فاصلة

أخبار وتقارير

نوري بيلجي جيلان: أفضّل الممثلين المبتدئين في الأدوار الصغيرة لأنهم يفتحون مساحة للإبداع

Reading Time: 3 minutes

على هامش الدورة السادسة والأربعين من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، التي شهدت تكريم المخرج التركي العالمي نوري بيلجي جيلان واختياره رئيسًا للجنة تحكيم المسابقة الدولية، التقى الجمهور بواحد من أبرز صُنّاع السينما المعاصرة خلال محاضرته التي أقيمت بعنوان «انعكاسات سينمائية: رحلة في عوالم نوري بيلجي جيلان».

يُعرف جيلان بأسلوبه الواقعي المتأني، وصوره الشعرية ذات العمق الفلسفي، وقدرته الفريدة على التقاط التفاصيل الدقيقة للتجربة الإنسانية. خلال هذه المحاضرة، التي أدارها الناقد أحمد شوقي، أخذنا جيلان في رحلة كاشفة داخل منهجيته الإبداعية، والتي تقوم على ركيزتين أساسيتين: خلفيته كمصور فوتوغرافي، وتأثير الأدباء الكبار عليه، وخاصةً تشيخوف ودوستويفسكي.

نوري بيلجي جيلان

بدأ نوري بيلجي جيلان مسيرته الفنية بخلفية في التصوير الفوتوغرافي، وهو ما يناسب شخصيته الانطوائية في سن الخامسة عشرة، كما وصف نفسه، حيث كان يرى أن التصوير نشاط يمكن القيام به بمفرده. لم يكن يفكر قط في السينما لأنها تتطلب التعامل مع الكثير من الناس، وهو ما بدا مستحيلاً في ذلك الوقت. ولكن عندما بلغ الخامسة والعشرين، بدأ حبه للسينما يدفعه للتفكير في دخول هذا المجال، بشرط أن يكون ذلك بمجموعات عمل صغيرة للغاية. بدأ تصوير فيلمه القصير بمفرده بكاميرا 35 مم، يصور عائلته في الريف وكل شيء حوله «بالطريقة الفوتوغرافية فقط» ودون أي سيناريو. سرعان ما أدرك الحاجة إلى مساعد لضبط البؤرة، فبدأ العمل مع شخص واحد فقط. كانت البداية تتطلب كتابة السيناريو بما يتناسب مع الإمكانيات المحدودة، ثم نمت طواقم عمله تدريجياً، لتصبح خمسة أشخاص، ليُصبح اليوم طاقم التصوير يضم ما بين 50 إلى 60 شخصًا.

هذا التحول من صانع أفلام مستقل يعتمد على طاقم صغير إلى مخرج يقود مواقع تصوير ضخمة، أدى إلى تطور شخصي وفني. يؤكد جيلان أن المخرج يجب أن يكتب وفقاً لإمكانياته وميزانيته، وإلا سيكون «أحمقًا». يمنحه الوضع الحالي حرية أكبر في الكتابة، لكنه يعترف بأنه كمشاهد، ما زال يفضل الأفلام ذات الطاقم الصغير والقصص البسيطة. ومع ذلك، لم يستطع منع نفسه من كتابة نصوص أكثر تعقيدًا. ففي أفلامه الأخيرة، يحاول تناول أفكار فلسفية بحتة. هذا السعي هو ما يحفزه بالفعل؛ فالقصة بحد ذاتها لا تثير اهتمامه، بل الأسئلة الصعبة التي لا يعرف إجاباتها هي ما يدفعه للخوض في هذه المجالات، وهو يرى هذا البحث محاولة لـ «العلاج النفسي».

فيما يتعلق بعملية الإبداع، يصف جيلان نفسه بأنه لا يشعر بالحماس عادة عند بداية مشروع جديد؛ بل يبدأ بيأس شديد بعد كل فيلم، ويعتقد لمدة عام أنه انتهى من صناعة الأفلام. لكن الفكرة تتبلور بطريقة تشبه «نهر جارف» تتجمع فيه جداول صغيرة من مصادر مختلفة. هو ليس من المخرجين الذين يملكون مشاريع جاهزة في أدراجهم، ولكنه يجد دعمًا كبيرًا في زوجته التي تأتي أحيانًا بأفكار، ويشتركان في الكتابة والمناقشات. هذه الشراكة مهمة جدًا، خاصة في مرحلة الحوار التي تثير عادة «المعارك» بينهما، لكنه يرى أن هذا الصراع حول الحوارات أمر جيد ومفيد.

نوري بيلجي جيلان

شهد أسلوبه تحولاً كبيرًا في استخدام الحوار والتعامل مع الممثلين. في البداية، كان يميل لتقليل الحوار بسبب الخوف منه، خاصةً عند العمل مع ممثلين هواة. لكن في ظل العمل مع المحترفين، أصبح الحوار أداة رئيسية، وهو يصف هذا التحول بأنه كان تحديًا شخصيًا: «هل أستطيع جعل هذا الحوار الطويل ناجحًا؟». لقد أصبح يفضل الممثلين المحترفين في أفلامه الأخيرة لأنهم يستطيعون حفظ وإتقان الحوارات الدقيقة دون تغيير، وهو ما يحافظ على سلامة النص المكتوب. ومع ذلك، ما زال يرى للهواة ميزة فريدة في الأدوار الصغيرة، وهي توفير «ملايين الوجوه» المختلفة، كما فعل فيليني وبريسون، مؤكداً أن اختيار الممثلين يمثل نصف العملية الإخراجية.

تتضح في سينما جيلان عناصر بصرية وموضوعية متكررة. أولها هو «المناخ»؛ فالفصول والأحوال الجوية، مثل تساقط الثلوج، تؤثر عليه شخصياً وتذكره بالطفولة. يرى في المناخ عنصرًا قوياً يمكن استخدامه لمواكبة الحالة النفسية للشخصيات. كما يحب استخدام التناقض، حيث تبدو المأساة أكثر وطأة عندما تقع في الصيف. أما العنصر الثاني المتكرر فهو «الإذلال»، الذي يراه من أقوى المشاعر، وربما نابعًا من خوفه الشخصي منه. يستخدم جيلان الإذلال لاختبار الشخصيات، لأنه يرى أن المرء لا يعرف نفسه حقًا إلا تحت وطأة الإهانة، فـ «لا أحد يعرف نفسه دون أن يختبر الإذلال» حينما يفقد القدرة على السيطرة وحماية الذات.

وأخيراً، يؤكد جيلان على الأهمية القصوى للأدب، فهو يراه «من أكثر الأمور فائدة» لصانع الأفلام. يخص بالذكر «تشيخوف» الذي يجده أكثر ملاءمة للسينما، معترفًا بأن تفاصيل من قصص تشيخوف تتسرب إلى أفلامه بشكل غير واعٍ، وكأنها تأتي من عقله الباطن. كما يستشهد بـ «دوستويفسكي» وحواراته الطويلة كدافع لتجربته في جعل الحوارات في أفلامه الأخيرة أكثر عمقًا وطولاً.

شارك هذا المنشور