لماذا يصنع البشر الأفلام؟ سؤال تتعدّد إجاباته. رأى صانع السينما الإيراني عباس كيارستامي الأفلام نوافذ في حياتنا، أشبه بالأحلام، فيما اعتبر السويدي إنغمار برغمان أن صناعة الفيلم رحلة لفهم الذات.
في فيلم «مواقع فيلم عائلي» للمخرجة المصرية الألمانية فيولا شفيق، يبدو المشاهد كأنه داخل صندوق ممتلئ بشرائط فيديو عائلية، تنكشف عبرها طبقات الهوية: مَن هي فيولا؟ ومَن هو أنسي أبو سيف؟ ومَن هو أني أبو سيف؟ يتحوّل العمل إلى رحلة لاكتشاف الذات والعائلة معًا، حيث تتقاطع الذاكرة الشخصية مع السرد السينمائي.
كيف تتحوَّل هذه الرحلة الحميمة إلى جزء من تأريخ أصيل لحقبة مهمّة في تاريخ السينما المصرية؟ والأهم، كيف يتسلَّل هذا البحث الشخصي ليصبح جزءًا من رحلتنا نحن المشاهدين أيضًا، في محاولة موازية لاكتشاف ذواتنا؟
باسم الأب والابنة… والأم الغائبة
يعتمد الفيلم على مزيج من لقطات عائلية صوّرتها فيولا شفيق، وأحيانًا ابنها أني، إلى جانب مَشاهد من أفلام مصرية صمَّم ديكورات معظمها أنسي أبو سيف. يرافق هذه الصور تعليق صوتي بالألمانية تؤدّيه فيولا، في توازٍ بين الذاكرة الخاصة والصورة السينمائية.

يمكن قراءة الفيلم على أنه رحلة بين هوية فيولا وهوية ابنها أني. وُلدت فيولا لأب مصري وأم ألمانية، في ظلّ أبٍ ظلَّ متردّدًا بين العودة إلى مصر أو الاستقرار في ألمانيا، وأمّ رحلت مبكرًا قبل أن تُكمل الـ35 عامًا. هكذا تشكّلت طفولتها بين بيت جدّتها في الإسكندرية، وبيت أبيها وزوجته الثانية في ألمانيا، في حياة موزّعة بين عالمين.
حين تعرّفت فيولا إلى أنسي أبو سيف خلال عملهما في فيلم «إسكندرية كمان وكمان» للمخرج يوسف شاهين، تذكر أنّ الجميع كان يناديها بـ«الألمانية». تصف لاحقًا القاهرة ومصر عمومًا على أنها أماكن تستدعي ذاكرة المنفى؛ ذاك الذي فُرض عليها طفلةً بعد انفصال والديها، حين حاول الأب إبعادها عن الأم.
وتقول إنها لم ترث عن والدتها سوى اللغة الألمانية، وإنما الفيلم يكشف عكس ذلك؛ إذ تبدو ألمانيةً في ملامحها وسلوكها، رغم غياب نصفها الألماني مبكرًا. تظهر مثل شخص يعيش تيهًا بين شوارع القاهرة وأهلها. تيه حاولت تعويضه بمعرفة موسوعية بالسينما المصرية، وبمحاولة واعية لئلا يرثه ابنها أني، أو تتكرَّر معه طفولة متشظّية بين عالمين. لذلك اختارت، رغم كلّ شيء، أن تعيش في القاهرة؛ المدينة الوحيدة التي يمكن لزوجها أن يعمل ويستقر فيها.
والزوج هنا ليس شخصية عابرة… إنه أحد أبرز الأسماء في تاريخ تصميم المناظر في السينما المصرية: أنسي أبو سيف.
مصر أنسي وداود
يبدو تيه فيولا مفهومًا داخل القاهرة. تيه يمكن تجاوزه بالعودة إلى ألمانيا، وإن ظلّت هناك مطاردة بسؤال دائم عن جذورها المصرية. لكن التيه الأكثر تعقيدًا يتجلّى في تجربة أنسي أبو سيف، برفقة صديق عمره المخرج داود عبد السيد، داخل شوارع المدينة التي عاشا فيها عمرًا كاملًا.

في نصفه الثاني، يتحوّل الفيلم إلى مرثية لمصر التي عرفها أنسي. من كوم أمبو في الجنوب، حيث تشدّ العائلة الرحال بحثًا عن جذور الأب، على أمل أن يجد الابن صلة أوثق بهويته المصرية، إلى مَشاهد تتحوّل تدريجيًا إلى بكائية على ما كان ولم يعد… البيوت الريفية، حقول الخيار، السينما الصيفية؛ كلّها أشياء تتلاشى من الذاكرة كما من الواقع.
ثم تأتي سخرية داكنة من أنسي وداود تجاه حاضر مصر الجديدة، الحيّ الذي احتضن ذكرياتهما، ولم يبقَ من أشجاره وبيوته القديمة ودور عرضه سوى القليل. لم يعد هناك سوى الكباريه… ومزيد من الكباريهات.
السينما أرشيف شخصي
كيف تصبح السينما جزءًا من تاريخنا الشخصي؟ سؤال يجيب عنه كلّ مُشاهد بطريقته؛ فلكل فيلم حياة جديدة مع كلّ مُشاهدة، في سياق وزمن مختلفين، وعبر عين متلقٍّ جديد. وإنما ما تفعله فيولا يتجاوز هذا المعنى، إذ تنخرط في كواليس صناعة هذه الأفلام، وتُشركنا معها في هذا الانخراط.

نشاهد مشهدًا من فيلم «أرض الأحلام» (1993) للمخرج داود عبد السيد، بديكورات أنسي أبو سيف، حيث تقف نرجس/فاتن حمامة في شرفة منزلها، متسائلةً كيف ستغادر مصر الجديدة وتهاجر. ثم نرى داود وأنسي يشاهدان المشهد نفسه بعد أكثر من 30 عامًا، قبل أن تستخدم فيولا موسيقى الفيلم خلفيةً لمَشاهد حياتها مع أنسي وأني، بين القاهرة وبرلين. بعدها نعود إلى أنسي، يمشي في شوارع مصر الجديدة اليوم، وصولًا إلى الشرفة ذاتها. هكذا، يكتسب كلّ شيء معنى جديدًا.
وحين يُشاهَد الفيلم من موقع آخر -مهاجر في برلين مثلًا- تتغيَّر دلالاته مجددًا. ربما لم تهاجر نرجس في نهاية «أرض الأحلام» لتلحق بأبنائها، لكن ماذا عن أبنائها… وأبناء أبنائها؟
هجرة الأبناء
في أحد أكثر مقاطع الفيلم شجنًا، يستعيد داود عبد السيد وأنسي أبو سيف حكاية صنع فيلم «الكيت كات». عملٌ يتمحور حول أبٍ أعمى، الشيخ حسني، يرفض الاعتراف بفقدانه البصر، مؤمنًا بأنه يمتلك «البصيرة»، وابنٍ، يوسف، يرى في الهجرة أفقه الوحيد، داخل بيت عائلي في حارة مهدّمة. في سابقة لافتة، أهدى داود الفيلم إلى مصمّم مناظره، أنسي أبو سيف، تقديرًا لدوره المحوري. ظلّ المشروع معلّقًا لأكثر من خمسة أعوام، رغم ارتباط أسماء كبيرة به، بسبب إصرار داود على بناء حارة تليق بالعالم الذي يتخيّله، قبل أن يأتي الحل عبر أنسي، الذي تفاوض مع يوسف شاهين لاستخدام الحارة التي بُنيت لفيلم «وداعًا بونابرت»، وإعادة توظيفها لصنع فضاء شعبي يناسب «الكيت كات».

حين نشاهد داود وأنسي وهما يتأمّلان مشاهد الفيلم بعيون لامعة، تتضاعف مشاعر التقدير لتلك اللحظة السحرية في تاريخ السينما المصرية؛ مَشاهد تنبض بالأصالة والواقعية، ويصعب تصديق أنها صُنعت داخل ديكورات أُنجزت بإمكانات محدودة.
ما تفعله فيولا بعد ذلك يمنح المادة السينمائية طبقة جديدة من المعنى؛ إذ تمتدّ موسيقى راجح داود الأيقونية الخاصة بـ«الكيت كات»، لترافق لقطات حقيقية لأنسي وداود في ميدان التحرير خلال ثورة يناير، على وقع هتافات التغيير. هنا، تتقاطع السينما مع التاريخ، ويتداخل الخاص مع العام.

في ختام الفيلم، ومع اجتماع الأصدقاء مجددًا -أنسي وفيولا، وداود وزوجته الكاتبة كريمة كمال- يعود السؤال المؤرّق حول هجرة الأبناء. أني، رغم نشأته لسنوات في مصر، يشعر اليوم بألفة أكبر في ألمانيا. ويوسف، ابن داود وكريمة، الذي يحمل اسم بطل «الكيت كات»، اختار بدوره الهجرة. تسأل فيولا: هل كُتب على أولادنا الرحيل؟ لا يطيل داود الإجابة… يكتفي بإيماءة صامتة.
هكذا، يقدّم «مواقع فيلم عائلي» رحلة في اكتشاف الذات، لكنه يتجاوز ذلك ليغدو شهادة على صداقة استثنائية بين اثنين من أبرز صنّاع السينما المصرية، وتأمّلًا رقيقًا في الحاضر، وفي ما يتبقّى لنا من ذواتنا وسط كلّ هذا التفكّك.
اقرأ أيضا: يحيى والبيت والتفاحة… خواطر نقدية عن عالم داود عبد السيد