منذ أفلامها القصيرة، ومرورًا بفيلمها الطويل الأول «سيدة البحر»، قدمت شهد أمين نفسها واحدةً من أصحاب الأصوات المتفردة في السينما العربية. صوت ينهل من مصادر ثقافية متعددة: الأساطير المحلية، الفنون البصرية، وخصوصية العالم المحيط القادرة على جعل كل فكرة شائعة جديدة بالضرورة. اليوم وبعد ست سنوات بالضبط من عرض «سيدة البحر» في مهرجان فينيسيا السينمائي، تعود شهد أمين بفيلمها الطويل الثاني «هجرة» إلى المهرجان، لتدُشن مرحلة جديدة من مسيرتها، مختلفة وشيّقة وشديدة الجرأة.
دون أن تترك بصمتها البصرية المميزة، تتصالح أمين أكثر مع قيمة الحكاية بمعناها الكلاسيكي، مقدمة قصة واضحة المعالم، لها بداية ووسط ونهاية، يمكن لمن يرغب في متابعة مستواها البسيط أن يتفاعل مع رحلة البحث عن ساره، المراهقة التي تختفي خلال حج تخرج فيه مع شقيقتها الأصغر وجدتها، لتتنقل الجدّة والحفيدة في جولة للبحث عنها بصحبة سائق ذي طبيعة خاصة (نواف الظفيري بحضور مؤثر).
أيّ جدة في أي مكان تختفي حفيدتها خلال وجودها تحت رعايتها ستكون في محنة ضخمة، لكن هذه الجدة تحديدًا (خيري نظمي التي تمنح الدور حيوية ممزوجة بالحكمة) لديها أسباب وتعقيدات إضافية تجعل إيجاد ساره مسألة حياة أو موت. هذا الفرق بين ما يعنيه الحدث عمومًا وما يعنيه داخل عالم الفيلم تحديدًا هو السمة المميزة لأفلام شهد أمين: أن المحيط يحمل شيئًا أكثر من كونه مجرد مكان للأحداث، بل إنه ما يمنحها قيمةً تفوق الحكاية وأحداثها.

ليست مجرد هجرة
«هجرة» كلمة تعني في المُعجم الخروج من أرضٍ إلى أرض أخرى، أي قد تُطلق على أي فيلم طريق أو حكاية عن اللاجئين مثلًا. لكن اللفظ يرتبط في التراث الإسلامي بسيرة النبي محمد، فالهجرة (بالألف واللام) هي هجرته من مكّة المكرمة إلى المدينة المنورة بحثًا عن أرضٍ آمنة لدعوته الوليدة. هذا سياق لا بُد من التفكير في علاقته بالفيلم الذي يبدأ برحلة حج إلى مكة (والحج نفسه ترتبط شعائره بإعادة تجسيد هجرة السيدة هاجر زوجة إبراهيم)، وكذا علاقته بموقع الأحداث: السعودية التي لم تكن مجرد مكان في جزيرة العرب، بل ظلت محل هجرات تاريخية متوالية من شتى بقاع الأرض، لبشر جاءوا لأداء الشعائر فاستقروا وتوطّنوا وانتموا لوطنهم الجديد. ناهيك عن هجرات القرن العشرين التي كان أغلبها مؤقتًا، لكنها تضمنت أيضًا من اختاروا الأراضي المقدسة لتكون مستقرًا لباقي حيواتهم.
ما علاقة كل ما سبق بفيلم عن فتاة ضائعة؟ هذا ما تكشفه شهد أمين رويدًا رويدًا مع توالي الأحداث. يبدأ بأفعال خافتة وأسئلة صغيرة قد لا ينتبه لها الغريب عن المكان: نظرة متمعنة في ملامح شخص أو سؤال «سعودية يا حجيّة؟» الذي يوجهه السائق للجدة بعدما فشلت فراسته في بلوغ الإجابة، لكنه سرعان ما يتحوّل لحقيقة بصرية حاضرة خلال الانتقال من مكان لمكان، من الطائف للمدينة لجدّة لضباء وغيرها. حقيقة مفادها أن كل هذا التنوع الحضاري والمعماري لا يمكن أن يكون وليد قريحة جنس بعينه أو عرق بعينه، مهما بلغت قدراته وعلاقته ببيئته.
تتحول «هجرة» الجدة وحفيدتها جنا (اكتشاف الفيلم الحقيقي الموهبة الصغيرة لمار فدان) إلى تحية للسحر الذي يصنعه التنوع، للحجاز باعتباره بوتقة تاريخية انصبت داخلها هجرات عديدة، وانصهرت فيها أعراق وأجناس صنعت كلها تراثًا ينبغي التوقف وتأمل آثاره. ليس فقط الآثار المادية، كالقرية التي كانت قديمًا منزلًا للحجيج والمقتنيات القديمة التي تقابلها جنا في أماكن مختلفة، ولكن الأهم آثاره المعنوية: ذكريات الجدة والخبرات التي عاشتها، وخصوصيتها البشرية والثقافية كامرأة عاشت سنوات من عمرها في مكان آخر من العالم ثم صارت سعودية قلبًا وقالبًا.

ثلاثة عوالم في سيارة
غير أن «هجرة» ليس مجرد تحيّة للماضي، أو إشارة لأمور معلقة في الحاضر، وإنما هو بالأساس رحلة درامية لها ثلاثة أبطال لكل منهم بناءً مختلفًا كليًا: الجدة التي تصالحت مع ماضيها واستقرت وعرفت وطنها، وتحاول العيش وفق قواعده وإن حملت خبراتها القديمة داخلها، والسائق الذي يعيش حياة معلقة يُهدد فيها كل لحظة بالطرد من بلد لم يعرف غيره طيلة حياته، وجنا التي تمثل جيلًا جديدًا لا تشغله تعقيدات الماضي، يحلم بحياة أمتع ومستقبل أفضل، ويتعرف على العالم بعيون متسعة راغبة في التعلّم. ربما لكونها لم تصطدم بعد بحقائق العالم كما حدث مع شقيقتها التي بدأت الرحلة بسببها.
يخلق التفاعل بين الشخصيات الثلاثة وبعضها وبينهم وبين العالم الخارجي، سلسلة من المواقف والمواجهات المتتالية، تتباين في جودتها وقدرتها على إثارة الانتباه والتفكير. بعضها تلمس أصالته وواقعيته، وبعضها يمكن أن تلاحظ بسهولة كونه مصاغًا لأغراض درامية بحتة، وهو أمر شائع في أغلب أفلام الطريق، أن تتفاوت محطات هذا الطريق في جودتها داخل الفيلم.
تكتشف جنا – ونكتشف معها– الكثير عن عائلتها وجذورها ووطنها. تزور أماكن جديدة وتدرك أن الحياة رحلة أشق أحيانًا من الحج، وأن أجمل ما فيها أنها تجمع بشرًا مختلفين، لكن منهم خصوصيته وعالمه الداخلي، الذي قد يتلاقى في لحظات ساحرة مع عالم إنسان آخر قد يبدو أبعد ما يكون عنه. ولا تعبير سينمائي أبلغ عن ذلك من جبال عربية تسير فيها فتاة سعودية خفيفة الظل مع سائق بلا جنسية، يغنيان معًا أغنية أمريكية تقول “كل شيء سيكون على ما يرام”.

وفي النهاية
ظهور فيلم مثل «هجرة» تعبير عملي عن التطور المستمر الذي تشهده السينما السعودية، ليس فقط على الصعيد التقني، فهو أمر بسيط مرهون بالكفاءات البشرية والقدرات المالية؛ ولكن على مستوى القدرة على طرح أسئلة مجتمعية مهمة قد يخشى البعض طرحها. فقضية غير المجنسين التي ظهرت بشكل عابر في «آخر سهرة على طريق ر.» لمحمود صباغ، تتحول هنا موضوعًا مركزيًا في «هجرة»، كسؤال ثقافي وحضاري وإنساني لا كقضية سياسية، يتم طرحه في صياغة سينمائية شيّقة وممتعة بصريًا. وفي الوقت التي تقوم فيه بعض الدول بسحب الجنسية من مواطنيها، تأتي شهد أمين لتُذكرنا أن المواطنة هي فعل ذاتي، ثقافي وشعوري قبل أي اعترافات رسمية أو تعقيدات ورقية.
اقرأ أيضا: من «سيدة البحر» إلى «هجرة»: شهد أمين تكتب فصلًا جديدًا في فينيسيا