فاصلة

أخبار وتقارير

نادين لبكي: السينما تُصنع من التجربة

Reading Time: 3 minutes

قالت المخرجة والفنانة اللبنانية نادين لبكي إن علاقتها بالسينما تبدأ دائماً من نقطة خفية لا يستطيع أحد أن يلتقطها سواها، إحساس يتكوّن في دواخلها قبل أي فكرة، ويظل يرافقها إلى أن يتحول إلى مشروع كامل، مشيرة إلى أنها ترى أن كل فيلم يولد من هذا الشعور المُلِحّ، ومن لحظة داخلية تفرض نفسها عليها حتى قبل أن تدرك أنها في طريقها إلى كتابة فيلم جديد، فبالنسبة لها، الصدق هو العنصر الذي يميّز أي عمل، لأنه ما يصل إلى الجمهور قبل المشاهد والحبكة، والسينما كما تراها ليست مجموعة أدوات، بل تعبير عن حالة إنسانية تنشأ من تجربة عميقة.

وخلال الندوة التي أدارها أنطوان خليفة ضمن فعاليات مهرجان البحر الأحمر في نسخته الخامسة، أكدت أن الموضوع هو العنصر الوحيد الثابت في مسار العمل، لأن القصة قد تتغير، والشخصيات قد تتبدل، لكن الفكرة الأساسية تبقى ما يجعل الفيلم ممكناً، فالموضوع عندها ليس اختيارًا عقلياً، بل حاجة داخلية تتراكم حتى تصبح سؤالًا لا بد من الإجابة عنه.

المخرجة والفنانة اللبنانية نادين لبكي
المخرجة نادين لبكي وأنطوان خليفة

وانتقلت إلى الحديث عن جذور أفلامها، مؤكدة أن «هلأ لوين» لم يبدأ كقصة بقدر ما كان نتيجة خوف عاشته خلال حرب 2008، كانت مع طفلها وسط شوارع تتغير ملامحها بسرعة، وكأنها تتجه إلى حافة حرب أهلية، في تلك اللحظة تخيّلت ابنها شاباً في يوم ما، محمولاً إلى خط الصراع من دون إرادته، تلك الفكرة لم تفارقها وتحولت شيئاً فشيئاً إلى الفيلم، وبالمثل، جاء «كفر ناحوم» من رغبتها في فهم عالم الأطفال المحرومين، عالم يراه الناس ولا يلتفتون إليه، لهذا أمضت سنوات من البحث، تواجدت خلالها بينهم، وراقبت تفاصيل حياتهم، وسعت إلى فهم الطرق التي يعبر بها القانون والمجتمع أمامهم من دون أن يصل إليهم حقًا.

وتحدثت عن مرحلة الكتابة بوصفها مساحة إنسانية، تقوم على تبادل التجارب مع فريق يشاركها المبادئ والاهتمامات، فهي ترى أن الكتابة تحتاج زمنها الخاص، لذلك لا تعمل بزمن نهائي صارم للانتهاء من المشروع، فقد تكتب أسابيع ثم تتوقف لأشهر، ثم تعود من جديد، فالفيلم كما تقول هو الذي يحدد وتيرة تطوره، واللسان السردي لا ينضج إلا عندما يسمح له الزمن بذلك.

ثم تناولت مرحلة اختيار الممثلين التي تشكل بالنسبة لها واحدة من أكثر المراحل حساسية. فهي تبحث عن أشخاص يحملون في ملامحهم ما يشبه التجربة، ويمتلكون صدقاً يصعب الحصول عليه من خلال أداء محترف فقط، لذلك تعتمد كثيراً على غير المحترفين، كما فعلت في «كفر ناحوم»، لأن الشخصيات هناك تحتاج إلى وجوه خبرت الألم أو شهدته عن قرب، ففهمها للطبيعة الإنسانية يجعلها قريبة من الممثل، باحثة عن دوافعه قبل تعليمه الأداء.

وتحدثت عن علاقتها بفترة التصوير، مؤكدة أنها لا تفكر في النتيجة أو الفيلم النهائي، بل تفكر في التجربة التي يعيشها الفريق أثناء العمل، ترى أن المشهد يصبح أكثر صدقاً عندما يكون كل فرد منغمساً في الحالة نفسها، شعوراً لا تمثيلاً، واستعادت تجربة مشاركتها في فيلم «وحشتيني»، الذي كان محطة مهمة بالنسبة لها لأنها اختبرت فيه مشاعر جديدة كممثلة وأعادت اكتشاف ذاتها من خلال الدور.

المخرجة والفنانة اللبنانية نادين لبكي
المخرجة نادين لبكي

ثم انتقلت إلى الحديث عن دور السينما، موضحة أنها تؤمن بقدرتها على تغيير الإنسان، لا عبر الخطب أو الشعارات، بل عبر إعادة تشكيل النظر إلى العالم، غير أن هذه القوة تصطدم بواقع الإنتاج في العالم العربي حيث تظل التجارب السينمائية خجولة، والتمويل غير مكتمل، والبنية غير مستقرة، رغم ذلك، لم تشعر يوماً بأنها موجهة في طريق معين، فكل مشروع لديها يولد وفق ظروفه الخاصة، وما يجمع أفلامها هو الصدق وحده.

وأكدت اهتمامها بالثقافات المختلفة، ورغبتها في أن يمتد مشروعها القادم إلى أكثر من بلد، لأن التجربة الإنسانية لا تتقيد بحدود، ولأن الأماكن المتعددة تمنح الحكاية بعداً أوسع، مشيرة إلى أن المرأة تبقى محوراً مهماً في أعمالها، لأنها ترى أن العالم يعيش ارتباكاً كبيراً، حيث تختلط القيم ويضيع المعيار، ولا يبقى للإنسان إلا مبادئه الشخصية ليحتكم إليها في اختياراته.

واختتمت بالحديث عن شراكتها مع زوجها خالد مزنّر، مؤكدة أنها محظوظة بوجوده معها منذ اللحظة الأولى لأي فيلم. فالموسيقى بالنسبة لها ليست عنصراً مكمّلاً، بل شخصية قائمة بذاتها. ورغم النقاشات والخلافات التي قد ترافق عملية التأليف، إلا أن الرؤية المشتركة تظل هي الأساس، والشغف هو ما يقود العمل إلى صورته النهائية.

شارك هذا المنشور