فاصلة

مراجعات

«وقائع زمن الحصار»… مذكرات من قلب الإبادة

Reading Time: 4 minutes

في الدورة السادسة والسبعين، التي تشهد كثيرًا من الجدل، من مهرجان برلين السينمائي الدولي، يأتي الفيلم الروائي الطويل الأوّل للمخرج عبد الله الخطيب، المشارك في مسابقة «وجهات نظر»، حاملًا رسالة لا تمسك العصا من المنتصف، ليخرج منه المُشاهد بتجربة مؤلمة ذهنيًا وممتعة سينمائيًا.

في خمسة فصول مختلفة، يستعرض «وقائع زمن الحصار» ما يبدو أنه يوم واحد خلال القصف الإسرائيلي على أحد مخيمات غزة. مخرج وثائقي «فلسطين الصغرى»، يستمرّ في تقديم جانب وثائقي واضح في هذا الفيلم أيضًا، وهو ما جاء مناسبًا لطبيعة الموضوع، فأدخل المشاهدين في التجربة.

وقائع زمن الحصار
وقائع زمن الحصار (2026)

خلال العامين الماضيين، عانت غزة الإبادة بشكل وحشيّ. تابع الجميع هذا من خلال نشرات الأخبار والفيديوهات التي صوَّرها المُحاصَرون هناك، لكن السينما دائمًا تختلف، إذ تمنح المشاهد تجربة حقيقية وتُحوّل ما يتابعه أي شخص على شاشة الأخبار إلى حالة أقرب، وتمنح الأسماء التي لا نعرفها حياة ذات أبعاد على الشاشة، تاركة، في حال إجادة صنّاع الفيلم عملهم، تأثيرًا أقوى وأعمق مما قد تحمله مقاطع الأخبار.

وقائع زمن الحصار (2026)
وقائع زمن الحصار (2026)

يختار عبد الله الخطيب أن يضعنا أمام حالات شديدة الصعوبة إنسانيًا وأخلاقيًا أيضًا في كلّ قصة يقدّمها فيلمه. البداية كانت مع عرفات (نديم ريماوي) الذي يكاد يموت من الجوع ويبحث في منزله عن أي شيء يُؤكل؛ أي شيء بمعنى الكلمة. هذا الفصل كان تجسيدًا بصريًا لما قرأنا وسمعنا عنه في المدّة الماضية عن المجاعة في غزة. ثم يأتي الفصل الثاني الذي يتفرّع إلى أربعة أصدقاء (ثلاثة رجال وفتاة) ينتقّلون بين ركام الأماكن المهجورة إلى أن يصلوا إلى محل قديم لتأجير أشرطة الفيديو. هذا المقطع من الفيلم يطرح علينا سؤالًا جديدًا: ما الذي ستتخلّى عنه أولًا عند وجودك في قلب هذه الجحيم؛ الذكريات أم الأصدقاء؟ وهل تحتفظ الأشياء المحيطة بالمعنى نفسه عندما يكون الموت قريبًا؟

وقائع زمن الحصار (2026)
وقائع زمن الحصار (2026)

يتبادل الأصدقاء حديثًا عن استخدام أشرطة الفيديو لإشعال النار للتدفئة، بين مَن يرفض هذا بشكل قاطع، مشيرًا إلى أنها تحمل ذكريات وتعبَ صاحب المحلّ، وآخر يرى أن صاحب المحل نفسه سيُضحّي بهذه الأشرطة إن كان مكانهم. لاحظْ هنا رومانسية التعامل مع أشرطة الفيديو التي انتهى استخدامها بالفعل، إذ يبدو المحل مهجورًا، وهذا ليست له علاقة بالحصار والقصف، لكنها لا تزال تحمل القيمة المعنوية الخاصة بها، واستخدامها للتدفئة كأنه إشعال نار في ما تبقّى من ذكريات.

وقائع زمن الحصار
وقائع زمن الحصار (2026)

يعود الفصل الثالث إلى إطار سوداوي مُشابه لما شاهدناه في الأول. هذه المرّة نتابع، في أحد أفضل مَشاهد الفيلم، تاجرًا يُقايض أشخاصًا على مقتنياتهم من الأجهزة الكهربائية مقابل نَفَس من سيجارة. ليست سيجارة كاملة بل مجرّد نَفَس أو اثنين. أهمية هذا المشهد ليست فقط في أنه يقدّم تجسيدًا واضحًا لمعنى المجاعة وآليات التعايش (إن جاز استخدام كلمة تعايش) مع الوضع المأسوي، لكنه أيضًا يدفع للتفكير في قيمة ما تبقّى من مفهوم المتعة بالنسبة إلى أشخاص لا يعلمون كيف سيواصلون حياتهم لساعة لاحقة.

وقائع زمن الحصار (2026)
وقائع زمن الحصار (2026)

مفهوم المتعة هذا يمتدّ بشكل أكبر وأوضح في الفصل الرابع الذي يستعرض محاولة أحد الشباب الاختلاء بحبيبته لممارسة الجنس، وهو ما يبدو أمرًا شديد الصعوبة، حدَّ الاستحالة، في ظلّ الظروف المحيطة، لكن الشاب يتمسَّك بالمحاولة بكلّ الطرق لأنه لا يعلم إنْ كانت ستُتاح لهما فرصة أخرى.

وأخيرًا ينتهي الفيلم بجمع معظم شخصيات الفصول السابقة في أحد المستشفيات الميدانية. هذا الفصل الختامي يستعرض لنا، من جهة، مصير الشخصيات التي تعرّفنا إليها، ومن جهة أخرى ينقل نظرة قريبة من الواقع للظروف غير الآدمية داخل هذه المستشفيات، إذ لا يتوقّف الوضع على صعوبة الحالات الواردة فقط، بل أيضًا على نقص المعدَّات حدَّ انعدامها، ونقص خبرة الأطباء المتطوّعين في هذه الأماكن، فيصبح الجميع، مرّة أخرى، أمام خيارات أخلاقية شديدة الصعوبة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من حالات.

وقائع زمن الحصار (2026)
وقائع زمن الحصار (2026)

لا يمكن الحديث عن هذا الفيلم من دون الإشادة بالمجهود الواضح في اختيار أماكن التصوير المتنوّعة، التي ناسبت الموقف في كلّ مرّة، والأهمّ أنها نقلت إلى حدّ كبير شكل الحياة في ما تبقّى من غزة. فبيت الشاب في الفصل الرابع نظيف ومرتّب وأفضل حالًا من بيت الرجل الجائع في الفصل الأوّل، فما يتوفّر للأوّل لا يتوفر للثاني بالضرورة. وبينما كلاهما لديه بيت، فإننا نشاهد شخصيات أخرى تعيش في أطلال وركام.

وكما أجاد عبد الله الخطيب في اختيار أماكن التصوير، فإنه أيضًا تمكن من السيطرة على الحالة العامة لكلّ فصل من الفصول. فالفصل الرابع الخاص بالشاب والفتاة ضمَّ بعض لقطات كوميدية، وكسر الحالة العامة للفيلم، قبل أن يأتي الفصل الأخير المليء بالخيارات الصعبة. بينما كانت البداية بأصعب فصول الفيلم، الذي اعتمد بشكل كبير على قدرة الممثل عدنان ريماوي على التعبير عن الجوع، وإنْ كان التتابُع قد طال أكثر من المطلوب، خصوصًا أننا نتحدَّث عن البداية، وربما لو كان هذا الفصل لاحقًا لكان تأثيره مختلفًا.

بعد عرضه الأوّل في مهرجان برلين، من المؤكد أنّ «وقائع زمن الحصار» سينطلق إلى كثير من المهرجانات الأخرى، وعلى الأرجح سيتحوّل مع الوقت إلى وثيقة إنسانية مهمّة لما كانت عليه الحياة في هذه المرحلة المظلمة من تاريخ فلسطين والبشرية كلّها.

اقرأ أيضا: «خروج آمن»: الهروب مستحيل… حتى من الذات

شارك هذا المنشور

أضف تعليق