«الديجافو»، هو الإحساس بأنك بالفعل قد عشت موقفًا تختبره في الحقيقة للمرّة الأولى، أمّا النوستالجيا فهو التوق الشديد للعودة إلى شعور قد عشته من قبل.
كيف يمكن الجمع بين شعورَيْن يبدو كأنهما متضادان؟
في فيلم «هامنت» للمخرجة الصينية كلوي تشاو، ينتابك شعور غريب منذ البداية، كأنك تشتاق للفيلم رغم أنك ما زلت تشاهده. كيف يمكن صنع فيلم جديد عن رجل يعرفه الجميع؟ كيف يمكن للسينما أن تسرد حكاية حسّية؟ والأهم، كيف يمكن خلق تجربة سينمائية تصلح لأن توصَف بالخلود؟
أجنيس وشكسبير
شكسبير هو واحد من الأسماء القليلة التي ربما يعرفها كلّ أهل الأرض، الأديب الإنجليزي، والكاتب المسرحي الأشهر. كيف يمكنك صناعة فيلم جديد عن رجل يعرفه الجميع؟
في حكاية «هامنت»، تأخذنا كلوي تشاو إلى جانب مختلف من حياة شكسبير، وتعتمد في ذلك على رواية خيالية من تأليف الآيرلندية ماجي أو فاريل. لا تدور الحكاية عن مؤلفات شكسبير، بل عن حياته قبل أن يصبح كاتبًا مشهورًا. لا يحضر حتى اسم شكسبير إلى نهاية الفصل الأخير من الفيلم. في البداية نرى شابًا يعمل معلّمًا لأطفال أسرة غنية، فقط من أجل سداد ديون والده. يتعرَّف إلى امرأة جميلة داخل منزل العائلة التي يعمل لديها، تنشأ بينهما سريعًا علاقة حبّ، قبل أن يُدرك لاحقًا أنها الابنة الكبرى لهذه الأسرة.
تُركّز الحكاية بعد ذلك على أجنيس، الزوجة، المرأة التي تظهر منذ البداية بشكل شبه سحري. نراها للمرّة الأولى مستلقية داخل أرض خضراء، أسفل شجرة وبجانب حفرة تقودنا إلى الجذور. تبدو أجنيس كأنها بنت الطبيعة وجزء منها، تتحدَّث مع الأشجار وتُعطي إشارات للطيور. تملك حضورًا يُشبه الساحرات الطيبات.

سينما حسّية
ليست أجنيس الساحرة الوحيدة في هذا الفيلم؛ السحر الأكبر هو السينماتوغرافي، أو السرد البصري. تجعلنا كلوي تشاو جزءًا من هذا العالم، نتنفَّس ببطء ونحن داخل عالم أجنيس، نشعر بالسكينة والهدوء معها، ثم نشعر بالحبّ معها حين تبدأ علاقتها بشكسبير. وحين تلد أبناءها، نُشاركها الألم والمحبّة ومزيج الخوف والحنان. تعتمد تشاو على لقطات طويلة وقطعات مونتاجية قليلة جداً؛ قطعات مُتمهّلة وإيقاع تأمّلي. نرى أجنيس في كثير من الأحيان وحيدة، أحيانًا من زاوية عين الطائر، وأحيانًا في كادرات متوسّطة بعيدة تُموضعها داخل إطارات واسعة، وتترك لها مساحة للتنفُّس، ولنا أيضًا.
يصلح الفيلم في فصله الأول للتأمُّل والهدوء، بعيدًا عن ضجيج العالم، وهو ما كان سيكفي لجعله أحد أفضل أفلام العام، لكنه لا يستمرّ كذلك.

الحب والفقد
يحضر الفقد برفقة وباء يضرب العالم في هذا الزمان. المرض والموت شبحان يُهدّدان الجميع، لكنّ الشبح الأسوأ هو الوحدة. ينشغل شكسبير بطموحاته الأدبية في لندن، أمّا أجنيس فتبقى برفقة الأبناء في الريف.
هذه الجنة التي اختبرناها في الفصل الأول تهتزّ بشدة من خلال فَقْد يختلط فيه الواقع بالسحر؛ فَقْد يزلزل كيان أجنيس ويمكنه لمس أرواحنا، أو لَمْس كلّ كِسْر قديم نحاول إخفاءه داخل أرواحنا.
تُقدّم جيسي باكلي في الفيلم أفضل أداء نسائي هذا العام، وهو أحد أفضل الأداءات النسائية التي شاهدتُها طوال تاريخ السينما. تُجسّد باكلي أجنيس هنا بحساسية شديدة، وتُقدّم مزيج المحبّة التي تحمل لمحة من الغرابة داخلها، وحين تتعرَّض أجنيس للفَقْد تنفجر عيناها بعذاب لا يمكن وصفه.

يظهر بول ميسكال لمدّة زمنية أقلّ داخل أحداث الفيلم، لكنه يُقدّم، وخصوصًا في فصل الختام، أداءً مؤثرًا جداً. ما هو السطر الأدبي الأكثر شهرة على الإطلاق؟ الإجابة بلا شك هي «أكون أو لا أكون»، المونولوج الذي يفتتح به «هاملت» «مشهد الراهبات». هذا سطر أدّاه ملايين الممثلين حول العالم. هل يمكن تقديمه بشكل يفاجئك أيها المُشاهد؟
أجد نفسي مضطرًا للإجابة بنعم. لم يتسبَّب هذا السطر أبدًا في أن تظهر الدموع داخل عينيّ، لكنها تحضر هنا. فالأداء التمثيلي ليس بمعزل عن باقي عناصر الحالة السينمائية؛ حالة يمكن وصفها من دون مبالغة بأنها قادرة على الخلود.

الخلود
يمكن وصف الفيلم بأنه جيد ومؤثّر أو حتى عظيم، لكن وصف الخلود ينطوي على مُقامرة ضخمة، لأنه رهان على المستقبل وليس الحاضر، لكنني أستطيع تقديم دفوعي على هذا الرهان.
الكمال في عناصر الفيلم السينمائي أمر نادر الحدوث، وهو ما يحدث هنا في «هامنت». هذا فيلم عظيم على مستوى السينماتوغرافي؛ متفرّد على مستوى الأداءات التمثيلية، ومذهل على مستوى تصميم الأزياء ومواقع التصوير. قطعة زمنية نابضة بالحياة، وحوار يرتكز على لغة أدبية بديعة، وفوق كلّ هذا شريط صوت من بين الأفضل في القرن الحالي.
هناك حرق في الفقرة التالية
تعتمد حكاية الفيلم على أنّ شكسبير كتب مسرحيته الأشهر «هاملت» وهو يُصارع حزنه على موت ابنه الصغير «هامنت» في المرحلة التي ضرب فيها الطاعون العالم. يُصارع شكسبير حزنه وإحساسه بالذنب والعجز، وحتى أفكاره الانتحارية. على جانب آخر، تحمل زوجته أجنيس داخلها طوفانًا من الغضب والعذاب لأُم فقدت ابنها الذي مات مُتألمًا بين يديها، وهي غير قادرة على إنقاذه. وحين تعرف أجنيس أنّ زوجها صنع مسرحية تحمل اسم ابنها – هامنت وهاملت صورتان للاسم نفسه – تذهب لحضور العرض وهي مُتشككة.
كيف يمكن نقل كلّ هذه المشاعر المُتضاربة للشخصيات إلينا؟ موسيقى ماكس ريختر تُقدّم الإجابة هنا.

حين تدخل أجنيس برفقة جَمْع كبير من البشر إلى مسرح «غلوب» لمشاهدة العرض الأول لـ«هاملت»، نستمع إلى موسيقى ماكس ريختر تمتزج بهمهمات بشرية كورالية. شيئًا فشيئًا، ومع تكشُّف أحداث المسرحية والرابط بينها وبين هامنت، الابن المفقود، تلعب الموسيقى دورًا أكبر، حتى يختتم الفيلم أحداثه بمشهد النهاية في المسرحية برفقة مقطوعة «عن طبيعة ضوء النهار – on the nature of daylight –». لحظة التكشُّف الأخيرة، التي تحوي قمة توهُّج جميع عناصر الفيلم، وبرفقة نوتة معيّنة في تلك المقطوعة، تصبح لحظة سينمائية خالدة، وجزءًا من تجربة روحانية يصعب وصفها بالكلمات. جمال خالص قادر على شفاء آلام القلوب؛ وأن تصنع ذلك برفقة مقطوعة قد سمعها الجمهور من قبل في أعمال سينمائية أخرى، هو جزء من تلك الحالة؛ مزيج «الديجافو» والنوستالجيا. أو كما كانت الكلمات الأخيرة في فيلم «Arrival» الذي استُخدمت فيه هذه المقطوعة أيضًا:
«رغم معرفتي بالرحلة…
وإلى أين تقود…
إلا أنني أتقبّلها.
وأُرحّب بكل لحظة فيها».
اقرأ أيضا: «مع حسن في غزة»… السينما آلة زمن