كانت سنة 2024 جيدة بالفعل للسينما المصرية، جماهيريًا وفنيًا، داخل مصر وعلى المستوى الدولي. أكدت تلك السنة أنّ هناك تغيّرًا واضحًا في اهتمامات الجمهور، وكذلك في كتالوغ الإنتاج، مع ظهور أسماء ممثلين ومخرجين جدد. بالتالي، كان هناك ترقّب واضح لما سيحدث في 2025، وهل سيستمر هذا التحسّن، أم أنّ ما حدث لم يكن سوى صحوة مؤقتة.

بدأ عام 2025 بعرض فيلم «البحث عن منفذ لخروج السيد رامبو» للمخرج خالد منصور، وحقَّق إيرادات تجاوزت 17 مليون جنيه مصري. وهو رقم ليس كبيرًا بطبيعة الحال، لكنه يبدو جيدًا عندما ننظر إليه من زاوية أننا أمام فيلم فنّي لا يضم أيًا من النجوم المعروفين لدى فئة واسعة من المشاهدين. والأهم أنّ الفيلم وُزّع بشكل محدود، وربما لو حظي بدعاية أفضل وإفساح قاعات عرض أكثر لحقَّق إيرادات أعلى. ورغم ذلك، تجاوز في إيراداته بعض الأعمال التي ضمَّت نجومًا وحظيت بتوزيع أفضل. المهم هنا أنّ السنة بدأت بتأكيد رغبة الجمهور في التغيير، وبإمكان وجود أعمال تُقرّب المسافة بين الأفلام الفنّية محدودة الميزانية وأفلام النوع التجاري الأكثر انتشارًا، وهو ما يقودنا إلى النقطة الأولى في هذا المقال.
الجمهور يبحث عن الجديد
لم ننتظر طويلًا خلال العام ليظهر الفيلم الذي سيكتسح شباك التذاكر. «سيكو سيكو» للمخرج عمر المهندس أضاء على ملامح ستستمر طوال السنة. أولها أنّ الجمهور لا يزال يبحث عن الجديد. والجديد هنا يتجلّى في أكثر من صورة. فالفيلم هو العمل الأول لمُخرجه، والبطولة الأولى لطه دسوقي، والثانية لعصام عمر، وهو أيضًا الفيلم الثاني لمؤلّفه محمد الدباح. هذه العناصر تشير إلى دم جديد يقتحم السينما التجارية ويحاول إحداث تغيير داخل المشهد السائد.

«سيكو سيكو» فيلم كوميدي، وهو النوع الأقرب تقليديًا إلى الجمهور المصري. وإنما تقديم أفكار مختلفة داخل القالب الكوميدي مَهمّة شديدة الصعوبة، لكنها كانت مَهمّة نجح فيها صُنّاع الفيلم بوضوح. وكانت النتيجة تحقيق إيرادات تجاوزت 185 مليون جنيه مصري، أي نحو 3.755 مليون دولار أميركي.
عمل أول آخر حقَّق مفاجأة لافتة في شباك التذاكر هو «فيها إيه يعني؟» للمخرج عمر رشدي حامد. الفيلم الرومانسي الكوميدي تجاوزت إيراداته 90 مليون جنيه مصري، أي نحو 1.836 مليون دولار أميركي. الفيلم، بأجوائه العائلية الهادئة وحبكته البسيطة التي تُخاطب قطاعًا واسعًا من المشاهدين، أكد بدوره بحث الجمهور عن الاختلاف والأعمال التي تهتم بالجودة. ورغم أنّ بطله الرئيسي ماجد الكدواني، تُشاركه البطولة غادة عادل وأسماء جلال، أي أنه لا يعتمد كليًا على وجوه جديدة، فإنّ نجاحه أعاد التأكيد على أنّ الجمهور لا يُمانع الأسماء المعروفة إذا جاءت ضمن مشروع مختلف ومُحكم. وبما أنّ الفيلم ينتمي إلى النوع الرومانسي، فهذا يقودنا إلى نقطة تستحق التوقف عندها بشكل مستقل.

صعود الرومانسية وهبوطها
إحدى أكبر مفاجآت عام 2024 كانت الإيرادات التي حقَّقها فيلم «الهوى سلطان» للمخرجة هبة يسري الذي أعاد الأفلام الرومانسية إلى صدارة المشهد السينمائي. ويبدو أنّ هذه العودة لم تكن عابرة. فقد استمر أثرها في 2025. ففي يناير، عُرض فيلم «6 أيام» للمخرج كريم شعبان، من إنتاج شركة «سي سينما» نفسها التي أنتجت «الهوى سلطان».

كما شهد العام عرض جزأين ثانيَيْن لفيلمين لهما حضور قوي لدى الجمهور. الأول هو «هيبتا: المناظرة الأخيرة» إخراج هادي الباجوري، والذي جاء مخيبًا لآمال فئة كبيرة من الجمهور. أما الثاني فهو «السلم والثعبان: لعب عيال» لطارق العريان، الذي نجح في تحقيق أكثر من 80 مليون جنيه مصري، وتصدَّر إيرادات الأفلام المصرية في السعودية بأكثر من 29 مليون ريال سعودي.
المفارقة هنا أنّ الجزء الأول من «السلم والثعبان» ترك تأثيرًا كبيرًا لدى جيل كامل من المشاهدين، لكنه لم ينجح جماهيريًا حين عُرض عام 2001. في المقابل، كان «هيبتا: المحاضرة الأخيرة» عند عرضه عام 2016 من الأفلام الناجحة بشكل لافت. هذه المقارنات تكشف كيفية تغيُّر علاقة الجمهور بالأعمال بمرور الزمن وباختلاف السياق.

ولم تتوقَّف الأفلام الرومانسية عند هذا الحدّ، إذ عُرض أيضًا فيلم «ولنا في الخيال… حب؟»، وهو عمل أول للمخرجة سارة رزيق. ورغم اعتماده على وجهَيْن شابَيْن ليسا من النجوم الجماهيريين، هما مايان السيد وعمر رزيق، إلى جانب أحمد السعدني، فإنّ الفيلم لاقى صدى جيدًا لدى الجمهور.
الجيل الأكبر بمفاجآت خاصة
بالتوازي مع صعود أسماء جديدة في الإخراج والتمثيل، ظلَّ الجيل الأسبق حاضرًا بقوة في شباك التذاكر. بعض الأسماء واصلت تحقيق النجاحات بغضّ النظر عن مستوى الأفلام نفسها، مثل كريم عبد العزيز في «المشروع إكس» وتامر حسني في «ريستارت». في حين قدَّم آخرون أعمالًا ناجحة مع تحسُّن ملحوظ في المستوى، مثل أحمد السقا في «أحمد وأحمد» وأمير كرارة في «الشاطر».
لكن يمكن التوقُّف عند ثلاثة أسماء تحديدًا خلال هذا العام.
أولهم عمرو يوسف، النجم الوحيد الذي قدَّم فيلمَيْن كبيرَيْن في 2025، هما «درويش» و«السلم والثعبان: لعب عيال»، ونجح كلاهما في تحقيق إيرادات لافتة. يبدو يوسف حريصًا على التنقُّل بين مشاريع مختلفة، مع محاولة الموازنة بين ما يجذب الجمهور وما يحمل طموحًا فنيًا.

الاسم الثاني هو محمد سعد، الذي عاد إلى السينما بعد غياب منذ 2019، وهي أطول مدّة ابتعاد له منذ بطولته فيلم «اللمبي». عودته جاءت بفيلم «الدشاش»، وهو عمل بعيد عن الكوميديا التي شكّلت ملعبه الأساسي. المفاجأة أنّ الفيلم حقَّق إيرادات مرتفعة، مؤكّدًا أنّ لسعد مكانة راسخة لدى جمهوره، ومثيرًا تساؤلات حول خياراته المقبلة.
أما الاسم الثالث، فهو دنيا سمير غانم. في ظلّ ندرة صناعة أفلام لبطلات في السينما المصرية، شكَّل فيلم «روكي الغلابة» مفاجأة حقيقية. بعد سلسلة من التأجيلات، عُرض الفيلم وحقَّق نحو 60 مليون جنيه مصري، أي نحو 1.225 مليون دولار أمريكي. وهو رقم جيد جدًا، خصوصًا أنّ الفيلم نافس في موسم الصيف إلى جانب عدد من النجوم. ورغم مشاركة دنيا في بطولة أفلام ناجحة سابقًا، فإنّ هذا العمل يُعد أول بطولة مُطلقة لها.
أفلام في المهرجانات
كما جرت العادة في السنوات الأخيرة، شاركت أفلام مصرية عدة في مهرجانات سينمائية كبرى. عام 2025 شهد حضورًا لا بأس به لهذه الأفلام، وبعضها وصل لاحقًا إلى العروض التجارية. البداية كانت مع «50 متر»؛ الوثائقي الطويل الأول ليُمنى خطاب، في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية.

بعد ذلك، عُرض فيلمان دفعة واحدة في مهرجان برلين السينمائي الدولي: «المستعمرة»، وهو أول فيلم روائي طويل لمحمد رشاد، و«ضي: سيرة أهل الضي» للمخرج كريم الشناوي. أما مهرجان كان، فقد شهد عرض فيلمَيْن مصريَيْن هما «عائشة لا تستطيع الطيران»، الفيلم الروائي الطويل الأول لمراد مصطفى، و«الحياة بعد سهام»، الوثائقي البارز للمخرج نمير عبد المسيح.
الإنجاز الأبرز كان من نصيب سارة جوهر، التي قدَّمت فيلمها الأول «هابي بيرث داي» في مهرجان ترايبكا، ونجحت في حصد ثلاث جوائز دفعة واحدة، من بينها أفضل فيلم في المسابقة الدولية.

قُرب نهاية العام، ظهرت أربعة أفلام أخرى هي «كولونيا» للمخرج محمد صيام، الذي انطلقت رحلته من مهرجان وارسو، و«القصص» ثالث أفلام أبو بكر شوقي، الذي عُرض في مهرجان تالين، و«ضايل عنا عرض» إخراج مي سعد وأحمد الدنف، الذي بدأ من مهرجان القاهرة قبل أن يشارك في مهرجانات أخرى، وأخيرًا فيلم «الست» لمروان حامد، الذي عُرض أولًا في مهرجان مراكش ثم انتقل إلى العروض التجارية، وواجه موجة هجوم واسعة، كثير منها غير مبرَّر أثَّرت في إيراداته.

من اللافت وجود تغيُّر في تفاعل الجمهور مع الأفلام التي تُعرض في المهرجانات عند انتقالها إلى دور العرض. كما ظهرت محاولات من بعض المهرجانات لتقليص الفجوة بين ما يُسمَّى خطأً «فيلم مهرجانات» والأفلام التجارية، سواء عبر الإقبال على بعض الأعمال الفنّية بعد عرضها مهرجانيًا، أو عبر مَنْح مساحة لأفلام تجارية ذات قيمة فنّية، كما حدث مع «السادة الأفاضل» و«ولنا في الخيال… حب؟» في مهرجان الجونة.
خارج دور العرض المصرية
تُواصل السينما المصرية تحقيق إيرادات قوية في شباك التذاكر السعودي، رغم تزايد المنافسة مع الأفلام السعودية، وبقاء السينما الأميركية حاضرة بقوة. إذا نظرنا إلى قائمة أعلى عشرة أفلام مصرية تحقيقًا للإيرادات في السعودية، نجد أنها تجاوزت مجتمعة 41 مليون ريال سعودي، أي نحو 11 مليون دولار.
اللافت أنّ قائمة الأفلام العشرة الأولى في السعودية تكاد تتطابق مع نظيرتها في مصر، مع اختلاف في الترتيب. فبينما يتصدر «السلم والثعبان: لعب عيال» القائمة في السعودية، يحتلّ المركز السادس في مصر، في حين يأتي «سيكو سيكو» في المركز السادس في السعودية، والأول في مصر. الفيلم الوحيد الموجود في قائمة السعودية دون المصرية هو «الهنا اللي أنا فيه»، الذي بدأ عرضه في نهاية 2024 واستمر في تحقيق الإيرادات خلال 2025. في المقابل، نجد «الدشاش» ضمن قائمة الأعلى إيرادًا في مصر، لكنه يأتي في المركز الحادي عشر في السعودية.

هذا التشابه والاختلاف في الترتيب يكشف عن استمرار قوة حضور السينما المصرية لدى المشاهد السعودي، وأهمية هذه السوق للصناعة في مصر، مع بقاء الأفضل والأكثر طموحًا والأقرب لاحترام الجمهور. لا يعني ذلك أنّ كلّ الأفلام في القائمة تُمثل قممًا فنية، لكنها تضم عددًا من أبرز ما عُرض خلال العام.
على صعيد آخر، يُلاحَظ تزايد سرعة عرض الأفلام المصرية على المنصات بعد طرحها سينمائيًا. صحيح أنّ هذا جزء من الدورة الطبيعية للفيلم، لكنّ اللافت هو تقلص الفجوة الزمنية بين العرض السينمائي والرقمي، بل إنّ بعض الأفلام تظهر على المنصات وهي لا تزال تُحقّق إيرادات. ورغم تشابه هذا الوضع مع ما يحدث في هوليوود، يبقى التساؤل مطروحًا حول مدى ملاءمته طبيعة الأفلام المُنتَجة في مصر وعددها، وتأثيره المُحتمل في الصناعة مستقبلًا.
سطور أخيرة
من خلال هذه النظرة الشاملة، يمكن القول إنّ السينما المصرية تشهد انفتاحًا واضحًا على أسماء جديدة، مع صعود لافت للمخرجات، بوصفهن جزءًا طبيعيًا من المشهد. وتشير الإحصائيات الأخيرة إلى أنّ شباك التذاكر المصري حقَّق نحو 9 ملايين تذكرة خلال العام، وهي المرة الأولى التي يُذكر فيها عدد التذاكر إلى جانب قيمة الإيرادات.
وفي منشور للمخرج عمرو سلامة، أشار إلى أنه إذا افترضنا أنّ كل شخص شاهد فيلمين، فإنّ نسبة مَن يدخلون السينما لا تتجاوز 5% من سكان مصر البالغ عددهم نحو 120 مليون نسمة. ورغم كلّ المؤشرات الإيجابية التي حملها العام، يبقى الإقبال الجماهيري في حاجة إلى حلول أوسع لضمان استدامة هذا التحسُّن.
اقرأ أيضا: أفضل 20 فيلمًا عربيًا في 2025 – قائمة شخصية