فاصلة

مراجعات

«مسامير جونيور».. ماذا يريد الكبار من الصغار؟

Reading Time: 4 minutes

تُعد نظرية «الذكاء المُتعدد» التي وضعها هاورد غارندر إسهامًا فاعلًا في حل مجموعة التساؤلات التي تدور حول شخصية الطفل؛ بسبب اعتماده على وضع تفسير علمي لأفعاله، ما دفع البعض إلى وصفها بجوهرة التاج في فهم سلوك هذه الفئة. قسمت النظرية – التي وضعت في مطلع الثمانينيات الميلادية – شخصية الطفل إلى ثمانية أنماط أساسية. أبرزها: الحركي، البصري، التفاعلي. لم يتوقف الباحثون عند هذه النظرية، رغم أهميتها البالغة في مجال التربية وفهم السلوك، بل ذهبوا إلى البناء عليها وتطويرها؛ بحكم المستجدات التي غيرت شخصية الطفل المعاصر، عبر مواكبة ما طرأ من وسائل لا يمكن تجاوز أثرها على كافة أفراد المجتمع. ولا يلزم أن تكون مختصًا في مسارات التربية للوصول إلى قناعة تامة بوجود سيل من الأبحاث والمؤلفات والدورات وورش العمل التي تستهدف فهم سلوك الطفل، ووضع الإجراء المناسب لاحتواء كل فعل يصدر منه.

الأكيد أن مقابل هذا الزخم في التركيز على تشريح وعي الطفل، والسعي إلى تفسير سلوكه، غاب بشكل شبه تام بحث معضلة أساسية، وهي: فهم الطفل لسلوك الكبار، وتفسيره في نطاق خبرته المحدودة في دهاليز الحياة. قدم فيلم «مسامير جونيور – Masameer Junior» هذه الأزمة المستفحلة بقالب كوميدي، كما جرت العادة في السلسة الشهيرة، عبر الدمج بين عدم قدرة الأطفال – يصح أيضًا وصفهم بحديثي السن – إلى إدراك مغزى ما يقوله الكبار لهم في لحظات حاسمة ومشحونة، وبين استعراض ذلك على صفيح ساخن، باختيار بقعة عربية ملتهبة – مع الأسف! – على الدوام؛ بحكم عوامل سياسية واقتصادية وإقليمية ممتدة، لتكون مسرح أحداث فهم هذا التناقض. ما يضعنا في ساعة ونصف الساعة أمام جهد بصري وفكري لفك شفرة تناقضين معقدين: إدراك الصغار لما يقوله الكبار لهم، وفهم تعقيدات «نتانيا»، أو الساحة اللبنانية كما تشير كافة الإسقاطات.

مسامير جونيور.. ماذا يريد الكبار من الصغار؟
Masameer Junior (2025)

لقطة الاشتباك الحقيقية لمجريات الأحداث تتمثل في إقناع هؤلاء الصغار أنهم لم يعود بعد اليوم صغارًا، بل جاء الوقت لمواجهة العالم الخارجي المكتظ بالصدمات عبر بوابة المدرسة. يظهر الفصل الدراسي وهو معبأ برموز وشعارات تضع المشاهد أمام حقبة مكتنزة بالعنف تجاه الآخر المختلف. يعزز هذه الرموز الخطاب التحريضي الذي يطرحه المعلم أمام طلابه، والذي يتلخص في ترهيبهم وتخويفهم من الموت الفجأة، وضرورة تدارك ذلك بالتكفير عن الذنوب، ونصب العداء لأهل المعاصي. بعاطفة جياشة يقرر هؤلاء الفتية الاستجابة لهذا الخطاب. فوقع الاختيار على تصفية هيفاء، أشهر مغنيات «نتانيا»، ومعها تبدأ رحلة التعرف على مجتمع في غاية التعقيد، وهو مختلف جذريًا عن المجتمع الذي قدموا منه. ورغم فشلهم حتى اللحظات الأخيرة في إتمام خطتهم، إلا أننا نرى لوحات مُتقاطعة لاستعراض نذرًا يسيرًا للانقسامات الفئوية، وكيف أن العنف المسلح لم يكن سيد لحظات الاستحقاق الوطني فقط، بل أيضًا معيار العلاقات العاطفية والارتباط وتكوين الأسر.

يلخص المشهد الأخير الذي ضم الفتية العائدين بخيبة أمل، مع مدرسهم الذي دفعهم لهذه المغامرة، كل ما يمكن فهمه من الفيلم. حيث نجد الفصل الدراسي تبدل، وبات مليئًا باللوحات الفنية والنوتات الموسيقية وصور لأبرز علماء الفلسفة. أما المعلم فقد انقلب رأسًا على عقب، إذ كان يوبخهم على فعلتهم ويصفها بأقسى الألفاظ، إذ كيف هان عليهم السعي وراء قتل صوت شجي جميل كان يبث الأمل والفرح في صفحة الحياة؟. بل دعاهم صراحة إلى توجيه جهودهم العدوانية للانتقام من امرأة شهيرة تقود جماعات دينية متطرفة، وتقتل المدنيين في الساحات المضطربة. هنا تنطق شخصية الكلب بما يدور في ذهن المتابع لتناقضات الفيلم غير المنتهية: الواحد ما يعرف الكبار وش يبون!«».

أمام الحيرة في فهم وتفسير ما يريده الكبار من الصغار في أعمارهم، أو للدقة الأقل منهم في الهرمية الاجتماعية، تبقى ملاحظات موضوعية حول الفيلم بشكل عام. لا شك أننا نلحظ تطورًا في الرسومات والتقنية المستخدمة في هذا المجال، وذلك قياسيًا في أجزاء السلسلة السابقة. كما يحسب للصنّاع تعزيز التراكم حول تضمين الفيلم للرسائل الجادة والولوج إلى مساحات وعوالم جديدة، مع الأخذ بالاعتبار أن ذلك قُدم عبر جرعة مُتقنة من كوميدية الموقف. 

مسامير جونيور.. ماذا يريد الكبار من الصغار؟
Masameer Junior (2025)

في المقابل سقط من بين يدي صنّاع الفيلم الحاجة إلى التكثيف وعدم الإسهاب في طرق مواضيع في غاية التعقيد؛ بخاصة في ظل عدم القدرة على طرحها بشكلها الحقيقي أو العميق. حيث أظهر الفيلم الجماعات والزعمات السياسية مدفوعة بدوافع شخصية صرفة، وقد يعود ذلك إلى تشابه شخصيات الفيلم مع صناعه، أي القدوم من خلفية مجتمعية مختلفة بنيويًا عن المجتمع المراد استعراضه. حيث غابت الأيديولوجية من السياق العام، والتي تمثل العصب الرئيسي في التحزبات والانتماءات المتعددة. هذه الفجوة السياقية كان من الضروري ملئها لإيجاد تفسير منطقي لما يدور في الشاشة. بالتأكيد أن المراد بذلك ليس مناقشة علمية للأفكار والتوجهات، بقدر الإحالة إليها عبر رموز وعبارات واضحة الدلالة. وإن تعذر ذلك؛ نظرًا لحساسية الموضوع بحسب تقديرات صنّاع الفيلم، فمن الأولى الإعراض عنه بدلًا من تقديمه بهذه الصورة المُخلة. 

أمر آخر، تم حصر نظرة الأطفال للمجتمع عبر السلوك الشائع في المدرسة، وكانت تلك النظرة ستكون ناجحة لو ظلت دون الاتكاء على عتبة التغيير المجتمعي لتفسير تحول الخطاب من خطاب متشدد فكريًا إلى منفتح اجتماعيًا في أعتى المعاقل التربوية، وهي الحاضنة التعليمية. إذ كان بالإمكان تغطية ذلك الفراغ بإعطاء لمحة خاطفة عما يجري في البيوت والشوارع والمراكز التجارية، لبيان أن التغير قد وقع بالفعل، وهذه مجموعة ظواهر اجتماعية تعبر عنه.

اقرأ أيضا: «ميمنتو» كريستوفر نولان: ما تبقى من الخيال… والذاكرة

شارك هذا المنشور