من «سيدة البحر» التي وضعت شهد أمين على خريطة فينيسيا عام 2019، إلى «هجرة» الذي شهد عرضه العالمي الأول يوم أمس، تعود المخرجة السعودية شهد أمين إلى السجادة الحمراء لمهرجان فينيسيا السينمائي. صوتها الإبداعي لا يقبل أن يُختزل في «أفلام عن المرأة»، بل يصرّ على أن أفلامها عن الإنسان في صراعه الأزلي مع القيود والتقاليد والبحث عن الحرية. في عملها الجديد، تنسج حكاية طريق بين جدة وحفيدتها، تلتقي فيها أسئلة الهوية والانتماء مع ذاكرة المهاجرين الذين شكّلوا ملامح المجتمع السعودي.

اليوم، تعود شهد أمين إلى مهرجان فينيسيا السينمائي بفيلمها الجديد «هجرة»، بعد ست سنوات من تجربتها اللافتة «سيدة البحر» (2019). في عملها الجديد، الذي تطلّب ثلاث سنوات من التطوير وصُوِّر في ثماني مدن سعودية، تصوغ حكاية طريق دافئة تجمع بين جدة وحفيدتها في رحلة بحث عن حفيدة مفقودة؛ رحلة تتحول شيئًا فشيئًا إلى مرآة لأسئلة الحرية والانتماء، ولحكايات المهاجرين الذين شكّلوا جزءاً من ملامح المجتمع السعودي عبر الزمن.
نشأة مختلفة
ولدت شهد أمين في جدة، لم ترضَ يومًا بالتصنيفات المسبقة. في طفولتها، تركت شعرها قصيرًا، ورفضت الاعتراف بأنها «بنت»، إذ كانت ترى أن القوة والجدية حكر على الأولاد، فيما تُترك للفتيات تفاصيل سطحية لا تشبهها. لم تكن أميرات «ديزني» رفيقاتها، بل بطلات الأنيمي الياباني اللواتي يخضن مغامرات كبرى ويقفن في صميم الحكاية. ومن هناك بدأ وعيها بأن القصص يمكن أن تُروى بشكل آخر، وأن البطلة ليست دومًا «التفصيل الرومانسي» في حياة البطل.
منذ صغرها أحبّت الشعر والسينما، لكنها شعرت أن الطريق إلى أن تكون «صانعة أفلام» طويل وصعب. وفي مراهقتها، انجذبت إلى المسلسلات العربية والقديمة، لكنها لم تُخف استياءها من أن معظمها يقوم على الرومانسية التقليدية، من دون مساحة لبطلات قويات يخضن صراعًا أو مغامرة، كسر ذلك مسلسل «الكواسر» للمخرج نجدة أنزور الذي أضاء لها بريقًا إلى ما تريده، تلك المرأة التي لها صوت.

محطات صنعت شهد أمين المخرجة
في السابعة عشرة من عمرها انتقلت شهد لدراسة السينما في «جامعة غرب لندن»، ثم عاشت عامًا في إسبانيا، وهناك اصطدمت بعالم مغاير تمامًا لعالمها. تقول إن عمر 22 أو 23 لم يكن كافيًا لقبول تلك التناقضات، لكن بعد الخامسة والعشرين تغيّر وعيها في حوار سابق وصفت ما شعرت به حينها قائلة: «بدأت أرى أن كشف الضعف جزء من القوة».
عملت شهد أمين في البداية مساعدة مخرج في الإعلانات والأفلام، قبل أن تجرّب إخراج أفلام قصيرة؛ «موسيقانا»، ثم «نافذة ليلى» (2011) الذي عُرض في مهرجان الخليج السينمائي. أما فيلمها «حورية وعين» (2013) فكان نقطة تحوّل؛ إذ حاز على جائزة أفضل فيلم قصير في مهرجان أبوظبي السينمائي، وعُرض في تورونتو وستوكهولم، لتبدأ رحلتها العالمية.

«سيدة البحر»: الفيلم الروائي الأول في فينيسبا
عام 2019، قدّمت شهد فيلمها الروائي الطويل الأول «سيدة البحر» في «أسبوع النقاد» بمهرجان فينيسيا. الفيلم، الذي اعتمد على أسلوب أسطوري رمزي، قدّم صورة جريئة عن مجتمع يفرض على المرأة التضحية بنفسها ليبقى الرجل. حصد الفيلم جائزة نادي فيرونا السينمائي للفيلم الأكثر إبداعًا، إلى جانب جوائز عديدة من مهرجانات قرطاج، الرباط، وسنغافورة، كما شارك في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، ضمن مسابقة آفاق، كما رشحته المملكة لترشيحها لمسابقة أفضل فيلم روائي أجنبي ضمن جوائز الأوسكار عن عام 2021. لكن الأهم أن الفيلم وضع السينما السعودية في واجهة المشهد السينمائي الدولي، وكرّس اسم شهد أمين كصوت نسوي لا يرفع الشعارات، بل يحوّل التجربة الذاتية إلى حكاية كونية.
في حديثها عن «سيدة البحر» قالت إنه لم يكن أبدًا مجرد فيلم بالنسبة لها، بل كان فيلمًا عنها، عن تحولها من الفتاة المتشبثة بآرائها، والغاضبة من صورة الفتاة النمطية في مجتمعها، الضعيفة المهتمة بالموضة ناقصة العقل وغيرها من الصفات التي لم تحبها شهد أبدًا، إلى نسخة جديدة تفهم تقلبات جسدها واختلافه، كما فعلت بطلة فيلمها، التي بدأت أن تبحث عن القوة بداخلها، وتقبل ظهور «الحراشف» على جسدها، بعدما أثبتت قوتها وجدارتها في اختراق مجتمع الرجال.
لم ترد شهد أمين تقديم فيلمًا دعويًا أو خطابًا سياسيًا، بل كتجربة شخصية: «االفيلم كان محاولة لأقول إننا ربما توقفنا عن وأد النساء جسديًا، لكننا لم نتوقف عن وأدهن في عقولنا».

«هجرة»: عودة إلى موسترا فينيسيا
انشغلت شهد قليلًا بكتابة مشاريع لمخرجين آخرين، ولكن بعد ست سنوات، ها هي تعود شهد إلى فينيسيا بفيلمها الجديد «هجرة»، الذي عُرض في قسم «أضواء فينيسيا» الذي تطوّر بالتعاون مع السينمائي العراقي محمد الدراجي، وحصل على دعم من جهات سعودية ودولية. وكانت جريئة في خيار البطولة لممثلة كبيرة سن وطفلة وهما خيرية نظمي ولامار فدان بمشاركة نواف الظفيري ويروي الفيلم حكاية جدّة وحفيدة تنطلقان في رحلة شاقة عبر الطائف ومكة والعلا وضبا وصولًا إلى تبوك بحثًا عن حفيدة مفقودة. لكن القصة تتجاوز الحدث، لتغوص في أجيال مختلفة من النساء، كل واحدة منهن تبحث عن صوتها الخاص وحريتها المؤجلة.
«هجرة» ليس فقط عن العائلة، بل عن تاريخ طويل من المهاجرين الذين استقروا في السعودية بعد الحج، وعن كيف تشكّلت المدن الكبرى بتعدد أعراقها وثقافاتها. تقول شهد: «أردت أن أُظهر المملكة بطريقة لم تظهر بها من قبل: من جبال الطائف الخضراء إلى شواطئ ضبا، ومن صحراء العلا إلى جبال تبوك المغطاة بالثلوج».

ما بين البدايات والآن
بين طفلة رفضت الاعتراف بأنها بنت، وصانعة أفلام تقف اليوم على السجادة الحمراء في فينيسيا، سيرة شهد أمين ليست مجرد مسار مهني، بل رحلة وعي وتحرر. هي التي لا ترى أفلامها «عن المرأة» بقدر ما تراها عن الإنسان، وعن صراعه المستمر مع العادات والتقاليد والقيود التي نحملها داخلنا. وها هي اليوم تثبت أن صوتها ليس عابرًا، بل مستمر، ومُصرّ على أن السينما السعودية قادرة على أن تروي قصصها بلغتها الخاصة، للعالم كله.
اقرأ أيضا: شهد أمين مخرجة «هجرة»: الفيلم انعكاس لتعددية المملكة وغنى تراثها