فاصلة

مراجعات

«مع حسن في غزة»… السينما آلة زمن

Reading Time: 4 minutes

ما هي السينما؟ سؤال يتكرَّر يوميًا، لكنه لا يتوقّف عن استثارة إجابات جديدة كلّ يوم. حينما بدأ الأخوان لوميير عرضهما السينمائي الأول عام 1895، كان التعريف بسيطًا، آلة عرض، سطح يمكن العرض عليه، مقطع مصوَّر متحرّك، وجمهور يجلس في غرفة مظلمة ليشاهد ذلك.

صوَّر الأخوان لوميير مقاطع توثيقية للحياة اليومية، قطار يصل إلى المحطة، عمّال يخرجون من المصنع، وهكذا. مرّ أكثر من 130 عامًا على ذلك، ظهرت خلالها عشرات الأنواع السينمائية، لكنّ التعريف التقني، بمعناه الأوسع، لا يزال متطابقًا مع ما قدَّمه الأخوان الفرنسيان. أما التعريف الجمالي، فربما يرتبط أكثر بردّ فعل الجمهور. هكذا تبقى جمالية السينما الأهم في قدرتها على مفاجأتك، تمامًا كما حدث مع جمهور العرض الأول في «الغراند كافيه» في باريس.

مع حسن في غزة (2025)
مع حسن في غزة (2025)

لماذا نعيد تعريف السينما في مستهل الكتابة عن فيلم «مع حسن في غزة»، الوثائقي الفلسطيني الذي عُرض في افتتاح المسابقة الرسمية لمهرجان لوكارنو لعام 2025؟ كيف يُشرك المخرج كمال الجعفري مشاهديه في صناعة الفيلم؟ والأهم: كيف تعمل السينما كآلة زمن؟

هل هذه سينما؟

حينما نبدأ مشاهدة «مع حسن في غزة»، نجد أنفسنا برفقة كاميرا فيديو يحملها كمال الجعفري ويتجوّل في غزة خلال عام 2001. لا توجد حكاية أو سيناريو مُعدّ؛ يبدأ الجعفري في البداية بالبحث عن رجل غزّاوي التقى به في أثناء مدّة سجنه وهو شاب صغير في أحد السجون الإسرائيلية، لكن سريعًا ما يتحوَّل ما نشاهده إلى مقطع مُصوَّر مطوّل للحياة اليومية في غزة. رحلة لمدة ساعة وأربعين دقيقة من المشي والكلام (walk and talk) في شوارع غزة، مع أهلها وبرفقة حسن، دليل كمال الجعفري في هذه الرحلة.

مع حسن في غزّة
مع حسن في غزة (2025)

يشبه الفيديو، في جودته البصرية، فيديوهات العرض المنزلي التي التقطها آباؤنا بكاميرات فيديو غير سينمائية خلال فترتَي الثمانينات والتسعينات. تهتزّ الكاميرا من يد الجعفري، يبدأ الحديث مع بعض الشخصيات ثم نجد الكاميرا موجَّهة فجأة إلى الأرض أو إلى قدمه، ولا تمرّ خمس دقائق من الفيلم من دون أن يظهر طفل أو مجموعة من الأطفال أمام الكاميرا، يلوّحون لها وللجعفري.

يشعر حسن كذلك بحاجته إلى عرض غزة بكل جوانبها، بوصفه مضيفًا للجعفري، فيأخذه إلى السوق، والمطار، والبيوت التي تضرَّرت من القصف الإسرائيلي، والطريق التي يسلكها العمّال الفلسطينيون سيرًا للعمل داخل المستوطنات الإسرائيلية. يريه حتى الحيوانات التي يُربّيها أهل غزة، ثم أخيرًا يأخذه إلى أسرته.

هذه المادة المصوَّرة الخام كان من الطبيعي أن تتحوَّل إلى بحث ميداني في مرحلة الإعداد لفيلم. ما الذي جعل منها فيلمًا مهمًا ضمن المسابقة الرسمية لواحد من أهم المهرجانات السينمائية في العالم؟

مع حسن في غزة
مع حسن في غزة (2025)

المونتاج جزءاً من فعل المُشاهدة

«إن فكرة إخراج فيلم هي من اختراع النقّاد، بلاغة السينما بأكملها تتحقّق في غرفة المونتاج».

كلمات صانع السينما الكبير أورسن ويلز يمكن إعادة التفكّر فيها هنا حينما نشاهد «مع حسن في غزة». رأى ويلز، وغيره كثيرون، أنّ صنعة السينما الحقيقية تكمن في عملية المونتاج؛ قطع اللقطات ووصلها ببعضها هو ما يعطيها معنى، أو بشكل أدق، هو ما يمنحها المعنى الذي يرغب صانع الفيلم في إيصاله.

مع حسن في غزة (2025)
مع حسن في غزة (2025)

في «مع حسن في غزة» يغيب المونتاج بشكل شبه مكتمل، لكن كمال الجعفري يمنحنا فرصة لصناعة مونتاج ذاتي خلال عملية المشاهدة. في كلّ لحظة نشاهد فيها لقطة لشارع مليء بالبشر والمحلات التجارية، أو سوقًا ممتلئةً بالبضائع والحياة، نقفز بشكل لا إرادي إلى الحاضر، لنضع هذه اللقطة في مونتاج متداخل مع اللقطات التي تطاردنا جميعًا من غزة ما بعد الإبادة. كلّ مرة نرى أطفالًا يُلوّحون لكاميرا الجعفري، يطلبون منه تصويرهم، نسأل أنفسنا: أين هؤلاء الأطفال الآن؟ مرّ خمسة وعشرون عامًا على هذه اللقطات، هم رجال ونساء الآن، هل لا يزالون على قيد الحياة؟ هل أطفالهم على قيد الحياة؟

يعتمد فيلم الجعفري على لحظة عرضه بوصفها لحظة مكتملة؛ هذه اللحظة هي ما تصنع ماهيته كفيلم عظيم، وتجعل من تجربة مشاهدته جزءًا من عملية صنعه. وهكذا تصبح، كمشاهد، تحت رحمة كل الكوابيس التي شاهدتها خلال حرب الإبادة التي تعرّض لها أهل غزة، فتتداخل تلقائيًا مع ما تشاهده.

مع حسن في غزة (2025)
مع حسن في غزة (2025)

السينما آلة زمن

يحكي الجعفري أنه صوّر هذه المادة الفيلمية عام 2001 ثم نسيها بالكامل. خلال فترة الإبادة، ومع البحث في سجلاته القديمة، وجدها وأعاد مشاهدتها. لم يجرؤ على قصّ مشاهد منها، لأنه خاف أن يحكم، بذلك، بالنسيان على بشر لا يعرف إن كانوا على قيد الحياة.

يُشبه الأمر مُشاهدة مقطع مصوَّر للأرض وأهلها قبل طوفان نوح، أو لوادٍ أخضر مليء بالديناصورات الآمنة قبل سقوط النيازك. كأنك في آلة للسفر عبر الزمن، ووجدت نفسك فجأة في حي يهودي داخل ألمانيا في العشرينات. يصبح كلّ منظر فريدًا من نوعه، مهما كان عاديًا: كلّ ثمرة فاكهة، كلّ واجهة مطعم، كلّ عربة خضراوات، وكلّ طفل يلهو.

هكذا تخرج من فيلم الجعفري بفيض من الصور الحسّية لغزة ما قبل الإبادة: أحياء تشبه شوارع الأقاليم في مصر، سائقو تاكسي لا يتوقّفون عن سماع أغنيات محمد فؤاد وإيهاب توفيق، أصوات قذائف ليلية لا تتوقّف، بشر يعيشون حياتهم رغم ذلك، وأطفال يلهون على شاطئ البحر في غزة، يضحكون ويلوّحون للكاميرا، ولن يروا، يا للأسف، صورهم عليها أبدًا.

اقرأ أيضا: «فلسطين 36»… تفكيك خيوط النكبة

شارك هذا المنشور