فاصلة

أخبار وتقارير

من «قبلة في الصحراء» إلى «هوبال»… كيف غيّرت الصحراء وجه السينما العربية؟

Reading Time: 3 minutes

في ندوة نقدية حملت عنوان «الصحراء في السينما العربية»، ضمن فعاليات مؤتمر النقد السينمائي الدولي بالرياض في نسخته الثالثة، اجتمع عدد من النقاد والمخرجين العرب لاستكشاف هذا الفضاء البصري والثقافي المتجدّد، الذي ظلّ عبر العقود ذاكرةً للروح العربية ومختبرًا لمعاني العزلة والبحث والانبعاث.

أدار الجلسة الناقد فيصل شيباني، بمشاركة الناقد عبدالله الحبيب والمخرج محمد سلمان والناقد رامي عبد الرازق، الذين قدّموا قراءات متقاطعة في كيفية تحوّل الصحراء من رمزٍ للتيه والفراغ إلى مساحة للتأمل وإعادة اكتشاف الذات، وفضاءٍ لتشكّل هوية سينمائية عربية تستمد جمالها من قسوة الطبيعة واتساع الأفق.

من «قبلة في الصحراء» إلى «هوبال»… كيف غيّرت الصحراء وجه السينما العربية؟
الناقد فيصل شيباني

الصحراء كفضاء للخيال والتجريب

استعاد المتحدثون في مستهل الجلسة البدايات الأولى للسينما المصرية، متوقفين عند أهمية الفيلم الصامت «قبلة في الصحراء» (1927) للأخوين إبراهيم وبدر لاما، الذي اعتُبر أكثر من مجرد عمل رومانسي، بل لحظة ميلاد رمزية للسينما المصرية ذاتها. الفيلم قدّم الصحراء بوصفها فضاءً أسطوريًا تتقاطع فيه الحب والمغامرة والهوية، واحتوى على أول «قبلة» في تاريخ السينما العربية، المشهد الذي مثّل آنذاك تحديًا رقابيًا واجتماعيًا جريئًا.

كما تطرّق النقاش إلى الجدل التاريخي بين فيلمي «قبلة في الصحراء» و«ليلى» (1927) لعزيزة أمير، باعتباره صراعًا رمزيًا بين «السينما الأجنبية بالنكهة المصرية» و«السينما الوطنية الصاعدة».
وطرح الناقد رامي عبدالرازق تساؤلًا: «من يملك حق تعريف السينما المصرية؟ الصحراء أم المدينة؟» في إشارة إلى التحوّل المبكر في هوية الصورة المصرية بين فضاء الرمال وفضاء المجتمع. مضيفًا: «السينما المصرية ولدت في الصحراء، لكنها شبت في المدينة… بين الحلم والواقع تتأرجح هويتنا حتى اليوم.»

وأكد «عبدالرازق» أن الحديث عن بدايات السينما المصرية هو حديث عن التحول من النظرة الأجنبية إلى الذات الوطنية، من الرمال إلى الشوارع، من الرمز إلى الإنسان.

 الناقد رامي عبدالرازق
الناقد رامي عبدالرازق

الصحراء كهوية في السينما العربية

اتفق المتحدثون على أن الصحراء لم تعد مجرد خلفية تصويرية، بل أصبحت في الأفلام العربية الحديثة كيانًا سرديًا يتفاعل مع الشخصيات ويعكس دواخلها. فهي ليست خلفية للأحداث، بل ذاكرة للإنسان ذاته.

هذا التحوّل جعل المخرجين العرب يعيدون اكتشاف الصحراء كمكانٍ للبحث الوجودي والتأمل الفلسفي، تتقاطع فيه الأسئلة حول الإيمان والعزلة والحرية. وقد وصف أحد المتحدثين مشهدًا من أحد الأفلام البدوية بأنه: «لحظة صراع بين الأرض والروح، بين اتساع الأفق وضيق المصير».

التجربة السعودية: من العبور إلى المعايشة

تناول النقاش التحوّل اللافت في السينما السعودية خلال العقد الأخير، مشيرًا إلى انتقال الصحراء من كونها طريقًا سرديًا عابرًا إلى تجربة إنسانية كاملة.
وقال المخرج محمد سلمان إن الصحراء ظهرت في بدايات السينما السعودية، كمسار للحركة في أفلام مثل «300 كيلومتر» لمحمد الهليل أو «عبور» لعبدالعزيز الشلاحي، لكنها تحوّلت لاحقًا إلى فضاء للبحث عن الذات في أعمال مثل «هجان »، وكمكان نعيش فيه مثل «هوبال»

وعلّق قائلًا: «تنوعت الأفلام الصحراوية في السعودية بين من يقطع الصحراء مرورًا، ومن يعيشها وجدانًا وتجربةً».

من «قبلة في الصحراء» إلى «هوبال»… كيف غيّرت الصحراء وجه السينما العربية؟
المخرج محمد سلمان

وأشار المتحدثون إلى أن بعض الأفلام السعودية الأخيرة تجاوزت التوظيف الجمالي للصحراء نحو بناء معنى درامي عميق، يجعل من البيئة الصحراوية بطلاً دراميًا لا خلفية صامتة، إذ «تحوّلت الصورة إلى معنى، والتفاصيل الصغيرة إلى لغة إنسانية».

الصحراء بين الشرق والغرب

 تطرّق النقاش في الجلسة إلى الفارق بين النظرة الغربية والعربية للصحراء. والذي أوضحه الناقد عبدالله الحبيب، قائلًا إنه في الأفلام الغربية مثل «Lawrence of Arabia»، تُقدَّم الصحراء كفضاءٍ للمغامرة والبطولة الأوروبية، بينما تراها السينما العربية مرآةً للذات وذاكرةً للهوية. هذا التباين، كما أوضح «الحبيب» يعكس البعد الاستشراقي مقابل الوعي الذاتي، بين من يرى الصحراء من الخارج ومن يعيشها من الداخل.

عبد الله الحبيب
الناقد عبد الله الحبيب

واختُتمت الندوة بتأملٍ جامع: «الصحراء في السينما العربية ليست مكانًا جامدًا، بل سؤالًا مفتوحًا عن الإنسان والهوية والمصير. تبدأ من اللقطة الواسعة التي تجمع الضوء بالظل، وتنتهي في التفاصيل التي تُعيد طرح معنى الوجود نفسه. وحين تتحوّل الكاميرا من تسجيل جمال الصحراء إلى كشف معناها، نبدأ في رؤية السينما كرحلةٍ روحية لا بصرية فحسب».

شارك هذا المنشور