فاصلة

حوارات

مخرجة «بابا والقذافي»: صنعت فيلمي حتى لا أفقد أبي مرتين

Reading Time: 5 minutes

في رحلة للبحث عن أبيها الغائب، واستعادة علاقتها التي أضيرت بشدة بوطنها الأم، وجدت المخرجة الليبية جيهان المنصور نفسها تنطلق في رحلة سينمائية توجها أن يكون فيلمها «بابا والقذافي» هو أول فيلم ليبي يعرض في الدورة الأخيرة من مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي من 13 عامًا، انقضت دون أي حضور ليبي. 

في الفيلم الذي يعرض عربيًا للمرة الأولى خلال مهرجان الدوحة السينمائي المقام في نوفمبر الجاري؛ تواصل جيهان رحلة بدأت بعيدًا عن الكاميرا لاستجلاء حقيقة ما حدث لأبيها منصور رشيد الكيخيا، وزير الخارجية الليبي الأسبق، وسفير ليبيا لدى الأمم المتحدة، وأحد أبرز المعارضين السلميين لنظام الرئيس الليبي السابق العقيد معمر القذافي. اختُطف الكيخيا أثناء وجوده بالقاهرة لحضور مؤتمر للأمم المتحدة في عام 1993، واختفى أي أثر له حتى قيام ثورات الربيع العربي وسقوط نظام القذافي، حين عُثر على جثته في أواخر عام 2012، داخل ثلاجة في فيلا خاصة بجهاز المخابرات الليبية السابق في طرابلس.

«بابا والقذافي» ليس مجرد محاولة سينمائية لإعادة سرد حادثة سياسية؛ بل هو عمل شديد الخصوصية، تمزج فيه المخرجة بين البحث عن الأب الغائب واستعادة هوية وطنية ممزقة، حيث كانت جيهان وقت اختفاء والدها طفلة ولا يتعدى عمرها 6 سنوات، لا تتذكر الكثير عنه وعن علاقته بها، ونشأت في باريس بعيدًا عن أعمامها في ليبيا، قبل أن تنتقل مع أخيها وشقيقاتها ووالدتها الفنانة السورية الأمريكية بهاء العمري الكيخيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

بابا والقذافي
بابا والقذافي (2025)

تقول جيهان إن رحلة الفيلم امتدت لأكثر من تسع سنوات. إذ قررت بدء العمل عليه في عام 2016: «عندما اكتشفوا جثة بابا، نُظمت له جنازة كبيرة بالتنسيق مع الحكومة، وكان هناك الكثير من الأمل فقلت لنفسي إننا ربما سنعرف الحقيقة لأول مرة، لكن الحكومة سقطت بعدها وسقطت معها البلاد في الحرب الأهلية، ولم تأتِ الحقيقة، لذا شعرت أن عليَّ البحث عنها بنفسي ولا أنتظر أحدًا لأكرم والدي».

فقدت جيهان أباها وعمرها 6 سنوات، وعُثر على جثمانه وعمرها 25 عامًا، لذا ترى أن هذا الفيلم هو وسيلتها للتواصل معه وتكريم ذكراه فتقول: «هذه المرة شعرت أن لدي قدرة أكبر على التحكم في الأمور والحيلولة دون اختفائه من حياتي للمرة الثانية، لذلك كنت مدفوعة بفكرة توثيق حياته تكريمًا له وتكريمًا لعائلتي، وتقديرًا لحبه لليبيا»، تقول جيهان إنها استخدمت عواطفها محركًا رئيسيًا في رحلتها.

بابا والقذافي (2025)
بابا والقذافي (2025)

في محاولة للحفاظ على الذاكرة، وضعت جيهان خطة لجمع القصص، سواء من أصدقاء أو أهل، أو من والدتها التي تعتبر مصدرها الرئيسي لأغلب القصص حول حياة والدها ونضاله من أجل ليبيا. كما سعت لاستعادة الروابط مع أعمامها وأسرة والدها في ليبيا رغم انفصالها عنهم لسنوات طويلة بسبب القذافي والحرب. وتضيف «أغلب من قابلتهم كانوا في منتهى اللطف معي، واكتشفت مقدار الحب الذي يكنّونه لبابا، فقد رحبوا بي لمجرد أني ابنته، رغم أني لم أكن أعرف أغلبهم قبل المقابلة». 

تقول جيهان انها شعرت أنها لا تصنع فيلمًا لأبيها فقط، وغنما عن جيله الذي أضاعت السلطات فرصة أن يكون لهم صوت. أرادت جيهان أن تكون رحلتها وفيلمها فرصة لمنحهم صوتهم من جديد، وفرصة لتبادل الحوار والأفكار فيما بينهم.

بابا والقذافي (2025)
بابا والقذافي (2025)

يقدم الفيلم ليبيا من زوايا متعددة: من الاستعمار الإيطالي، مرورًا بالمملكة، وصولًا إلى ديكتاتورية القذافي، دون الغوص في التفاصيل السياسية المعقدة، بل عبر خيوط شخصية تعكس كيف تتشكل الذاكرة الوطنية وتُمحى. تقول جيهان «كنت أعتقد أن الخطر زال لأن أبي والقذافي الاثنان رحلا الآن، ولكن خلال رحلة البحث وجدت أن الخوف لا يزال موجودًا، على سبيل المثال البعض في القاهرة رحب وتحدث إليَّ، بينما اختفى البعض الآخر بمجرد علمه أني ابنة منصور الكيخيا.»

وتضيف «تناولي للقصة شخصي وصادق جدًا، فأنا مرعوبة من الخوض في المنظور السياسي. والحقيقة أني لست مهتمة بذلك على الإطلاق، فقد ظلت أمي تبحث عن الحقيقة الضائعة بين مصر وليبيا لأكثر من 20 عامًا وكان من الواضح أن الأمر كبير، فنحن نتعامل مع قوى سياسية هائلة ولها قوة وسلطة كبيرة. وصراحة ليس هدفي وليست مهمتي تتبعها، لذلك لم أسع بإلحاح للتحقيق في الأمر، وعندما كان يقول الناس في المقابلات ‘لا أعرف’؛ اعتبرتها إجابة مرضية بالنسبة لي».

 وتؤكد جيهان «أعي جيدًا أن هذا هو واقعي. التحقيق في الأمر ليس عملي، فأنا لست محامية، ولست محللة سياسية أو محققة جنائية، ولا أملك لا القوة ولا الإرادة لفتح أو تحريك أو استفزاز أي شأن سياسي في قصتي. السياسة حدثت بالفعل، وأشياء كثيرة لا أستطيع التحكم فيها. أبي خلق (وُلد) في ليبيا، وكانت حياته كلها في عالم السياسة. وأنا عشت في ظل هذا العالم. لكني لا أريد إثارة المشاكل أو أن أمر بما مرت به أمي على مدار هذه السنوات دون الحصول على إجابات». وتضيف «كل ما أريده هو أن أعيد التواصل مع أبي ومع ليبيا، وجزء من هذا الاتصال هو أن أفهم التحقيق لأقصى حد ممكن، أيًا كان ما يمنحني إياه العالم، فهذا يكفيني».

يمزج «بابا والقذافي» بين المشاهد الأرشيفية النادرة التي حصلت عليها المخرجة من الأمم المتحدة وأرشيفات دولية، وأراشيف شركات إنتاج في إيطاليا وانجلترا؛ بينما لم تتمكن من الحصول على مواد من الدول العربية. وبين مقابلات مع أصدقاء وأبناء جيل والدها. في كل مقابلة، كانت جيهان تبحث عن لمحة تقرّبها من شخصية الأب الذي لم تتعرّف عليه حقًا، مؤكدة أنه غيّر علاقتها بأبيها وبليبيا ككل.

بابا والقذافي
بابا والقذافي (2025)

وتقول «لا أتذكر أبي. ولم أستطع أن أفهم القصة الكبيرة عن ليبيا وتاريخها واسمها وحدودها. فأنا أعرف عن فرنسا وألمانيا وحتى لبنان أكثر مما أعرف عن ليبيا، لذا كان بحثي مفتوحًا عن أي شيء يخص ليبيا أو منصور الكيخيا أو القذافي. ومن هذه الشبكة الضخمة أحاول التقاط الأساس لأبني عليه قصة بسيطة تربط كل هذه الطبقات الشخصية والعامة، ولم أقتعمق في أي من هذه الطبقات لأن التفاصيل كثيرة جدًا».

حاولت جيهان البحث عن أبيها بين المقابلات وتقول «أجريت مقابلات مع رجال في عمر أبي ويشبهون شخصيته، وكأنني أقترب من أبي في صورتهم، كنت أنتظر أن يبوح أحدهم فجأة بكلمة تجعلني أفهم أبي، وأفهم ليبيا، لكن هذا لم يحدث لأنه ليس سحرًا. إلى أن قابلت رجلًا في منتهى اللطف وكان من السهل جدًا التواصل معه، والحقيقة أن هذه الرقة من النادر الشعور بها في ليبيا، التي بدت لي دائمًا كبلد قاسٍ ومخيف».

وكانت جيهان تعتقد أن عدم قدرتها على التواصل مع جذورها الليبية نابع من كونها من أصل ليبي سوري، وتربت خارج ليبيا وانفصلت عن الأرض وعن أهلها في ليبيا، إلى أن قال لها أحدهم في مقابلة «لا تقلقي يا جيجي، أنا ليبي تمامًا، من أم وأب ليبيين ووُلدت ونشأت هنا، لكنني لا أفهم ما معنى أن أكون ليبيًا»، وتقول «حينها أدركت كم أن الأمر معقد، هذه البلاد معقدة جدًا، وشعرت أن لدي ما يمكن أن أضيفه، وما قد يكون له قيمة، وجدت نفسي أخلق عبر هذه اللقاءات مساحات للعائلات الليبية كي تطرح أسئلتها عن الانفصال والصدمات المتوارثة بين الأجيال، رأيت هذا في مقابلة مع رجل قالت لي ابنته بعد أن انتهينا «جيجي أنا لم أسأل أبي هذه الأسئلة أبدًا ولم أسمعه يتحدث في الأمر»، صحيح أني لا أملك أجوبة كبيرة، لكن ربما ما فعلته – ولو كان صغيرًا – يحمل شيئًا من الفائدة».

اختارت صانعة الفيلم لنفسها اسم جيهان مجردًا كاسم فني تعتز به، لأن والدها منحها إياه تكريمًا لاسم جدتها لأمها، وتقول «جيهان بدون اسم الوالد ليس فقط اسمي الفني وإنما أفصل به أيضًا بين الفن وحياتي الخاصة، ورغم أني اخترت قصة شخصية جدًا لأول مشاريعي السينمائية إلا أن هذا لا يعني بالضرورة أن هذا هو أنا في كل تفاصيل حياتي، وفيلمي يحمل الجنسيتين ليبي أمريكي لأن هذه هي هويتي بمنتهى البساطة»

استغرق الفيلم أكثر من تسع سنوات حتى اكتمل، واعتمدت جيهان على تمويلات دولية من مؤسسات مثل معهد الدوحة للأفلام والصندوق العربي للفنون والثقافة ودعم من صناديق أوروبية منها المعهد السويدي للأفلام، مع إصرار على حماية استقلاليتها الفنية، تقول: «أصعب ما في التجربة لم يكن البحث أو المقابلات، بل مراحل الإنتاج، جمعت التمويل وحدي، وحاولت أن أبقي الفيلم حرًا من أي وصاية.»

اقرأ أيضا: «بابا والقذافي»… غياب الأب يوقظ سيرة وطن

شارك هذا المنشور