فاصلة

مقالات

من «واحد صفر» إلى مباراة مصر والأرجنتين… متى فقدت سينما الحدث شهيّتها؟

Reading Time: 3 minutes

لم تكن المباراة الأخيرة بين المنتخبَيْن المصري والأرجنتيني مجرّد تسعين دقيقة من كرة القدم، فقد كانت تسعين دقيقة كشفت كيف يمكن حدثًا رياضيًا أن يتحوّل مرآة للسياسة والإعلام والانحيازات والهوية، وحتى للطريقة التي يختار بها العالم أن يتعاطف أو يصمت.

والمثير للتفكر أنّ كرة القدم لا تزال تُعامَل على أنها «مجرّد لعبة»، بينما يتصرّف الجميع معها وكأنها اجتماع طارئ لمجلس الأمن. فجأة، يصبح الجميع خبيرًا في التحكيم والسياسة والعلاقات الدولية، وحتى أخلاقيات العدالة الرياضية. وكأن الكرة لا تُركل داخل المستطيل الأخضر فحسب، بل داخل عقولنا ومواقفنا أيضًا.

ما شهدناه بعد الجدل التحكيمي وردود الفعل الواسعة لم يكن نقاشًا رياضيًا، إذ كشف حجم الاصطفافات والانفعالات التي تتجاوز نتيجة مباراة. ورأينا ملايين البشر يتفاعلون ويغضبون ويحتفلون ويختلفون ويتبنون مواقف تتجاوز كرة القدم نفسها.

وهنا تحديدًا نتساءل: لماذا لا تتحوّل مثل هذه الأحداث إلى فيلم يُعيد إلينا سينما الحدث التي فقدناها مؤخرًا؟ 

فيلم واحد صفر (2009)
فيلم واحد صفر (2009)

بعد «واحد صفر».. أين ذهبت سينما الحدث؟

عدت أستذكر فيلم «واحد صفر» لكاملة أبو ذكري، بنص مريم نعوم؛ أحد أفلام سينما الحدث العربية التي حفرت في ذاكرتي، واستطاعت أن تجعل مباراة كرة قدم مجرّد خيط يجمع عشرات الحكايات الإنسانية المختلفة، من النواحي الفكرية والسياسية والدينية، والتي أثارت الجدل وقت عرضها عام 2009. ولم يكن الفيلم يتحدّث عن المنتخب المصري بقدر ما كان يتحدّث عن الناس الذين يعيشون في ظلّ هذا الحدث. شخصيات من طبقات اجتماعية مختلفة، لكلّ منها أزمتها الخاصة، لكنها جميعًا تتحرّك في الزمن نفسه، تحت تأثير الحدث ذاته.

وهنا تكمن عبقرية مريم نعوم؛ إذ لم تجعل المباراة هي البطل، وإنما جعلت مَن عاشوا الحدث أساس القصة ومحرّك السرد، بينما بقي الحدث الحقيقي القلب الذي يضخّ الإيقاع في جميع الشخصيات. وناقشت الدين والسياسة والفن والحبّ والطبقية والخسارة والانتظار، وقدَّمت تشريحًا مجتمعيًا كاملًا من خلال شخصيات مختلفة بجميع تناقضاتها، من دون أن يشعر المُشاهد بأنّ هناك فكرة تُفرَض عليه.

فيلم واحد صفر (2009)
فيلم واحد صفر (2009)

كلما تقدَّمت المباراة، ازداد اقتناعي بأنّ الواقع سبق السينما بخطوات. وكنت أفكر في تلك التسعين دقيقة بوصفها فيلمًا مكتملًا لم يُكتب بعد، وفي عدد الحكايات التي وُلدت في اللحظة نفسها من دون أن ينتبه إليها أحد. ربما كان هناك صحافي يعيد صياغة عنوانه للمرة العاشرة، لأنه يعلم أن كلمة واحدة قد تكلّفه وظيفته، وطفل ينتظر صافرة النهاية ليؤمن، للمرة الأولى، أن العدالة لا تزال ممكنة، وأسرة لم تجمعها مائدة ولا مناسبة منذ سنوات، لكنها اجتمعت أمام شاشة واحدة، ومشجِّع ضَحِك حتى آخر دقيقة قبل أن تتحوّل ضحكته إلى صدمة، وآخر خرج غاضبًا وهو يشعر أنّ ما خسره لم يكن مجرّد مباراة. وحتى الحكم الذي غادر الملعب لم يغادر محكمة الرأي العام التي ستظلّ تلاحقه طويلًا.

وبين كلّ ذلك، كم إنسانًا تغيّرت حالته النفسية؟ وكم قرارًا تأجل؟ وكم علاقة بدأت أو انتهت؟ وكم حلمًا عاش دقائق إضافية قبل أن يصطدم بالواقع؟ لهذا أجد أن الأحداث الكبرى لا تُقاس فقط بما يحدث داخل الملعب، بل بما تتركه خارجه من أثر في البشر. وهنا تحديدًا تبدأ السينما، لأنها لا تبحث عن الهدف الذي سُجل أو أُلغي، وإنما عن الإنسان الذي تغيّرت حياته وهو يشاهد ذلك الهدف.

فيلم واحد صفر (2009)
فيلم واحد صفر (2009)

في السنوات الأخيرة، لا يمكن إنكار أنّ السينما العربية شهدت تطوّرًا واضحًا، لكنني في المقابل أشعر أحيانًا بأن هناك تراجعًا في العودة إلى منبع الحكاية نفسها وإلى القصص التي تولد من الناس قبل أن تولد في غرف الكتابة. وربما أكون مخطئة، لكنني بدأت أشكك في هوسنا الحالي بكلمة «Original». فهل تعني الأصالة فعلًا أن نخترع عالمًا كاملًا؟ أم أن الأصالة الحقيقية تكمن في أن نرى ما يمرُّ أمامنا كل يوم ولا يراه أحد؟ فالحدث الحقيقي لا يحتاج إلى اختراع، بل إلى كاتب يلتقطه، ومخرج يؤمن به، ومنتج لا يخاف من الإنسان أكثر من خوفه على شباك التذاكر. ولذلك أكتب اليوم وكأننا في جلسة ضيقة مع زملاء المهنة وصنّاع الأفلام: دعونا نعُد إلى سينما الحدث.

وبعيدًا عن الجدل الذي رافق القرارات التحكيمية، وعن الاتهامات والانقسامات، فإنّ ما لا يمكن إنكاره هو التعاطف الجماهيري النادر الذي شهدناه بين شعوب عربية كثيرة، وأجنبية أيضًا. كان هناك شعور جمع الناس، سواء اتفقوا أم اختلفوا حول تفاصيل المباراة، وهذا بذاته حدث إنساني قبل أن يكون رياضيًا.

وفي النهاية، قد تنتهي المباراة بصافرة حكم، لكننا في السينما نعرف جيدًا أن الصفارة ليست نهاية القصة، بل بدايتها.

ولو امتلكت السينما العربية والمحلّية الشجاعة للعودة إلى «سينما الحدث»، فلن يرى العالم نتائج مبارياتنا فقط، وإنما سيرى كيف نحبّ ونخسر، وكيف نغضب ونتضامن، وكيف نتمسّك بالأمل رغم كلّ شيء.

اقرأ أيضا: من الانتصار العسكري إلى الهزيمة الأخلاقية… كيف أعاد نولان قراءة أوديسيوس؟

شارك هذا المنشور

أضف تعليق