فاصلة

مراجعات

«مرمر مكاني»… مرثية بيروتية بروح تجريبية

Reading Time: 4 minutes

تمتلك مدينة بيروت العديد من المزايا الفريدة، على رأسها قدرتها في أسوأ حالاتها أن توّلد فنًا جميلًا، فربما لا توجد مدينة استخدم أبناؤها معاناتها وقودًا لإبداعهم كالذي فعله اللبنانيون تاريخًا، ولعل الأزمة الاقتصادية والسياسية التي تعيشها المدينة منذ أعوام هي أحد أكثر أزمات العالم المعاصر العديدة تجسيدًا على شاشة السينما، بمعالجات خلّاقة لا تكتفي برصد ما حدث، وإنما تحاول وضعه في سياقه الإنساني، واختبار أثره على الفرد الذي يجد نفسه أكثر فأكثر وحيدًا في مواجهة عالم يزداد قسوة كل يوم.

مرمر مكاني (2026)
مرمر مكاني (2026)

«مرمر مكاني» هو أحدث حلقات تلك السلسلة الإبداعية. الفيلم المعروض حاليًا ضمن مهرجان روتردام السينمائي تجربة خاصة أخرجها ستة مخرجين تحت إشراف صانع أفلام قدير هو جورج هاشم. العنوان يقوم على مفارقة تبديل المكان بالزمان في العبارة التراثية الشهيرة «مرمر زماني»، وهو بالضبط نفس التصرف الذكي في العنوان الإنجليزي «Home Bitter Home» الذي يخلق مفارقة مماثلة مع الوصف المعتاد للبيت أو الوطن باعتباره المكان الآمن الذي يشعر فيه الإنسان بالراحة، بينما لا يبدو أن أي من المخرجين أو الشخصيات يحملون شعورًا مقاربًا تجاه فكرتي البيت والوطن.

خمس خطوط درامية (حيث قام مخرجان بالتشارك في صنع أحد الخطوط)، كل منها مستوحى من قصة حقيقية لحياة مواطن لبناني، يعمل في الفن أو في مساحة مقاربة منه كالعمل الثقافي والتدريس، يمتلك معاناة خاصة أو أزمة يمر بها: شاب يعاني من تعامل جيرانه العدائي، امرأة تفتش عن أرشيف تلفزيوني قديم لوالدها الراحل، ممثلة تتنقل بين تجارب الأداء باحثة عن نفسها، امرأة تعود لبيت والدها بعد وفاته، ومهندس صوت يسمع طنينًا لا تفسير له في أحد تسجيلاته. يقوم كل مخرج بإدارة خطّه الدرامي بحرية، لتشكل الحكايات الخمس معًا لوحة واحدة تحاول التعبير عن أزمة نفسية جمعية راهنة.

مرمر مكاني (2026)
مرمر مكاني (2026)

ليست أنطولوجيا

أول ما قد يرد للذهن عند سماع الملخص السابق أن «مرمر مكاني» سيكون في الأغلب عملًا أنطولوجي، تتوالى فيه الحكايات الخمس، لكن الاختيار المثير للاهتمام هو قرار صناع الفيلم أن يكون فيلمًا روائيًا طويلًا واحدًا، تتقاطع فيه الحكايات وكأنها خطوط درامية في فيلم طويل، وهي كذلك بالفعل، لولا أن شكل كل جزء وإيقاعه وإدارة الممثلين فيه تختلف وفقًا لذائقة المخرج واختياراته.

القرار غير المعتاد جاء بعدد من المزايا والعيوب، فمن جهة جعله فيلمًا مختلفًا، يخلق تجربة مشاهدة نشطة يحاول الجمهور فيها التقاط الحكايات ووضعها في سياق واحد، مع ترسيخ حقيقة يؤكدها الفيلم شكلًا ومضمونًا هو أننا بشر مختلفون، نتعامل مع الضغوط والأزمات المتشابهة بصور متباينة، وكأن الحكايات الخمس تنسج صورة مصغرة لتنوع المجتمع البيروتي حتى في معاناته.

من جهة أخرى عمّق اختيار السرد المتداخل المشكلات المعتادة في الأعمال الأنطولوجية، فأي فيلم مكوّن من عدة حكايات تتناول نفس التيمة يواجه عادة تحدٍ لا فكاك منه، هو اختلاف جودة الحكايات وجاذبيتها، فعقد المقارنات وتفضيل قصة عن الأخرى أمر لا فكاك منه، بل يمكن القول بأنه هدف يكمن في جوهر أي محاولة لتناول نفس الموضوع من وجهات نظر مختلفة. في الأفلام الأنطولوجية نشاهد الحكايات متوالية ونعقد المقارنة داخل عقولنا فنقول في النهاية أننا نفضل تلك الحكايات عن الأخرى، فماذا يحدث عندما نشاهدها متداخلة، فلا يمكن للعقل عزل الفصول عن بعضها؟

مرمر مكاني (2026)
مرمر مكاني (2026)

قيمة الجرأة وثمنها

النتيجة بطبيعة الحال هي تفاوت تجربة المشاهدة اللحظية، لا سيما مع اختلاف مدخل كل قصة للتعاطي مع الجمهور، فبينما تبدو قصة الشاب المكروه من جيرانه – مثلًا – أقرب للدراما الكلاسيكية التي يسهل التعاطف مع شخصياتها والدخول في إيقاعها السريع، تحتاج حكايات أخرى كالراقصة الباحثة عن تسجيل والدها لمشاهدة متأنية، لا تبحث عن الحدث وإنما تحاول الولوج لداخل شخصيات صموتة بطبعها واستقراء ما يدور داخلها. الانتقال بين خطين دراميين كهذين سيجعلك المشاهد في الأغلب يشعر إما بأن أحدهما ميلودرامي يحاول استدرار دموعه، أو أن الثاني مُمِل لا يكاد شيء يحدث فيه، فما بالك عندما تتجاور خمس خطوط مختلفة الأثر؟

مرمر مكاني (2026)
مرمر مكاني (2026)

ولعل التجلي الأبرز لذلك هو قصة ضنا التي فقدت والدها، والتي قررت المخرجة ماري روز أسطا أن تصورها بالأبيض والأسود بينما باقي الحكايات ملوّنة، وأن تمنحها مدخلًا تأمليًا يترك مساحات خاوية كثيرة على المُشاهد أن يجتهد لملئها. حكاية ضنا قد تكون فيلمًا قصيرًا مثاليًا لو عرضت وحدها، لكنها تبدو وسط باقة «مرمر مكاني» منقطعة عمّا حولها، حتى بمقاييس الاختلاف بين خطوط العمل، وكأننا نغادر الفيلم كل مرة ننتقل إلى هذا الخط، فنذهب لمتابعة فيلم آخر لعدة دقائق قبل أن نعود لفيلمنا الأصلي.

نفس هذا الشعور بالاغتراب داخل العمل الواحد قد يكون علامة إيجابية، فعلى الأقل تشعر بأنك تُشاهد فيلمًا خاصًا، هناك من فكروا فيه واتخذوا قرارات واعية لها قيمتها ولها ثمنها كذلك، وتبذل تلقائيًا المزيد من الجهد والتركيز، فهو ليس فيلم آخر عن كارثة لبنان، وإنما عمل فني جماعي، ينطلق من الكارثة لكنه يمنح صنّاعه مساحتهم من الحرية الإبداعية.

مرمر مكاني (2026)
مرمر مكاني (2026)

وفقًا للذائقة الشخصية أعجبت بالمدخل الصوتي لشعور التيه داخل الوطن في حكاية مهندس الصوت هادي التي أخرجها نعيم الحاج، وكذلك الحميمية والقدرة على الاعتراف بالضعف والهشاشة في الحكاية التي شارك في إخراجها سليم مراد وألين عويس، لكنها تبقى تفضيلات شخصية، وقد يكون رأي مشاهد آخر أن الأجزاء التي أخرجتها غنا عبود وجهاد سعادة وماري روز أسطا هي الأفضل، هذه هي قواعد اللعبة وعلينا الالتزام بها.

«مرمر مكاني» تجربة سينمائية إبداعية شيّقة، تدفعك للتفكير والمقارنة والتفضيل، كي تدرك خلال العملية أننا مختلفون ومتشابهون في آن، وأن الأزمة اللبنانية ستظل قادرة على إلهام المزيد من الفن.

اقرأ أيضا: السينما العربية في مهرجان روتردام 2026: احتفاء بمروان حامد… وقصص مهاجرين وثوّار

شارك هذا المنشور