في المقدمة المكتوبة لفيلمها الوثائقي التجريبي «DO YOU LOVE ME»، تكشف المخرجة اللبنانية الشابة لانا ضاهر الجذر الأول لفكرتها؛ إذ تشير إلى أن التاريخ الحديث في لبنان لا يُدرَّس في المناهج — لأسباب سياسية مفهومة — وأن الوصول إلى أي أرشيف أو مصادر موثوقة يبدو مهمة شديدة التعقيد.
الفيلم، الذي شهد عرضه العالمي الأول قبل أشهر قليلة في مهرجان البندقية بدورته الـ82، قدّم عرضه الإقليمي الأول في الشرق الأوسط وإفريقيا ضمن تظاهرة «أسبوع النقاد» في الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، وهي التظاهرة المعنية باكتشاف التجارب السينمائية الجريئة في أفلام المخرجين الأولى والثانية.

ما الذاكرة؟! ما الأرشيف؟!
ظاهريًا يبدو الفيلم وكأنه محاولة لاستعادة الذاكرة المفقودة أو المطموسة لهذا البلد الرائع، والمنكوب منذ نصف قرن، البلد الذي اندلعت فيه شرارة الحرب عام 1975، ومن بعدها لم يتبقَ فيه سوى الدم والخراب وانقطاع الكهرباء. إنها الذاكرة التي قد يتقاطع معها أي محبٍّ للبنان، أو حتى من سمع أخباره، أو عاش في مدنه، بما تحمله من مشاهد ووقائع وتفاصيل خاصة وعامة، واضحة حينًا ومموّهة حينًا آخر.
لكن بعد خمس سنوات من البحث وجمع المواد — التي تقول المخرجة إنها بلغت 20 ألف عنصر صوتي وبصري — وبعد عامين من العمل في مرحلة المونتاج لبناء النسخة النهائية للفيلم، ومع هذا الكم الضخم من المواد المتاحة، وشديدة الندرة، وتلك التي لا تُكتشف إلا مصادفة… هل يمكن حقًا القول إن الذاكرة اللبنانية «مفقودة»؟
تبدو تجربة «Do You Love Me» طرحًا مفتوحًا لجدلية واسعة حول دلالات المصطلحات نفسها: ما الذاكرة؟ وما هو الأرشيف؟
الفيلم يحتوي على كم هائل من المواد البصرية والصوتية، فهو مبني بشكل «زمني دائري»، وليس «خطيًا تصاعديًا» لا من أجل أن يكرس لمعضلة الوقوع في أسر التكرار، ولكن تطويعًا لفكرة أن هذا البلد الجميل، الراقص، الضاحك، لن يموت أو تفنى بهجته، تحت أي ظرف.
في مقدمة الفيلم تشير المخرجة بوضوح إلى هذا الاختيار، وتؤكد على أن فيلمها يقفز ما بين الماضي والماضي البعيد والحاضر القريب، دون التزام بالتطور الخطي للأحداث، وهو تنبيه للمتفرج الذي يبحث دومًا عن التراكم الزمني التقليدي من القديم للأحدث أو «كيف أصبح الصغير كبيرًا؟!».
لم تكن لانا في حاجة لمثل هذا التنبيه، فسياق بناء المواد وترتيبها رغم اختلاطها كن واضح المقصد، لكن لا بأس بذلك بالنسبة لمخرجة تخوض تجربتها الأولى ذات الحس التجريبي.
يبدأ الفيلم بلبنان السبعينيات الجميلة، ما قبل الحرب، وينتهي عند اللحظة نفسها، كأن الرحلة الدموية المُنهِكة التي خضناها مع هذا البلد لم تنجح في منعه من العودة إلى أصله. لكن ما بين بهجة وبهجة، وما بين رقصة ورقصة، سالت من الجبل إلى البقاع دماء كثيرة.
وباستثناء المقدمة التمهيدية التي توضح الفكرة ومنهج البناء الزمني، ينسحب صوت المخرجة تمامًا من أي تعليق مباشر على الأرشيف الضخم، المصوغ بحساسية مونتاجية رفيعة. فالمونتير — وهو الشريك في كتابة السيناريو — يؤدي دورًا إبداعيًا بديهيًا مع هذا الكم الهائل من اللقطات والمشاهد والتراكيب والتنقّلات الزمنية التي يزخر بها شريط الفيلم. لم تكن لانا في حاجة لأي تعليق صوتي بجانب هذا الحشد الكبير من الأصوات التي جمعتها من مصادر هائلة، وركبتها بشكل فائق الذوق والقدرة على التوليف، واختيار المقطع المناسب لكل لقطة كأنه صوتها الأصلي، فبرغم وجود لقطات كثيرة من أفلام لبنانية قديمة تُعرَض بصوتها وصورتها، فإن كثيرًا من المقاطع السمعية الأخرى — الواضح أنها رُكِّبت عمدًا لأغراض فنية — جاء ليُشكّل طبقة دلالية جديدة فوق الصورة، ويُغني معنى المشهد دون أن يطغى عليه.

مرة أخرى نعود إلى سؤال الذاكرة والأرشيف!
لم تركز المخرجة على الحروب المتعددة التي اندلعت وخمدت ثم اشتعلت من جديد، فعلى الرغم من كون الفيلم حديث الإنتاج، ويتضمن عشرات اللقطات والمشاهد للانفجارات والقصف وإطلاق النيران والاشتباكات العنيفة، لا يحتوي على مشهد واحد لانفجار مرفأ بيروت، الذي أصبح علامة مسجلة للعديد من الأفلام التي ظهرت بعد حدوثه!، وهو ما يوحي بأن ضاهر ربما حاولت أن تتجنب الكليشيهات المتراكمة عن الوضع اللبناني، خاصة مع الكم الهائل من المواد التي سبق وأن شاهدنا مثلها عن الحروب التي جرت على هذه الأرض من الجبل إلى الساحل!
وربما لأنها أرادت أن تتحرر من السردية الإجبارية للحرب بشكلها السياسي، والتي لا ينفك العديد من صناع السينما اللبنانيين على مختلف أجيالهم أن يعودوا لها استلابًا أو تمحورًا، أو لعدم القدرة على النفاذ منه، أو إلى ما هو أبعد منه!
صحيح أنه لولا الحروب والتقلبات السياسية والصراعات الطائفية العنيفة ما كان لبنان قد تدمر، واستمر كأحد أكثر البقاع الساحرة فضاءًا وشعبًا، خلال النصف قرن الماضي، إلا أن ضاهر تمنحنا أيضًا من خلال فيلمها هدايا تذكارية عن هذا البلد الجميل، هدايا أقرب للكنوز البصرية التي اكتشفتها خلال بحثها الطويل والدؤوب والمحب، فهذا الفيلم أُنجز بحب!
ربما من هنا يمكن أن نصل لأحد تأويلات العنوان الرقيق «هل تحبني؟»، فمن هو ضمير المتكلم في هذا السؤال؟! غالبًا الإجابة هي لبنان، ربما يسأل الوطن ابنته المخرجة، والتي أجابت عليه بهذه المادة الفيلمية عميقة الأثر، وباذخة المشاعر والتفاصيل، هذا الفيلم هو إجابة عن سؤال الحب العميق، الذي يكنه الفنان لوطنه! مهما اتسخ ثوبه بالطائفية، أو تلوث بدنه بالدم، والاغتيالات، والقصف، والمقابر الجماعية، أو باعدت بينه وبين شعبه الألاعيب السياسية، وخيانات العهد، والمواثيق، وقيمة البشر.

هذا بلد يحب السينما
ولو أننا نظرنا إلى الفيلم من ناحية سينمائية بحتة فالفيلم هو عبارة عن سؤال في حب السينما، فلو أخذنا السؤال من على لسان لبنان ووضعناه على لسان السينما «هل تحبني؟» فالإجابة بعد هذا الفيلم سوف تكون نعم بالثُلث. ففي الوقت الذي حاول فيه كل من مروا على هذا البلد أن يمحو ذاكرته بحجة المصالحة، وبغرض طمس الحقائق من أجل كتابة تاريخ يخص مصالحهم، أو دفنًا لخطاياهم، أو درءًا لاتهامات حقيقية عن فداحة ما حدث ولا يزال يحدث، جاءت السينما لتسجل، وتوثق، وتلتقط، وتصيد، وتُبقي، وتحفظ، وتؤرشف، وتحمي هذا الكم الهائل من الأحداث، والوجوه، والأجساد، والتفاصيل، والجغرافيا، والتاريخ، بل وتبرز ما كان في النوايا، وتعتصر الضمائر لتبوح بما يدميها وتذكرنا كيف كان أهل هذا البلد يبتسمون وماذا كانت علاقتهم بالبحر والحجر وأين كانوا يأكلون طعامهم المحلى بلهجتهم الموسيقية البراقة.
هذا الفيلم هو محاولة للإجابة على سؤال لماذا نحب السينما؟ لأن عشرين ألف وثيقة سينمائية مصورة وصوتية هي أرشيف من لا يملك أرشيفًا وذاكرة من يدعي أنه فقدها، أرشيف حي، وذاكرة لا تتوقف عن حدود الصورة الفوتوغرافية الثابتة، بل تقتنص حركة الجسد، ونظرة الروح، التي تطل من العيون. وهو أرشيف غير رسمي، لكنه الأرشيف الحقيقي، المُثبت عبر الكاميرا التي تصور كل شيء كأنها عين الرب التي لا تنام.
لم تترك ضاهر نوعًا سينمائيًا ولا شكلًا من أشكال الصورة إلا وضمّنته في شريطها: لقطات من أفلام روائية وتسجيلية، وبرامج ونشرات أخبار، وفيديوهات عائلية مصوّرة بتقنيات بدائية أو متوسطة الجودة، وصورًا شخصية وصفحاتٍ من الجرائد، وموادَّ صُوِّرت خلسة أو بأيدي هواة، أو في لحظات عشوائية أو بالصدفة، إلى جانب مواد دعائية وإعلانات تلفزيونية.
كل ذلك يمكن أن نجده في فيلم ضاهر، فهو عمل متنوّع ومتراكم، يستخدم خطة درامية واضحة المعالم للوصول إلى إجابات متعددة عن سؤال البوصلة الذي يحمله عنوانه: «هل تحبّني؟».
وتقول السينما من خلاله: «هل تحبني لأن ذاكرتي الخارقة تمكنت من الحفاظ كل هذا الكم الهائل من تاريخكم؟»، ويقول لبنان: «هل تحبني رغم كل الموت والدم والخوف والظلمة التي صارت تسكن تاريخي، وأسماء شوارعي التي كانت جرسها استدعاء للبهجة والابتسام: (الروشة، والحمرا، ….) وبالطبع الاسم الأجمل لعاصمة السحر الذي كان؛ بيروت.

موسيقى بلد جريح
الجميل أيضًا في فيلم لانا هو تلك الحالة الموسيقية التي تصاحب المادة المعروضة، وهي حالة تعكس حساسية ملفتة تجاه العلاقة بين الموسيقى والصورة، من ناحية فيما يخص تقنيات الحكي السينمائي إخراجيًا ومونتاجيًا، ومن ناحية أخرى تعكس علاقة هذا البلد بالموسيقى التي هي واحدة من انتصاراته التاريخية الكبرى بكل الأسماء التي أنجبها أو احتواها أو أنتجتها قريحته السماوية الفذة (فيروز، وزياد، والرحبانية) كمثال ظاهر، ناهينا عن عشرات الأسماء الأخرى التي لا تملك نفس الوجاهة الإعلامية ولكنها لا تقل عمقًا وموهبة وأصالة.
استحضرت ضاهر هذه العلاقة عبر اختيارات موسيقية، تتناغم مع المشاهد، أو تتنافر، أو تؤنب، أو تمهد، لما هو مفاجئ، أو تهدئ من روع المتفرج عقب جرعات من اللقطات المزلزلة، أبسطها مشاهد لاطلاق النار، وأفدحها امرأة عجوز تهرع رعبًا، أو بقايا طفل ميت!
كان من الممكن أن تكتفي المخرجة بهذا الكم الهائل من المواد الصوتية، التي أتيحت لها بالبحث، أو نتيجة العثور بعد التنقيب عنها، ولكن هل يمكن تصور فيلم بهذا الزخم البصري، عن بلد انشغلت الجغرافيا المحيطة به على اتساعها بموسيقاه وأغانيه ومطربيه وشعرائه، دون أن يصاحب هذه المواد تعليق موسيقى لائق أو مناسب أو عضوي كجزء من تاريخ هذا البلد وذاكرته وأرشيفه الوجداني والشعبي!

أخيرا يمكن القول أن «DO YOU LOVE ME»، هو فيلم رومانتيكي، مصنوع بمحبة زائدة، فيلم يقول أن الحب درب من دروب الذاكرة، وأن السينما هي أضخم متحف، يمكن أن يحفظ ضوء البشر وسيرة مشاعرهم وأفكارهم وطبائعهم وخطاياهم. وهي متحف يتجاوز في مقتنياته الأثر والحجر والقماش والخشب والألواح، وأنه كل كذبة يمكن أن نرد عليها بلقطة وكل موت يمكن أن نقاومه بمشهد وكل فيلم هو نحت في الزمن ضد الطمس والنسيان.