يضعنا الفيلم المُشارك في الدورة السابعة والستين من مهرجان كان، ضمن مسابقة «سينيفونداسيون» لعام 2014، «ما بعد وضع حجر الأساس لمشروع الحمام بالكيلو 375» للمخرج عمر الزهيري، منذ مَشاهده الأولى، أمام عالم عبثي وغرائبي، سواء على مستوى الموضوع الذي يحمله العنوان ذاته، ويدور حول افتتاح حمام عمومي وحيد ومعزول على يد أحد المسؤولين، أو في ما يزيد الأمر غرابة، وهو أنّ هذا الحمام يقع في الصحراء ويبعد 375 كيلومترًا عن المدينة.
في مشهد البداية يتجسَّد العنوان كاملًا في أولى اللقطات، كأنّ المخرج يضعه أمامنا باعتباره مُرتَكزًا بصريًا وفكريًا للعالم الذي سنخوضه؛ عالم لا يخضع لمنطق الواقعية، بل لمنطق العبث. وتتعمَّق هذه النزعة عندما يعطس بطل الفيلم، فتتحوّل العطسة إلى لحظة مفصلية، إذ يشعر بتأنيب الضمير لأنه قاطع أمرًا مهمًا. ومن هنا تبدأ سلسلة من الملاحقات ومحاولات الاعتذار من المسؤول.
ولو قرأت القصة القصيرة التي اقتُبس منها الفيلم، «موت موظف» لأنطوان تشيخوف، لعرفت النهاية التي يلمّح إليها العنوان كذلك. وعلى عكس القصة القصيرة، حيث لا يقتصر دافع البطل على العطس فحسب، بل لأنّ رذاذ العطسة وقع على رأس المسؤول، ممّا يزيد من فداحة الموقف، اختار الفيلم أن تكون الفداحة أقل؛ فالعطسة هنا لا يصحبها رذاذ، ولا يحدث اعتداء مباشر، لكن الإحساس بالذنب لا يقلّ تضخمًا.
وكما يبرّر تشيخوف في قصته: «العطس ليس محظورًا على أحد في أي مكان؛ إذ يعطس الفلاحون ورجال الشرطة، بل وحتى أحيانًا المستشارون السريون. الجميع يعطس». ما يكشفه الفيلم هو أنّ المشكلة ليست في العطسة ذاتها، بل في بنية السلطة التي تجعل من التفصيل الهامشي خطيئة كبرى.
وذكاؤه يتجلّى في قدرته على تقديم مدخله عبر خلق حالة عبثية وغرائبية متكاملة. فالمكان المعزول لحمام لن يستخدمه أحد، وطريقة التصوير الباردة، والأجواء العامة من إيقاع بطيء وفضاء شبه خالٍ، كلّها أسهمت في تأسيس عالم استثنائي وتعميق أثره في أذهاننا، ممّا يجعل ملاحقة الاعتذار فعلًا مبررًا داخل منطقه الداخلي. بل إنّ المتلقّي، بعدما يتشبَّع بقوانين هذا العالم، يصبح مستعدًا لتقبّل أي تصعيد إضافي من دون نفور.
وهكذا تتحوّل البداية، التي تبدو مجرّد مفارقة مكانية، إلى عتبة درامية تقودنا إلى جوهر الفيلم؛ تضخم الاعتذار، وتحول الفعل البسيط إلى عبء وجودي في عالم تتضخَّم فيه السلطة حتى تصبح العطسة جريمة رمزية، ممّا يعمّق الطابع العبثي للفيلم.

أشرت سابقًا إلى أنّ طريقة التصوير والأجواء البصرية ساعدتا بدرجة كبيرة في رفع إيقاع الحالة العامة للعمل. فالفيلم لا يتّكئ على غرابة القصة وحدها، وإنما يضيف مستويات بصرية تعمّق الإحساس بالغرابة وتؤثّر مباشرة في عملية التلقّي. من خلال كاميرا ثابتة في معظم الوقت، وزوايا حادّة، وكادرات معبّرة ومدروسة بعناية، وشخصيات ذات ملامح جامدة وباهتة وغير معبّرة، إضافة إلى أزياء بسيطة تعزّز الإحساس بالجمود، وألوان مطفأة وقاتمة تكرّس الشعور بعالم خالٍ من الدفء أو الاحتمال.
هذا الحضور البصري، رغم اقتصاده وعدم ثرثرته، ينجح في التعبير عن جوهر الفيلم؛ عالم سوداوي يدفع أفراده إلى ملاحقة أوهام لا سند لها. وكما في قصة تشيخوف، لا تكمن المأساة في الفعل ذاته، بل في تضخمه داخل بنية نفسية واجتماعية قائمة على الخوف والتقديس. إنّ غياب المركزية الذاتية وذوبان الفرد في سرب من الهيبة والرهبة يدفعانه إلى افتراضات متخيّلة بحثًا عن طمأنينة لن تتحقّق؛ طمأنينة لا تنتهي إلا بالمصير نفسه الذي عرفه بطل تشيخوف: الانهيار والموت.

هذا التتابع البصري، بتكويناته الغرائبية وشخصياته الشاحبة وحضور المكان الطاغي، يستدعي إلى الذهن سينما المخرج السويدي روي أندرسون، التي تتّكئ على الرمزية والمواقف العبثية شديدة الغرابة، والإحساس العام بالكآبة، والتخطيط الدقيق للكادرات المصمَّمة مثل لوحات تشكيلية. كما تتقاطع الشخصيات في فيلم الزهيري مع شخصيات أندرسون بوجوهها الباهتة وملامحها المطفأة وحركتها الميكانيكية المُتثاقلة، ووجودها داخل فضاءات خانقة رغم اتّساعها الظاهري.
وإنما أندرسون يزيد من حدّة الرمزية وغموض أفلامه وقتامة واقع هشّ وغير واضح يشيع شعورًا بالفراغ والوحدة، حيث تدور شخصياته داخل حلقة لا تنتهي. أما الزهيري فلا يتّكئ على الغموض وحده، بقدر ما يلاحق موضوعًا يتّسم بالعبث من جهة، ويسلط الضوء من جهة أخرى على الخوف من السلطة وقدرتها على شلّ قابلية التفكير خارج حدود نطاقها.

تابعتُ هذا الفيلم القصير لعمر الزهيري بعد مشاهدتي لفيلمه الطويل «ريش» (2021)، الأمر الذي كوَّن لدي تصوّرًا واضحًا عن أنّ هذا العمل أشبه بتمرين بصري وفكري حاذق وعالي الاحترافية، مهَّد لصناعة تجربته الطويلة الأولى، بذات الألوان والعوالم الغريبة، وبالحسّ الكاتم المشحون بالصمت والرمز.
هي سينما تتّكئ على الرمز، لكنها لا تغوص فيه من أجل الغرابة والغموض لذاتهما، بقدر ما تسعى إلى ابتكار رؤية مغايرة لسرد عوالم مختلفة لحكايات تبدو واضحة في جوهرها، وإنما طريقة تقديمها هي ما يمنحها طزاجتها وفرادتها.
كما في فيلمه القصير المستند إلى قصة تعود إلى عام 1883، فإنّ الإضافة الحقيقية لا تتمثّل في إعادة إنتاج النصّ الأصلي، بل في إعادة النظر إليه عبر حساسية بصرية مختلفة، تُقارب عمقه من زاوية أخرى، وتعيد ترتيب عناصره داخل عالم بصري خاص. بذلك يتحوَّل الاقتباس من مجرّد نقل إلى عملية إعادة خلق، ممّا يؤكد أنّ الأدب الكبير، مهما تقادم، يظلّ محتفظًا بطاقة كامنة قابلة للاستدعاء، شرط أن يُعاد تقديمه عبر وعي جمالي جديد يخرج عن المسار المحدّد سابقًا.
ولعلّ هذا هو أبرز ملمح في سينما الزهيري؛ رؤية تنطلق من الفكرة، لكنها تراهن على الدهشة الناتجة عن الشكل، وعلى أسلوب يميل إلى الاختلاف والغرابة والعبث والتجديد.
اقرأ أيضا: «ريش»… الصوت كزمن.. الصوت كمكان