فاصلة

مقالات

برليناله تحت النار… أزمات أشعلت عاصفة من الانتقادات

Reading Time: 5 minutes

لا يُخفَى على كثيرين أنّ مهرجان برلين السينمائي الدولي لم يكن يومًا بعيدًا عن الجدل السياسي. وإنما أولى بوادر الجدل في دورة هذا العام ظهرت قبل ساعات من انطلاق المهرجان رسميًا، الخميس الماضي، خلال مؤتمر صحافي عُقد صباحًا لتقديم لجنة التحكيم الدولية.

جمع المؤتمر مديرة المهرجان، تريشيا تاتل، وأعضاء لجنة التحكيم السبعة، برئاسة المخرج الألماني فيم فيندرز. غير أن البثّ المباشر للمؤتمر انقطع فجأة عند طرح الصحافي تيلو يونغ سؤالًا حول موقف مهرجان برلين السينمائي الدولي والحكومة الألمانية من الإبادة الجماعية في غزة، موجّهًا حديثه إلى أعضاء لجنة التحكيم.

مهرجان برلين السينمائي

افتتاحية متوتّرة

بالإشارة إلى تعليقات سابقة لأحد أعضاء لجنة التحكيم بشأن قدرة السينما على تغيير العالم، وتأكيدًا أنّ المهرجان لا يُقام بمعزل عن سياقه السياسي، ذكَّر يونغ بأنّ «مهرجان برلين السينمائي الدولي، بكونه مؤسَّسة، أظهر تضامنه مع شعوب إيران وأوكرانيا، لكنه لم يُظهر تضامنًا مماثلًا مع فلسطين حتى الآن».

ثم طرح سؤاله مباشرةً: «في ضوء دعم الحكومة الألمانية للإبادة الجماعية في غزة، ودورها مُمولًا رئيسيًا لبرلين السينمائي، هل تؤيّدون، بصفتكم أعضاء لجنة التحكيم، هذا الانتقاء في التعامل مع حقوق الإنسان؟».

تريشيا تاتل
تريشيا تاتل

أثار انقطاع البثّ تكهنات واسعة بشأن احتمال فرض رقابة على السؤال. وسارع منظّمو المهرجان إلى نفي ذلك، مؤكدين أنّ ما حدث كان خللًا تقنيًا. وإنما يونغ أعرب عن شكوكه، مشيرًا إلى أنّ مديرة المهرجان حاولت في البداية تجنُّب الخوض في الموضوع، قبل أن يُبدي بعض أعضاء لجنة التحكيم ردود فعل متوتّرة اتَّسمت بالمراوغة والابتعاد عن الإجابة المباشرة.

قالت إيفا بوشتشينسكا، منتجة فيلم «The Zone of Interest»: «إن طرح هذا السؤال علينا ينطوي على قدر من عدم الإنصاف». وأضافت: «تحدّثتُ سابقًا عن قدرة السينما على تغيير العالم. نحن بالطبع نحاول التواصل مع كلّ مُشاهد ودفعه إلى التفكير، لكننا لا نستطيع أن نكون مسؤولين عن القرار الذي سيتّخذه، سواء كان دعم إسرائيل أو دعم فلسطين».

 إيفا بوشتشينسكا
إيفا بوشتشينسكا

وتابعت: «حروب كثيرة شهدت إبادة جماعية، ولا نتحدث عنها»، مضيفةً أن السؤال «معقّد جداً»، وأنه «ليس من المنصف مطالبتنا بإبداء موقف بشأن كيفية دعم أو معارضة حكوماتنا».

من جانبه، اختتم فيم فيندرز النقاش بالقول: «علينا الابتعاد عن السياسة. إذا صنعنا أفلامًا ذات توجُّه سياسي واضح، فإننا ندخل في معترك السياسة. لكن السينما، في جوهرها، تمثّل قوة موازنة». وأضاف: «تمتلك السينما قدرة هائلة على إظهار التعاطف والتفهم. الأخبار تفتقر إلى التعاطف، والسياسة كذلك، لكنّ الأفلام تستطيع أن تمنحه. وهذا واجبنا».

المخرج فيم فندرز
المخرج فيم فندرز

ورغم انقطاع البثّ المباشر خلال إجابات بوشتشينسكا وفيندرز، وثّقت كاميرات وسائل إعلام أخرى مجريات الحوار، ممّا وضع افتتاح الدورة السادسة والسبعين للمهرجان تحت مجهر مجتمع السينما العالمي، وأثار ردود فعل واسعة، لا سيما تجاه تصريحات فيندرز.

يُذكر أنّ فيندرز كان قد صرّح عام 2024 على السجادة الحمراء لمهرجان برلين السينمائي الدولي، بإعجابه بموقف المهرجان، مؤكدًا ثقته باستمراره في النهج ذاته. وجاء تصريحه آنذاك تعليقًا على قرار المهرجان استبعاد خمسة سياسيين من حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرّف من حفل الافتتاح.

وخلال العامين الماضيين، أدلى عدد من المخرجين بتصريحات سياسية بشأن الحرب في غزة، فيما واجه المهرجان انتقادات متباينة بشأن طريقة تعامله مع هذا الملف. فمن جهة، اتُّهم بتجنُّب إظهار التضامن مع الفلسطينيين، ومن جهة أخرى، وُجِّهت إليه اتهامات بمعاداة السامية، بسبب إتاحته منصةً لأصوات ناقدة للسياسات الإسرائيلية.

لا أرض أخرى
لا أرض أخرى (2024)

وكان من بين أبرز الأحداث التي شهدتها دورة عام 2024، تعرُّض المخرج الإسرائيلي يوفال أبراهام، المُشارك في إخراج الفيلم الوثائقي الحائز جائزة الأوسكار «لا أرض أخرى»، لتهديدات بالقتل في بلاده، بعد دعوته، خلال حفل توزيع الجوائز، إلى إنهاء ما وصفه بـ«الفصل العنصري» في الضفة الغربية. وقد اعتبرت وزيرة الثقافة الألمانية، كلوديا روث، هذه التصريحات معاديةً للسامية.

وقبيل انطلاق الدورة السابقة، وهي الأولى تحت إدارة تريشيا تاتل، أكد المهرجان التزامه بحرّية التعبير، مشيرًا إلى أنّ «جميع الضيوف يتمتّعون بحقّ التعبير في حدود القانون»، ومشدّدًا على حقّ صناع الأفلام في الحديث عن دوافع أعمالهم وتجاربهم.

صدمة واشمئزاز

أثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة داخل مجتمع السينما. فقد أعلنت الكاتبة الهندية أرونداتي روي، الحائزة جائزة «البوكر»، انسحابها من المهرجان احتجاجًا على موقف لجنة التحكيم.

الكاتبة الهندية أرونداتي روي
الكاتبة الهندية أرونداتي روي

وقالت، في بيان: «سماعهم يقولون إنّ الفنّ لا ينبغي أن يكون سياسيًا أمر صادم حقًا. إنها طريقة لإسكات النقاش حول جريمة ضدّ الإنسانية، تتكشّف أمام أعيننا في الوقت الحقيقي». وأضافت: «على الفنانين والكتّاب وصنّاع الأفلام أن يبذلوا جهدهم لمواجهة ذلك»، قبل أن تختم بيانها بالقول: «أنا مصدومة ومشمئزة».

وكان من المقرَّر أن تحضر روي إلى برلين لتقديم فيلم «In Which Annie Gives It Those Ones»، للمخرج براديب كريشن، الصادر عام 1989، والذي كتبت السيناريو الخاص به، ضمن قسم «الكلاسيكيات» في المهرجان.

وفي بيانها، وصفت روي ما يحدث في غزة بأنه «إبادة جماعية للشعب الفلسطيني من دولة إسرائيل، بدعم من حكومات الولايات المتحدة وألمانيا، إلى جانب دول أوروبية أخرى، وتمويلها»، مضيفةً أنّ «التاريخ سيحكم على الفنانين وصنّاع الأفلام إذا لم يتّخذوا موقفًا».

برلين السينمائي
أغنية توحة الحزينة (1972)

وفي السياق عينه، أعلن القائمون على مؤسّسة «سيماتك»، بالتنسيق مع ورثة المخرجة المصرية عطيات الأبنودي والمخرج السوداني حسين شريف، انسحابهم من المهرجان، رغم أنه كان من المقرّر عرض نسخ مرمَّمة من فيلمَي «أغنية توحة الحزينة» و«انتزاع الكهرمان». وجاء القرار استجابةً لدعوة «مؤسّسة الفيلم الفلسطيني» إلى مقاطعة المهرجان.

خطر الهجرة

من جهة أخرى، أعلن المخرج والمنتج السوداني أمجد أبو العلا انسحاب فيلمه «كارت أزرق» (Blue Card) من سوق الإنتاج المشترك ضمن فعاليات المهرجان، احتجاجًا على رفض السفارة الألمانية في القاهرة منح تأشيرات دخول لفريق العمل.

كارت أزرق
كارت أزرق

وأوضح أنّ القرار لا يُمثّل موقفًا عدائيًا تجاه المهرجان، إذ يأتي دفاعًا عن كرامة صنّاع الأفلام الذين يواجهون، وفق تعبيره، عوائق هيكلية تحدّ من قدرتهم على المشاركة في التبادل الثقافي.

وجاء رفض التأشيرات بذريعة «خطر الهجرة»، وعدم اقتناع السلطات بضمانات العودة، رغم السجل المهني المعروف لأبو العلا، ومشاركته السابقة عضوًا في لجنة تحكيم المهرجان، إضافةً إلى تلقّيه دعوات رسمية ودعمًا من «معهد غوته».

وانتقد أبو العلا، في بيانه، ما وصفه بتنميط الفنانين القادمين من مناطق النزاع، واختزال هوياتهم في صورة «لاجئين»، مشيرًا إلى التناقض بين احتفاء المهرجانات العالمية بقصص النزوح، وفرض قيود بيروقراطية على صنَّاع هذه القصص.

وكانت تريشيا تاتل قد حذَّرت في وقت سابق من أنّ الموقف الألماني تجاه الحرب في غزة قد يؤدّي إلى نفور بعض الفنانين من المهرجان، مشيرةً إلى مخاوف متزايدة داخل مجتمع السينما بشأن حدود حرّية التعبير. وقالت: «يتساءل البعض: هل سيُسمح لنا بالتحدُّث؟ هل يمكننا التعبير عن التعاطف مع الضحايا في غزة؟ وهل سيُطلب منا موازنة كلّ تصريح بتصريح آخر؟».

تعكس هذه الأسئلة في جوهرها أزمة ثقة آخذة في الاتّساع بين أحد أبرز مهرجانات السينما في العالم، وجزء من مجتمع السينما الذي يرى في برليناله مساحة يفترض أن تبقى مفتوحة للنقاش، وليست ساحةً جديدة للصمت.

اقرأ أيضا: «برليناله» بلا قامات كبيرة: أي مهرجان سيبقى؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق