًا يفرض شروطه في مسار السينما.

لكن اختلاف المعايير لم يكن كافيًا وحده لظهور جيل جديد من النجوم وترسيخ حضوره. فإلى جانب الموهبة، كانت هناك حاجة إلى إرادة صلبة، واستمرارية، ووعي حقيقي بالواقع وبحرفة التمثيل. وهي عناصر توافرت لدى نجوم هذا الجيل.

وفي حوار قديم مع صفاء أبو السعود، يسأل الناقد والكاتب الصحافي محمد تبارك يحيى الفخراني: «مبتحسش بالندم على إنك اتجهت للتمثيل وما استمرتش في كارير الطب الذي كان ممهدًا بالنسبة لك؟».

ليجيبه الفخراني: «أنا تركت وظيفة الطبيب وامتهنت التمثيل محترفًا. وما كانش ممكن يجيلي من التمثيل عائد مادي قد نص مرتبي أيامها من الطب، وكان في خطورة شديدة إني ما أنجحش. لكن أنا كنت صريحًا وصادقًا مع نفسي في حاجة واحدة: أنا عايز أشتغل إيه. واكتشفت بعدين حاجة مهمة جدًا… إن أحلى حاجة هي الحاجة الوحيدة اللي بتاخدها لنفسك.

بالتالي، ساعات عملك، والنجاح، والشهرة، والفلوس، والمجد… كل ده ممكن يبقى للناس. لكن متعة الإبداع نفسه هي أمتع حاجة في مهنتنا، فبالتالي أنا مش نادم».

تكشف هذه الإجابة إلى أي مدى كان الفخراني مقامرًا. فبشهادة أساتذته، كان طبيبًا نابغًا يمتلك كلّ مقوّمات التميُّز، ومع ذلك ترك هذا المسار واتجه إلى التمثيل، وهو اختيار غير مضمون. اختار ما يحبّ، رغم المخاطرة. من هنا تتّضح جرأته المبكرة وروحه المغامرة، وارتباطه بما يؤمن به. وهو ما يُفسّر لاحقًا اختياراته السينمائية، التي يمكن وصف كثير منها بأنها «مغامرات» حقيقية، لا يُقدم عليها إلا فنان مؤمن بما يفعل، وهو ما انعكس بوضوح على مسيرته.

أقزام وثلاجة لحفظ الإنسان: المقامرة بالنجومية مع ماهر عواد

الأقزام قادمون
الأقزام قادمون (1987)

فيلم «الأقزام قادمون» من أبرز مغامرات الفخراني السينمائية. صدر عام 1987، بعدما رسّخ حضوره في التلفزيون والسينما، من خلال أعمال مثل «الكيف»، و«إعدام ميت»، و«للحبّ قصة أخيرة»، و«عودة مواطن»، و«خرج ولم يعد»، وغيرها، وهي أفلام ذات قيمة فنّية، تعاون فيها مع مخرجين كبار.

في هذا التوقيت تحديدًا، كان اختيار فيلم مختلف مغامرة حقيقية. فهو أول أعمال المخرج شريف عرفة والمؤلّف ماهر عواد، كما أنّ موضوعه جاء غير مألوف، وهو ما ينعكس حتى في الملصق الدعائي، الذي يظهر مجموعة كبيرة من الأقزام، مع عبارة «ولأول مرة 55 قزم».

يقدّم الفخراني في الفيلم شخصية «شهاب عبد العزيز»، مخرج الإعلانات الذي يعيش أزمة أخلاقية، تدفعه إلى العزلة بعد شعوره بأنه يروّج للوهم. وخلال هذه العزلة، التي يشاركه فيها مجموعة من الأقزام، يكتشف أن أرضهم مهدَّدة بالاستيلاء من رجل الأعمال رضوان النجمي (جميل راتب)، الذي يسعى إلى إقامة مصنع «هامبورجر» عليها.

يطرح الفيلم تصوّرًا مختلفًا عن السائد، عبر بطولة جماعية تقودها مجموعة من الأقزام في مواجهة رجل أعمال نافذ. كما يحمل نقدًا واضحًا للنزعة الاستهلاكية، ويطرح تساؤلات حول مفهوم الملكية والحقّ، من خلال الصراع على الأرض. ويتناول أيضًا فكرة الوهم والخطاب الشعبوي وتأثيرهما في الفئات المهمَّشة.

وتبرز في العمل ملامح أسلوب سيظهر لاحقًا في تجارب شريف عرفة وماهر عواد، مثل توظيف الاستعراضات والأغنيات، وحضور الفانتازيا ذات الطابع الساخر، والتي ستتبلور بشكل أوضح في أعمال لاحقة، من بينها «الحبّ في التلاجة».

مغامرة أخرى خاضها يحيى الفخراني بعد ستّ سنوات مع ماهر عواد، جاءت هذه المرّة من دون شريف عرفة، بعد انفصال الثنائي إثر تعاونهما في ثلاثة أفلام هي «الدرجة التالتة»، و«يا مهلبية يا»، و«سمع هس». اتجه عرفة لاحقًا إلى العمل مع وحيد حامد، بينما تعاون عواد مع المخرج سعيد حامد في تجربته الإخراجية الأولى «الحبّ في التلاجة».

فيلم الحب في الثلاجة
الحب في الثلاجة (1992)

اللافت هو إصرار الفخراني على تكرار التعاون مع عواد، رغم أنّ «الأقزام قادمون» لم يحقّق النجاح المتوقَّع، بل إنّ فيلمًا مثل «الدرجة التالتة» عُدّ نكسة لسعاد حسني، وقيل إنه كان من أسباب تراجع نجوميتها. ومع ذلك، لم يتردَّد الفخراني في خوض تجربة «الحبّ في التلاجة»، التي تبدو أكثر جرأة وغرابة من سابقتها، خصوصًا في وقت كان نجمه فيه يتصاعد بشكل واضح.

قدَّم «الحبّ في التلاجة» تجربة متفرّدة في السينما المصرية، ليس فقط على مستوى الفكرة، التي يمكن اختزالها في جملة مثل: «رجل يقرر حبس نفسه داخل ثلاجة حتى تنفرج أزمته»، بل في كيفية تطوير هذه الفكرة بصريًا وسرديًا. يتّسع الفيلم لجرعة فانتازيا لافتة، تتجسَّد في مشاركة «فرخة» لبطل العمل مهدي (يحيى الفخراني) داخل ثلاجة التجميد، حيث يحاورها وتشاركه وحدته، بل ويرقص معها.

ولا يخلو الفيلم من حسّ ساخر ونقد سياسي واجتماعي حادّ، على طريقة ماهر عواد، يتجلّى في السخرية من خطاب المسؤولين، والتعبير عن حالة الإحباط لدى الشباب، وانتظار الخلاص من الخارج، قبل أن ينتهي العمل بما يشبه انتفاضة للمهمَّشين.

هذا الإصرار من الفخراني على خوض التجربة يؤكد امتلاكه عقلية واعية واختيارات محسوبة، وقدرة على قراءة أبعاد النص وأهميته، ممّا جعله مستعدًا للمغامرة فنيًا، حتى على حساب الحسابات التقليدية للنجومية.

تمرُّد على الخطاب الأخلاقي وثورة ضدّ الخرافة

بالعودة إلى عام 1986، يُعدّ اختيار الفخراني لفيلم «للحبّ قصة أخيرة»، من تأليف رأفت الميهي وإخراجه، مؤشّرًا واضحًا على وعيه الفنّي وتجدُّد اختياراته، خصوصًا بعد أدائه شخصية الدكتور صلاح أبو العزم في «الكيف».

للحب قصة أخيرة
للحب قصة أخيرة (1986)

فإذا كانت شخصية صلاح أبو العزم تميل إلى الطابع الأخلاقي الواضح، فإنّ شخصية رفعت في «للحبّ قصة أخيرة» تقف على النقيض منها. ويأتي هذا التباين في سياق مقارنة مع «الكيف»؛ أحد أفلام ثلاثية الأخلاق للمخرج علي عبد الخالق، حيث تتّسم تلك الأعمال بنبرة وعظية مباشرة، ونهايات ميلودرامية تؤكد العودة إلى القيم الأخلاقية عبر مصائر مؤسفة لشخصياتها.

في المقابل، يقدّم رأفت الميهي خطابًا مختلفًا يتّسم بنزعة تقدمية واضحة، عبَّر عنها عبر أدوات متنوّعة، من السريالية إلى الفانتازيا، وصولًا إلى الواقع المباشر. في «للحبّ قصة أخيرة»، يعرض الميهي أزمة رفعت، الذي يواجه الموت بسبب مرض في القلب، بينما يعيش مع زوجته سلوى (معالي زايد) في منطقة الوراق القريبة من المصانع.

للحب قصة أخيرة (1986)
للحب قصة أخيرة (1986)

رغم محاولات سلوى المتكرّرة للحفاظ على حياة زوجها، تفشل هذه الجهود، وينتهي رفعت بالموت، كما كان متوقعًا منذ البداية. وتتجلّى رؤية الميهي بوضوح في المشهد الختامي، حين تتّجه سلوى إلى الشيخ «التلاوي»، الذي لجأت إليه طلبًا للبركة، وفق معتقدات شائعة في المنطقة.

تصل سلوى إلى الغرفة فتجدها خالية بعدما فقدت زوجها، فتندفع في حالة غضب لتحطيم المكان بفأس، وكأنها تحاسب الوهم الذي مُنح لها، وتحطّم مصدر الخداع الذي علّقت عليه أملًا زائفًا.

الكيف (1985)
الكيف (1985)

تأتي هذه النهاية على النقيض تمامًا من نهاية «الكيف». فإذا كان «الكيف» يلجأ إلى خطاب أخلاقي مباشر وشعبوي، فإن فيلم الميهي يتوغَّل في العمق، ولا يكتفي بالتمرّد على هذا الخطاب، بل يدينه. لا يكتفي بطرح جهل المجتمع، فينتقد أيضًا التمسُّك بالخرافة والأمل السلبي الذي لا يدفع إلى الفعل. لذلك، يحمل الفيلم خطابًا تنويريًا نادرًا في السينما المصرية، حيث يصبح البطل، وهنا «امرأة»، فاعلًا ومُدينًا، محطّمًا للخرافة وثائرًا عليها، وليس متلقيًا سلبيًا مستسلمًا للقدر، كما هي الحال في كثير من الأعمال. ولعلَّ هذه الجرأة تُفسّر الهجوم الحاد الذي تعرَّض له الفيلم وقت عرضه، وصولًا إلى رفع دعاوى قضائية ضدّ صنّاعه.

على مستوى آخر، يشير الفيلم مبكرًا إلى التلوث البيئي وتأثيره على صحة سكان الوراق، وهي أزمة ما زالت قائمة حتى اليوم.

مجتمع يتغيَّر وحميمية تتلاشى

تُعد تجربة «عودة مواطن» (1986) من إخراج محمد خان، وبطولة يحيى الفخراني، إحدى التجارب السينمائية التي لم تنل ما تستحقه من الاهتمام، رغم قيمتها. وبينما يتّجه الاهتمام غالبًا إلى «خرج ولم يعد» للثنائي نفسه، يبقى «عودة مواطن» محطة لافتة تستحقّ التوقف.

«عودة مواطن» (1986)
عودة مواطن (1986)

يرصد الفيلم شخصية «شاكر»، الأخ الأكبر العائد من الدوحة بعد غياب دام ثماني سنوات. يُظهر حماسته في لحظة العودة، وتوقه للقاء إخوته وأصدقائه، لكنه يصطدم بواقع مختلف تمامًا عما تصوّره. بين صورة مثالية في ذهنه، وواقع مادي قاسٍ لم يكن في الحسبان، تتشكَّل فجوة كبيرة تُسقط توقّعاته دفعة واحدة.

يتغيَّر كل شيء؛ الوجوه والعلاقات والإيقاع. تسود حالة من البرود، وتفقد العائلة تماسكها، إذ تتفكك الروابط تحت ضغط الانشغالات والطموحات الفردية. من هنا تنبع أهمية الفيلم ورصده الدقيق لتحوّلات اجتماعية عميقة. وهي الأسباب نفسها التي تجعل «الحريف» من أبرز تجارب السينما المصرية، فكلاهما يُعبّر عن مرحلة «الانفتاح» من دون خطاب مباشر. «الحريف» يتناول في ظاهره قصة بطل مُهمَّش يشهد أفول زمن البطولة، في حين يرصد «عودة مواطن» حميمية تتلاشى داخل أسرة تتفكَّك تدريجيًا.

يأتي «شاكر» امتدادًا لأبطال محمد خان، المنتمين إلى زمن رومانسي آخذ في الزوال، لذلك يصطدم بواقع قاسٍ، هو واقع ما بعد الانفتاح، إذ يعيش الفرد تحت ضغط اقتصادي لا يترك له مساحة للاحتفاظ بعلاقاته أو حتى الاستمتاع بها. ومن خلال عيون شاكر، العائد من الخليج، تتكشَّف هشاشة هذا المجتمع الجديد، في رصد دقيق لتحوّلات اجتماعية عميقة، من دون اللجوء إلى خطاب سياسي مباشر، كما الحال في أفلام عاطف الطيب وغيرها من تجارب تلك المرحلة.

من خلال هذا الاختيار، إلى جانب اختيارات أخرى، تتّضح رؤية يحيى الفخراني ووعيه وقراءته الدقيقة لواقعه ومجتمعه. كما يتجلَّى صدقه في التعبير عن هذا الواقع، عبر مقاربات مختلفة في كلّ مرة، من دون الانشغال إلا بالقيمة الفنّية والصدق قبل أيّ اعتبار آخر.

اقرأ أيضا: «للحب قصة أخيرة».. عن سينما لم تخشَ الأسئلة الكبرى

شارك هذا المنشور

أضف تعليق