فاصلة

مقالات

من الذاكرة إلى السؤال: هل ينجح مهرجان الكويت لسينما الشباب في كسر حلقة الانقطاع السينمائي؟

Reading Time: 4 minutes

تشهد الساحة السينمائية الخليجية خلال السنوات الأخيرة حراكًا ملحوظًا، يعكس إدراكًا متزايدًا لأهمية المهرجانات السينمائية بوصفها منصّات ثقافية وصناعية لا غنى عنها. فهي لا تكتفي بعرض الأفلام، بل تسهم في بناء منظومة متكاملة للإنتاج والاكتشاف والحوار. وفي وقت واصل فيه مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي ترسيخ حضوره بعد خمس سنوات من الاستمرارية، ومع استمرار مهرجان «أجيال» وتحوّله عام 2025 إلى مهرجان سينمائي دولي ممثّلًا بمهرجان الدوحة السينمائي، تتّسع خريطة المهرجانات الخليجية وتتنوعّ رهاناتها، في مؤشّر واضح على حيوية المشهد وتنامي طموحاته.

فعاليات مهرجان السينما للشباب بنسخته الأولى التابع للهيئة العامة للشباب و ذلك في٢٥ الى ٢٧ يناير

في مطلع عام 2026، تعود الكويت إلى هذا المشهد بإطلاق مهرجان سينمائي جديد مخصَّص للشباب، في خطوة تعكس وعيًا بأهمية دعم المواهب الناشئة وفتح مسارات جديدة أمام جيل يسعى إلى التعبير بلغته وأدواته. وإنما هذه العودة، على أهميتها، تستدعي استحضار تجارب كويتية سابقة لم يُكتب لها الاكتمال، ممّا يضع المهرجان الجديد أمام اختبار حقيقي يتمثَّل في قدرته على الاستمرار وتثبيت موقعه ضمن مشهد خليجي لا يزال يعاني انقطاعات مؤلمة، كما حدث مع مهرجانات توقَّفت في أبوظبي ودبي، وخلّفت فراغًا ثقافيًا لم يُملأ بالكامل.

الاستمرارية أولًا

من هنا، لا تبدو الحاجة اليوم مقتصرة على إطلاق مهرجانات جديدة فحسب، وإنما على تأسيس مهرجانات خليجية تؤمن بالاستمرارية، وتراكم الخبرة، وتتعامل مع الزمن على أنه شريك أساسي في صناعة الأثر. فالمهرجان الحقيقي يُقاس بما ينجح في بنائه على المدى الطويل، وبقدرته على التحوّل إلى موعد ثابت في الذاكرة السينمائية، ومنصّة مستدامة تخدم السينما وصنّاعها والجمهور على السواء.

فيلم بس يا بحر
كواليس تصوير فيلم بس يا بحر (1971)

في هذا السياق، لفتتني «ستوري» نشرها المخرج الكويتي مساعد خالد عبر «إنستغرام» في ختام أحد أيام المهرجان، بدت أقرب إلى فضفضة صادقة منها إلى موقف تنظيري، حين شدَّد على أهمية أن يدعم السينمائيون بعضهم بعضًا، وأن يحضروا أفلام بعضهم، بدل الاكتفاء بدعم الدائرة الضيقة من الأصدقاء. وهي ملاحظة تختصر جوهر التحدّي القائم اليوم. فالمشهد السينمائي الكويتي، كما الخليجي عمومًا، لا يحتاج فقط إلى مهرجانات تُطلق، وإنما إلى ثقافة مشاهدة، ودعم متبادل، وتشجيع حقيقي، إلى جانب نقد جاد لا يُلغي التشجيع، ويراهن على الاستمرارية بوصفها شرطًا أساسيًا لأي نهوض سينمائي فعلي، خصوصًا في بلد شهد إنتاج أول فيلم سينمائي روائي خليجي «بس يا بحر».

ثلاثة أيام سينمائية في الكويت

اختُتمت مساء الثلاثاء فعاليات الدورة الأولى من مهرجان السينما للشباب 2026، الذي نظَّمته الهيئة العامة للشباب في الكويت من 25 إلى 27 يناير، وذلك بإعلان نتائج المسابقة الرسمية وتوزيع الجوائز، في حفل شهد حضور حشد من الفنانين والإعلاميين الكويتيين.

وشكّل المهرجان منصّة حاضنة للمواهب السينمائية الشابة، إذ استقبل خمسةً وستين فيلمًا، اختِير اثنان وخمسون منها للمشاركة في العروض الرسمية، بوصفها تمثّل أحدث الإنتاجات السينمائية لجيل جديد من صنّاع الأفلام الكويتيين.

وترأس لجنة تحكيم الدورة الأولى الناقد السينمائي عبد الستار ناجي، وضمَّت في عضويتها المخرج محمد دحام الشمري، والفنان فيصل العميري.

«سام» لعبدالعزيز البلام يفوز بجائزة أفضل فيلم في الدورة الأولى بمهرجان السينما للشباب 2026
فيلم «سام» يفوز بجائزة أفضل فيلم في الدورة الأولى بمهرجان السينما للشباب (2026)

انتهت الفعاليات بتوزيع الجوائز على الأفلام المُختارة، فحصد فيلم «سام» (المطر الأسود) للمخرج عبد العزيز البلام جائزة أفضل فيلم، فيما نال فيلم «هذا العالم الرائع» للمخرج حمود فارس جائزة الفيلم الثاني، وذهبت جائزة الفيلم الثالث إلى فيلم «الإشارة» للمخرج ناصر القطان.

وأشارت لجنة التحكيم خلال الحفل إلى اختيار هذه الأفلام لما تحمله من معالجات فلسفية وقضايا اجتماعية مهمّة، من بينها التلوّث والعنف الأسري.

كما منحت اللجنة شهادات تقدير لكلّ من فيلم «زام ليل» للمخرج عباس الأستاذ، وفيلم «مخبر المدينة» للمخرج أحمد الكندري، وفيلم «بارانويا» للمخرج محمد عادل البلوشي.

ووزَّع المهرجان شهادات تقدير خاصة للفنانين: جاسم النبهان عن مشاركته في فيلم «سام»، ومساعد خالد عن دوره في فيلم «الإشارة»، وجاسم بورحمة عن دوره في فيلم «والنعم» للمخرج سعد القديفي.

ختام مهرجان الكويت

ماذا بعد الدورة الأولى؟

في ختام الدورة الأولى، أوصت لجنة التحكيم بعدد من الخطوات لضمان استدامة المهرجان في السنوات المقبلة، من بينها الاستمرار في تنظيمه بوصفه موعدًا سنويًا ثابتًا، إلى جانب إقامة ورشات تدريبية مُصاحِبة بمشاركة كفاءات فنّية متخصّصة، وإتاحة فرص لمشاركة الأفلام الفائزة في مهرجانات إقليمية ودولية. كما أوصت بفتح آفاق عمل أوسع للشباب في الدراما التلفزيونية والقطاعات الإبداعية، وزيادة القيمة المادية للجوائز لتحفيز الإنتاج السينمائي الشبابي.

جيل جديد من السينمائيين

من جانبه، أكد مدير إدارة الإنتاج الإبداعي والفنون في الهيئة العامة للشباب ورئيس المهرجان، صالح السلمي، أنّ مهرجان السينما للشباب جاء تتويجًا لعام كامل من التحضير، ليكون منصّة داعمة للمبدعين الشباب، وإضافة نوعية إلى المشهد الثقافي الكويتي. وشدَّد على أنه يمثّل موعدًا جديدًا ومهمًا لاحتضان الطاقات السينمائية الصاعدة.

وبهذه الدورة الأولى، يضع مهرجان السينما للشباب نفسه على خريطة المهرجانات الخليجية، مؤكدًا أنّ السينما الكويتية، ومعها السينما الخليجية، باتت تمتلك جيلًا جديدًا من الأصوات القادرة على الحضور والمنافسة.

كلمة أخيرة

في هذا السياق، تبدو انطلاقة أي مهرجان سينمائي جديد في الكويت لحظة تستحق التفاؤل الحذر؛ باعتبارها فرصة حقيقية لإعادة بناء حاضنة مستدامة للأعمال السينمائية الكويتية. فالكويت لا تبدأ من فراغ؛ تاريخها الثقافي والفني، من المسرح إلى الدراما، ومكانتها التي جعلتها تُلقَّب بـ”هوليوود الخليج”، إلى جانب شغف جمهورها المبكر بالسينما، كونها من أوائل دول المنطقة التي عرفت صالات العرض منذ خمسينيات القرن الماضي، فضلًا عن تجارب المهرجانات التي شهدتها في الثمانينيات والتسعينيات، كلها تشكّل ذاكرة حيّة قابلة للبناء، لا مجرد ماضٍ  نوستالجي يُستدعى بحنين عابر.

التحدّي الحقيقي اليوم يكمن في القدرة على استيعاب هذا الإرث وتطويره بلغة معاصرة، تفتح للسينما الكويتية مساحات فعلية للإنتاج والتفكير والعرض، وتعيد وصلها بجمهورها المحلي أولًا، ثم ترسّخ حضورها ضمن الخريطة السينمائية العربية والدولية. عندها فقط، يمكن الحديث عن مهرجان يُراكم أثرًا ويصنع استمرارية.

اقرأ أيضا: السينما العربية في مهرجان روتردام 2026: احتفاء بمروان حامد… وقصص مهاجرين وثوّار

شارك هذا المنشور