قبل عدة أعوام، كانت التقاطعات بين برنامجي مهرجان صندانس وبرلين السينمائيين عديدة، وكان المنطقي أن من يشاهد برنامج صندانس في يناير يصل إلى برلين بحصيلة مشاهدات معقولة مسبقًا. هذا الوضع تغيّر مؤخرًا مع إدارات المهرجانين الجديدة، وبدأ شكل من التنافس على حقوق العرض الأول، خاصة مع توسع صندانس في الاهتمام بالسينما غير الأمريكية، الأمر الذي جعل الاستثناءات هي الأفلام التي تُعجب مبرمجي المهرجانين بدرجة تجعلهم يتنازلون عن شروطهم فيقبلون عرضها هنا وهناك.
عدد هذه الأفلام هذا العام ثلاثة فقط، أهمها بالتأكيد هو «من قتل أليكس عودة؟ Who Killed Alex Odeh?»؛ الوثائقي الأمريكي ذي الجذور العربية، والذي نال جائزة التميز الصحفي في مسابقة الأفلام الوثائقية الأمريكية في صندانس، ويستعد للمشاركة في برنامج العروض الخاصة من برليناله خلال شهر فبراير. من إخراج الثنائي جيسون أوسدار وويل يافي يومانس، والثاني أمريكي تعود جذوره لمدينة الناصرة الفلسطينية.

«من قتل أليكس عودة؟» فيلم استقصائي، يعيد فتح ملف قضية مسكوت عنها في التاريخ الأمريكي الحديث، وهي مقتل الشاعر والناشط الأمريكي الفلسطيني أليكس ميكل عودة، الذي كان مديرًا للساحل الغربي في لجنة المساواة العربية الأمريكية، وهي منظمة مجتمع مدني نشطت خلال الثمانينيات بهدف المطالبة بالمساواة لعرب أمريكا، خاصة فيما يتعلق بصورتهم الإعلامية، حيث كان الإعلام يصوّر العربي إما كإرهابي أو كشيخ ثري ينفق الأموال بسفه.
وبالرغم من مطالبات المنظمة التي تبدو عقلانية وبعيدة عن التطرف، فإن جاذبية عودة الإعلامية، وهو المهاجر الذي وصل الولايات المتحدة عام 1972 وسرعان ما تحوّل بفضل طلاقة لسانه وذكائه الإعلامي إلى وجه شهير ومؤثر، تسببت في رحيله الصادم عام 1985، عندما انفجرت قنبلة في مقر المنظمة بمدينة بوسطن يوم 16 أغسطس 1985، بعد يوم واحد من ظهور تلفزيوني دافع فيه عن منظمة التحرير الفلسطينية.
الفيلم لا يحاول الانغماس طويلًا في معرفة أسباب الاغتيال، ففي النهاية لا مبرر يمكن قبوله لتفجير ناشط لا يفعل إلا الحديث في الإعلام، لكن المخرجين يركزان على زاوية أخرى، هي التهاون الشديد الذي تعاملت به السلطات الأمريكية مع الجريمة، التي لم يُدن أي شخص في تنفيذها حتى الآن، بالرغم من وجود ثلاثة مشتبه فيهم أساسيين، ينتمون كلهم إلى المنظمة المسلحة المعروفة برابطة الدفاع اليهودي JDL، التي أسسها الحاخام مائير كاهان في نيويورك عام 1968، واستمرت في تنفيذ عمليات مسلحة لعقود، قبل أن يصنفها مكتب التحقيقات الفيدرالية عام 2001 كجماعة إرهابية يمينية متطرفة.

المخرجان يرصدان المشتبه فيهم الثلاثة، ويقومان برحلة لتعقبهم كلٌ في مكانه، عبر الفحص في الأرشيفات الصحفية والمعلومات المتاحة، وتقفي أثر من قام منهم بتغيير هويته، كذلك الذي صار محاميًا متدينًا شهيرًا في إسرائيل. الرحلة تنطلق من مفارقة تحجج السلطات الإسرائيلية بعدم قدرتها على الوصول إلى المشتبه فيهم، بينما تمكن مخرجان أمريكيان عبر المحيطات من التأكد من هوية المطلوبين، بل وتحديد أماكن إقامتهم ونشاطهم. الرحلة تستمر بالسفر وترتيب مقابلة صحفية مزعومة من أجل مواجهة أحدهم، في تجسيد مباشر لمعنى الفيلم الاستقصائي المثير والملتزم.
«من قتل أليكس عودة؟» يأتي في الوقت المناسب على المستوى السياسي، خاصة مع قدرته على الربط بين المنظمة المتطرفة التي قامت في أغلب الظن بتنفيذ عملية الاغتيال، وبين اليمين المتطرف الإسرائيلي الذي وصل إلى سدة الحكم، ويواصل في كل يوم دفع الأمور لمزيد من الصراعات والدماء. الأمر ليس مجرد تفتيش عن قضية قديمة من الملفات يُعاد فتحها بهدف صناعة فيلم، وإنما اختيار ذكي لجريمة لم يُعاقب فيها أحد، ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالواقع الراهن، وتعبر في بعض تفاصيلها عمّا يدور في الكواليس، كاللحظة التي يعترف فيها عميل فيدرالي ببساطة بأن بعض التحقيقات قد أُغلقت فجأة بطلب من الموساد، قررت السلطات الأمريكية تنفيذه دون أي سند قانوني.
السينما تلعب أدوارًا عديدة، ولا يُفترض في كل فيلم أن يكون نضاليًا أو يحمل قضية كبرى، لكن «من قتل أليكس عودة؟» ينتمي للأفلام الملتزمة بقضية تتناولها بذكاء وإتقان، وقدر مشهود من المهنية الصحافية، ليصنع جيسون أوسدار وويل يافي يومانس فيلمًا مهمًا وملائمًا للحظة، كان من الطبيعي أن يقع عليه الاستثناء ويكون ضمن قائمة قصيرة جدًا من الأفلام التي ارتضى صندانس وبرلين على اقتسام عرضها.
اقرأ أيضا: خمسة أفلام عربية في مهرجان صندانس