فاصلة

أخبار وتقارير

مروان حامد في روتردام… حديث عن الزمن والموسيقى وصناعة الواقع

Reading Time: 4 minutes

شهد مهرجان روتردام السينمائي الدولي 2026 جلسة حوارية للمخرج مروان حامد، أدارها المخرج يسري نصر الله، وذلك على هامش الاحتفاء بمسيرته الفنية، بالتزامن مع عرض فيلمه الأحدث «الست» في عرضه الأوروبي الأول. استعرض حامد خلال الجلسة فلسفته في تطويع الزمن والموسيقى لخلق تجربة وجدانية تتجاوز حدود السرد التقليدي، مؤكدًا أنّ سينماه تنحاز إلى المشاعر قبل الأفكار، وإلى الصورة التي تترك أثرًا لا يُمحى في ذاكرة المُشاهد.

يسري نصر الله ومروان حامد
يسري نصر الله ومروان حامد

فلسفة الزمن والموسيقى في سينماه

يستدعي مروان حامد، خلال حديثه، مشهدًا من فيلم «إبراهيم الأبيض»، حين ينظر إبراهيم إلى حورية خلال نزولها الدرج. ورغم أنّ اللقطة لا تتجاوز ثوانيَ، فإنّ تأثيرها في وعي الشخصية يبدو ممتدًا نفسيًا وزمنيًا على نحو أعمق، وهو ما تطلَّب، على مستوى السرد، دمج قصة خلفية في منتصف المشهد. هنا تلعب الموسيقى دورًا حاسمًا في إطالة اللحظة، وانتزاعها من سياقها الزمني المعتاد، ووضعها في سياق نفسي يعكس ذلك الشعور، على نحو يُذكّر بمَشاهد الحبّ في مسرحية «روميو وجولييت» لشكسبير، حيث يتدرّج المشهد من الرؤية إلى الجسد، وصولًا إلى العقدة النفسية.

إبراهيم الأبيض (2009)
إبراهيم الأبيض (2009)

يختار حامد لحظة محورية بمثابة بداية الحبّ لتكون عنصرًا سينمائيًا قائمًا بذاته، لا عبر التحكم في الزمن فقط، بل من خلال دمج الصورة بالموسيقى. في «إبراهيم الأبيض» يتجلّى ذلك بوضوح، إذ تقلّ الحوارات، وتُروى حياة البطل منذ طفولته حتى نضجه عبر لقطات تعتمد على الصورة والموسيقى وحدهما. بينما في «عمارة يعقوبيان»، ورغم كثافة الحوار، تبقى الموسيقى عنصرًا سرديًا أساسيًا، إذ يؤمن حامد بأنّ السينما تعتمد على الموسيقى إلى حدّ أنه لو أتيحت له الفرصة لوضعها من البداية إلى النهاية لفعل ذلك، فالمَشاهد العالقة في الذاكرة غالبًا ما تحمل صدى موسيقيًا يُفعّل الأثر العاطفي.
السينما رحلة اكتشاف وهوس عاطفي

يؤكد مروان حامد أنّ صناعته للسينما موجَّهة إلى المشاعر لا إلى الأفكار. ما يشغله دائمًا هو نوع التأثير العاطفي الذي يتركه المشهد في الجمهور، ويشعر بالسعادة حين يخبره أحد المشاهدين أنّ الفيلم ظل عالقًا في ذهنه حتى اليوم التالي. ويرى أنّ دخوله أي مشروع ينبع من قلة معرفته المسبقة بعوالمه وشخصياته، ممّا يجعل «الاكتشاف» جوهر التجربة السينمائية وأكثر مراحلها إثارة، وهي عملية تتطلّب هوسًا كاملًا واستحواذًا تامًا لا ينفكّ حتى يُنجز الفيلم ويصبح مُلكًا للجمهور.

في مرحلة ما بعد السيناريو، يُدوّن حامد ملاحظات حول الرحلة العاطفية لكل مشهد؛ فبعضها يُبنى على الكوميديا، وبعضها على الخوف أو الصدمة. هذا البُعد العاطفي هو ما يُحدّد شكل الإخراج. يسعى دائمًا إلى صنع أفلام يرغب هو نفسه في مشاهدتها، إذ يُعيد مشاهدة أعمال معيّنة مرارًا بسبب أثرها العاطفي الذي يتحوّل إلى ذاكرة، آملًا أن تلامس أفلامه أرواح الناس، وتصبح جزءًا من تجاربهم من خلال صور قوية ومشاعر حسّية، بعيدًا عن المفاهيم المجرّدة.

فيلم الست (2025)
فيلم الست (2025)

يتجلى ذلك في مشهد غنائي من «الست»، يُعرض فيه صعود أم كلثوم وغناؤها للمرة الأولى في القصر أمام النخبة. يركّز المشهد على رهبة البطلة من الطبقة الأرستقراطية التي لم تتقبّل مظهرها، وتوترها تجاه رد فعل والدها، إلى جانب قصة فرعية عن لقائها بالشاعر أحمد رامي. هنا لا تكتفي الموسيقى بسرد الحدث، بل يُوظّف المونتاج وإطالة الزمن لرواية التوترات والقصص الخلفية وما يجري خلف الكواليس، مضيفًا عمقًا وأناقة إلى المشهد.

صناعة الواقع في «إبراهيم الأبيض»

بالانتقال من الرومانسية إلى العنف، يُعدّ مشهد المطاردة والقتال في افتتاح «إبراهيم الأبيض» (2009) نموذجًا لابتكار شكل سينمائي يُصوّر القتال في الشوارع المصرية. والمفارقة أنّ هذا الشارع ليس حقيقيًا، بل ديكور صمّمه أنسي أبو سيف، إذ صُوّر نحو 80 في المائة من الفيلم داخله، بما أتاح حرّية حركة الكاميرا والقفز بين النوافذ، وخَلَق واقعًا سينمائيًا خاصًا يُصدّقه المُشاهد.

مروان حامد
المخرج مروان حامد

يوضح حامد أنّ السيناريو الذي كتبه عباس أبو الحسن كان قائمًا على بحث مُعمّق، تمثَّل في ملف ضخم يضم قصاصات صحافية وصورًا وبحثًا ميدانيًا حول عوالم البلطجة والمناطق العشوائية. وقد أدرك فريق العمل أنّ هذا النوع من القتال لا يهدف إلى القتل، وإنما إلى فرض السيطرة.

اعتمد تصميم الحركة على مقاطع من «يوتيوب»، ومرجع غير متوقّع هو قناة «أنيمال بلانيت»، وتحديدًا طريقة هجوم الضباع على الأسد من زوايا متعدّدة لتشتيت انتباهه واستنزاف قوته، وهو التكتيك الذي يظهر في مشهد المُشاجرة الكبرى. وأسهم التعاون مع المنتج صفي الدين محمود، الذي كان مخرجًا منفذًا آنذاك، في خلق حركة خلفية مؤثرة رغم محدودية القتال الفعلي.

مروان حامد
الفيل الأزرق (2014)

الشخصيات المأزومة وعوالم الأحلام

يؤمن مروان حامد بأهمية الثقة والتعاون مع الفنانين. فهو قد يعرف النتيجة التي يسعى إليها، لكنه يكتشف الطريق مع فريقه، مؤكدًا أنه يعرف دائمًا ما «لا يريده»، ويترك ما «يريده» ليتشكّل خلال العمل. يمتد هذا النهج إلى أفلام الرعب النفسي مثل «الفيل الأزرق»، إذ ينجذب إلى شخصيات مثقلة بالذنب، تمرّ بتحوّلات حادّة وتبحث عن الخلاص، مثل شخصية يحيى، الذي قتل زوجته بالخطأ نتيجة إدمانه الكحول، ممّا يجعله شخصًا مثقلاً بالذنب. السؤال الذي يحرّك حامد هنا هو: «كيف نجعل الجمهور يتعاطف مع شخصية ارتكبت خطأً بهذا الحجم؟».

عمارة يعقوبيان» (2006)
عمارة يعقوبيان (2006)

ينسحب ذلك أيضًا على شخصية زكي باشا الدسوقي في «عمارة يعقوبيان»، التي جسَّدها عادل إمام، والممزَّقة بين ماضيها ومكانتها، والباحثة عن لحظة تصالح.

يرى حامد أنّ أفلامًا مثل «الفيل الأزرق» و«الأصليين» تتعامل مع عوالم الأحلام والخيال والتلاعب بالواقع، في محاولة لنقل الأحاسيس الجسدية التي تُرافق الأحلام إلى المشاهد. يضع لهذه العوالم قواعده الخاصة، ليكون لكلّ فيلم واقعه ووزنه المختلف.

وعن الجدل المُرافق لفيلمه الأخير «الست»، يوضح أنّ صناعة الأفلام لا تشبه الانتخابات، ولا تسعى إلى الإجماع. الاختلاف جزء من طبيعة العمل، فبعض المشاهدين يتفاعلون مع التجربة، وآخرون لا، ولكلّ فيلم مساره وتأثيره الخاص، وهو تأثير يأمل أن يبقى ذكرى شخصية لدى مَن يُشاهده.

اقرأ أيضا: لماذا يثق الجمهور بمروان حامد؟

شارك هذا المنشور