ترى حين كان مارلون براندو يتحدث عن الفلسطينيين وانتفاضتهم وعن حقهم في الحصول على دولة لهم، وعن اضطهاد إسرائيل لهذا الشعب المظلوم، هل كان يفكر في دور مسرحي قام به في العام 1946 في مسرحية عنوانها «مولد علم A flag is born»، كتبها بن هت ولحن موسيقاها كيرت فيل؟
الذي يدفعنا إلى هذا السؤال هو أن تلك المسرحية الدعائية الفجة والتي لم تلق أي نجاح يذكر حين عرضت، كانت تقف إلى جانب «النضال» الصهيوني الساعي إلى تأسيس دولة لليهود في فلسطين، بغض النظر عن وجود شعب عربي فيها.
كانت المسرحية تتبنى وجهة نظر اليمين الصهيوني المتطرف تبنيًا تامًا. وفي ذلك الحين كان مارلون براندو نفسه من غلاة المناصرين لمنظمة «شتيرن Stern» الإرهابية التي تنفذ الاغتيالات وترتكب المجازر على أرض فلسطين. فكيف تغير مارلون براندو خلال نصف قرن من الزمن؟ كيف تغير إلى درجة أنه – وبحسب ما قال هو نفسه- صار هدفًا للوبي الصهيوني المهيمن على هوليوود، والذي راح يحاربه خلال العقدين الأخيرين من مسيرته المهنية؟

«نجم النجوم»
من الصعب طبعًا الاجابة عن هذا السؤال. لكن من ينظر بإمعان إلى مسيرة الممثل الذي صار في نهاية الأمر «نجم النجوم»، وواحدًا من كبار فناني السينما في طول القرن العشرين وعرضه، سيجد أنه – على الشاشة وخارجها- كان دائمًا متمردًا مشاكسًا، غاضبًا. وهو دائمًا ما تبنى قضايا الشعوب المظلومة مرورًا بالهنود الحمر والأميركيين ذوي البشرة السمراء وغيرهم: دائمًا ما وقف عكس التيار. ولم يكن في وسع فنان تربى في وسط مناخ ليبرالي – يساري، كان في الأربعينات مهيمنًا على المسرح الأميركي الذي كان مقفزه إلى الفن والسينما والحياة، لم يكن في وسعه إلا أن يتخذ مثل تلك المواقف.
ما حدث في أواسط سنوات الأربعينيات هو أن اليهود المؤمنين بالصهيونية قدموا أنفسهم بعيد الحرب العالمية الثانية بصورة الضحية. وقدموا صراعهم في فلسطين على أنه صراع ضد الاستعمار البريطاني لا أكثر ولا أقل. ومن هنا حين وقف براندو مناصرًا الصهيونية اليمينية المتطرفة؛ كان مؤمنًا بأنه يساند حركة تحرر وطني، خصوصًا أن مناخًا يساريًا أميركيًا معينًا كان يقف الموقف نفسه.
لاحقًا بعد سنوات طويلة، سيتنبه براندو إلى خطيئته وسيعلن ذلك. وسيدفع الثمن طبعًا.
والثمن كان جزءًا منه، ذلك الحقد الذي به تعاملت هوليوود معه دائمًا. فهوليوود لم تحب براندو أبدًا، حتى وإن كان جمهورها يجّله دائمًا واعتبره من البداية إلى النهاية أعظم ما عرفه فن التمثيل الرجالي في تاريخ السينما.
على مضض كانت هوليوود تتعاقد مع مارلون براندو. وعلى مضض كانت ترضى حين كان يفرضه مخرجون لهم كلمتهم، من أمثال ايليا كازان وفرانسيس فورد كوبولا.

صراع ضد هوليوود
هذا ما باتت عليه الأمور منذ نهاية الستينيات، حين اشتعل ذلك الصراع الذي بدأ خفيًا ثم ما لبث أن ظهر للعلن بين مارلون براندو و«المؤسسة الهوليوودية». وقبل ذلك كان براندو نجم هوليوود وفتاها المدلل. لاحقًا سيقول هو أنه لولا الدعم الأوروبي الكبير له، ولولا إصرار كوبولا على إعطائه بطولة الجزء الأول من «العراب The Godfather» لمات من الجوع.
وعلى ضوء هذا قد يمكننا فهم ذلك التصعيد الذي جابه به براندو هوليوود، وكان من معالمه عدم حضوره حفلة الأوسكار التي منحته جائزة أفضل تمثيل رجالي في العام 1972، مفضلًا إرسال هندية من السكان الأصليين لأمريكا الشمالية، ألقت خطابًا باسمه واسمها حول إبادة البيض للهنود الحمر. وفي الوقت نفسه، كان لا يكتم معارضته الشرسة للحرب الأميركية في فيتنام، كما أنه كان مناضلًا من أجل حصول الأمريكيين من أصول أفريقية على حقوقهم المدنية.
ولم يكن، بالطبع، مهتمًا بأن يؤثر ذلك كله سلبًا على موقعه الفني. كان يرى أنه بنى من المجد ما يمكن أن يوفر له حماية كبرى. لكنه هنا كان مخطئًا تمامًا مثلما أخطأ مرات كثيرة في حياته.

والحقيقة ان حياة مارلون براندو كانت سلسلة من الأخطاء والمآسي، الشخصية والعائلية؛ وحتى الفنية أيضًا. إذ ها هو برناردو برتولوتشي يروي لنا كيف أن براندو بعد أن انتهى من أداء دوره في واحد من آخر أفلامه الكبرى «آخر تانغو في باريس The last tango in Paris»، وشاهد الفيلم في عرض خاص التفت إلى برتولوتشي وقال له: «أنا لن أقدم أبدًا بعد الآن على العمل في فيلم من هذا النوع، أنا عادة لا أحب أن ألعب دور الممثل، ولكن هذه المرة كان الأمر أسوأ. لقد أحسست انني اغتصبت منذ بداية الفيلم إلى نهايته، اغتصبت في حياتي وفي أعمق جزء من خصوصيتي، وحتى في أطفالي. لقد انتزعت مني كل شيء». يومها بعد أن قال هذا غاضبًا أعلن لصديقه المخرج أنه يود ألا يتحدث إليه بعد ذلك أبدًا. وبالفعل ابتعد براندو عن برتولوتشي طوال 12 سنة كاملة.

ربما يعود هذا إلى انها كانت المرة الأولى التي يجد فيها براندو نفسه أمام مخرج قوي الشخصية لا يسمح له بأن يتدخل في الدور أبدًا. قبل ذلك، وأحيانًا كثيرة بعد ذلك، اعتاد مارلون براندو أن يتدخل في أدواره وفي حواراته، إذ أنه في مرات كثيرة كاد يكون المخرج الحقيقي للجزء الذي يمثل فيه في الفيلم.
كان إيليا كازان أول المخرجين الذين أعطوا براندو هذا الحق؛ ولم يندموا. ونحن نعرف طبعًا أن كازان – على المسرح قبل شاشة السينما- كان هو من أعطى مارلون براندو الفرصة الأولى الكبرى: دور كوفالسكي في مسرحية – ثم فيلم – «عربة اسمها الرغبة A streetcar named desire». كان ذلك بدءًا من العام (1947)، حين أخرج كازان، المبتدئ هو الآخر، مسرحية تينسي ويليامز على مسرح باريمور، وكان براندو العشريني، قد ظهر في مسرحيات قليلة قبل ذلك، معظمها لم يحقق نجاحًا، لكن أداء براندو كان لافتًا فيها. إذ أن الفتى الآتي من «ستديو الممثل» حمل إلى فن التمثيل جديدًا نابعًا من الروح، عبر عنه الناقد هارولد كلارمن بقوله – حول أداء براندو في مسرحية «المقهى Truckline Cafe» لماكسويل أندرسون 1946: «لم يسبق لي منذ أداء جون باريمور أن شاهدت مثل هذا التمثيل. لقد كان رائعًا. كان نابعًا من داخله، وأشبه بانفجار نفسي».
والحال أن من يراقب أداء براندو منذ أدائه البطولة السينمائية في فيلمه الأول «الرجال The men» للمخرج فريد زينمان (1950) ثم فيلمه الثاني «عربة اسمها الرغبة» لإيليا كازان (1951) وصولًا إلى «العراب» (1971) و«القيامة الآن Apocalypse now» كوبولا (1979) على الأقل، سيجد أن ما قاله كلارمن ظل صحيحًا، وليس فقط في أفلام براندو الكبيرة.

إذًا منذ بدايته، اعتبر براندو مفجر نوع جديد من التمثيل السينمائي. وهو في هذا الإطار كان البداية التي راحت تتسع دائرتها لاحقًا: هارفي كيتل، آل باتشينو، جاك نيكلسون، روبرت دي نيرو. كلهم كانوا من أبناء تلك المدرسة. ويمكننا أن نضيف إليهم كلينت إيستوود وشون بن. وكان يمكن لجيمس دين أن يكون منهم لو انه أكمل الطريق.
مع براندو، ومع خلفائه هؤلاء، لم يعد الممثل النجم دمية في يد المخرج، ولا أسطورة حية تتصرف على هواها لتظل هي نفسها من فيلم إلى فيلم، ممجدة حضور النجم على حساب الدور وصدقيته. فن براندو السينمائي كان يقوم على تلبس الدور تمامًا، وإمحاء الممثل أمام الشخصية، بوصف الممثل «شريحة من الطبيعة»، بحسب تعبير فرد زينمان، «تتحرك كما تتحرك الطبيعة، في شكل بركاني أحيانًا وكالجدول الرقراق في أحيان أخرى».
الأداء الجواني بامتياز
حضور مارلون براندو في عالم السينما تواصل أكثر من نصف قرن، وكان يمكنه أن يتواصل أكثر لو لم يقض عليه الموت المباغت في الأسبوع الفائت. ولكن هل كان في وسعنا حقًا أن نقول أن مارلون براندو الثمانيني، والذي كان يعيش وحيدًا مكتئبًا غارقًا في ديون تقدر بالملايين، مستذكرًا بحزن ولوعة مصير أبنائه الدامي ومصير النساء اللواتي أحب وخسر في حياته؛ أكان هو نفسه ذلك الشاب الرائع الجميل إلى حد الدهشة، والذي كأنه في فترة الخمسينيات يوم راح الجمهور العريض يكتشفه فيلمًا بعد فيلم، وفي أدوار رائعة اختاره لها كبار مخرجي تلك الحقبة؟
لقد كان «عربة اسمها الرغبة» العمل الذي نقل براندو إلى ساحة النجومية، هو الفيلم نفسه الذي جعل فيه التمثيل أمرًا أكثر خطورة وجدية من ذي قبل. وكان من الطبيعي، إثر نجاح ذلك الفيلم، أن يثنّي كازان في تعاونه مع براندو، فحقق «فيفا زاباتا Viva Zapata” (1952) عن حياة ونضال الثائر المكسيكي الكبير إيميليانو زاباتا.
وهنا أيضًا قدّم أداءً جوانيًّا امتزج فيه العزم بالقلق، ولحظات التردد بلحظات المجد في حياة مناضل كبير. بدا براندو وكأنه يفجر الشاشة، حتى وإن كان ماكياج الدور قلل من جمال قسماته التي سيستعيدها في الفيلم التالي «يوليوس قيصر Juluis ceaser» للمخرج جوزف مالكوفتش (1953)، إذ صار هنا معبود النساء، بعدما كان في الأفلام الأولى، موضع تقدير هواة الفن الخالص.

أما في الفيلم التالي «المتوحش The wild one» للمخرج لازلو بينديك، فإنه قام بذلك الدور الذي سيصبح علامة ويؤدي إلى خلق جيمس دين، وتصبح سماته شعار الشبيبة المتمردة خلال العقود التالية. فهو هنا بقبضته المشاكسة، وسترته الجلدية وسرواله الضيق أبدع شخصية الأزعر الحنون، التي مهدت للشخصية التبريرية التي سيلعبها في فيلمه التالي «عند الميناء on the waterfront» والذي سجل ثالث لقاء له مع إيليا كازان، والأخير لأسباب غامضة قد تكون ذات علاقة بما اعتبره الفيلم من جانب النقاد: تبريرًا ذاتيًا قام به كازان لخيانته رفاقه الهوليووديين أمام اللجنة الماكارثية، متهمًا اياهم بالشيوعية متبرئًا منهم.

والحال أن براندو كان في ذلك الحين قد بدأ يتغير، ويتفرس أكثر في الأفلام التي يقوم ببطولتها، وليس فقط في دوره فيها. لكن هذا لم يحمل كل الخير له. صحيح أن الفترة التالية ستكون واحدة من أخصب فترات حياته الفنية، إذ راح يمثل فيلمًا بعد الآخر، وصارت حصته من النجاح الجماهيري كبيرة؛ لكن مجده الكبير كفنان حقيقي كان قد صار وراءه. ففي أفلام مثل «ديزيريه Désirée» (1954) و«صبيان ودمى Guys and dolls» (1955) و«مشرب الشاي في ضوء القمر A teahouse of the August moon» (1956) و«سايونارا Sayonara» (1957)، كان من الواضح ان براندو صار في خضم العالم التجاري. صحيح أن أيًا من هذه الأفلام لم يكن سخيفًا وتجاريًا خالصًا، لكن الأدوار التي أُعطيت إلى براندو فيها، لم تكن تضاهي في قيمتها أدواره السابقة.

هنا كان كازان قد أضحى بعيدًا. وربما كانت أمريكا وهوليوود كلها في حال استرخاء تام. لكن ذلك لم يدم؛ إذ في العام 1958، عاد براندو ليقدم جديدًا دراميًا وقويًا في «الأسود الصغيرة The young lions» من إخراج إدوارد دمتريك، الذي كان بدوره، مثل مالكوفتش، ومثل كازان قبل الخيانة، من أقطاب التيار اليساري في هوليوود.
في هذا الفيلم عاد براندو سيرته في دور الضابط الألماني، ممهدًا من جديد لسلسلة أدوار لا تنسى، منها دوره في «النوع الهارب The fugitive kind» حيث لا تزال سترته ذات جلد الأفعى علامة اجتماعية حتى يومنا هذا، ثم «ثورة فوق السفينة بونتي Mutiny on the Bounty» للويس مايلستون، وصولًا إلى «الأميركي القبيح The Ugly American» ذلك الفيلم الغاضب الذي كان أول مساهمة من براندو في نقد الأيديولوجية الأمريكية الشعبوية السائدة.
واللافت هنا هو أن براندو وسط عمله على تلك الأدوار التي استعاد فيها مجده القديم، خاض تجربة إخراجية استثنائية في فيلم رعاة بقر لا ينسى هو «جاك ذو العين الواحدة One eyed Jack». ولم يكن توفيقه فيه كمخرج، موازيًا لتوفيقه كممثل، حتى وإن كان كارل مالدن شريكه في الفيلم قد غطى عليه في مشاهد كثيرة.

عند شابلن
منذ أواسط الستينات راحت أدوار مارلون براندو تتنوع أكثر، فمن دور كوميدي رومانطيقي في «حكاية ساعة النوم Bedtime story» سنة 1964، إلى دور تجسسي على النمط الهتشكوكي في «المخرب Murituri» لبرنارد فيكي سنة 1965.
بدا واضحًا أن مارلون براندو دخل مرحلة الحيرة والبحث عن أدوار يعيد عبرها تأكيد ذاته. والحال أن «المطاردة The chase» من إخراج آرثر بن، أتاح له ذلك، حتى وإن كان اضطر في هذا الفيلم إلى مشاطرة نجاحه مع بطل الفيلم الحقيقي روبرت ردفورد.
بعد «المطاردة» عادت فترة الركود عبر افلام مثل «آبالوزا Appaloosa» 1966 ثم «كونتيسة من هونغ كونغ» – آخر وأسوأ افلام تشارلي شابلن، إذ أدى براندو واحدًا من أكثر أدواره سطحية. لكنه ابدًا لم يندم على ذلك طالما أن الفرصة أتاحت له أن يدنو من اسطورة السينما شابلن. وأن يمثل إلى جانب صوفيا لورين. وأيضًا طالما ان التعويض سرعان ما جاءه تحت عنوان «انعكاسات في عين ذهبية Reflections in a golden eye» من إخراج جون هستون. إذ لعب براندو في مواجهة اليزابيث تايلور واحدًا من أدواره الكبرى: الكولونيل العاجز الذي يعيش مرض حبه المستحيل. فهل كفاه ذلك الدور، فنيًا وإنسانيًا حتى يرضى بأن يلعب بعده في أفلام عدة، أدوارًا لن يذكر فيها المتفرجون سوى ماكياجه الغريب في بعضها، وإصرار المخرجين على التعامل معه كرمز جنسي في بعضها الآخر «القادمون ليلًا The nightcomers» لمايكل وينر؟

مهما كان الجواب، فإن المجد لن يتخلى في المرحلة التالية عن براندو. إذ ها هو المخرج الإيطالي الأصل مثله يحمل إليه ذلك الدور الذي سيصل به إلى الذروة: دور فيتو كورليوني في الجزء الأول من «العراب The Godfather».
تُرى من يمكنه أن ينسى لحظات أداء براندو في ذلك الفيلم لحظة بلحظة؛ وصولًا إلى مشهد موته هادئًا محايدًا في حديقته؟
من يمكنه أن ينسى روعة أدائه الصوتي – في تجربة سيكررها لاحقًا في تلك الدقائق الهائلة التي اعطيت له في «القيامة الآن»؟

الحقيقة أن براندو، لو أنه في حياته لم يمثل سوى دور العراب في ذلك الفيلم، لكان هذا كافيًا لسنوات طويلة من المجد. صحيح أن دوره التالي سيكون في اتجاه آخر تمامًا. بل في اتجاه متناقض كليًا، وفي فيلم سيقول براندو إنه واحد من أفلام قليلة حطمته تمامًا: «آخر تانغو في باريس». ومع هذا، وعلى رغم كل ما قاله براندو وقاله آخرون حول هذا الفيلم، يمكننا أن نقول إنه ضخ فيه كل خبرته الفنية والإنسانية وأدى دورًا لا سابق ولا لاحق له في تاريخ الفن السينمائي.
صحيح أنه أدّى الدور كمزحة في أول الأمر، ونظر إليه ككارثة بعد ذلك؛ ولكن بين المزحة والكارثة كان هناك ذلك الحضور المتألق، وذلك الشباب الباهر الذي أخفى وصول بطلنا إلى الخمسين.
هنا، وعلى رغم قوة المخرج برناردو برتولوتشي وقوة موضوعه، يمكننا أن نقول أنه لم يكن ثمة شيء آخر في الفيلم سوى براندو نفسه. كل ما عداه بدا اكسسوارًا يحيط به. ترى أفلا يمكننا قول الشيء نفسه عن الدور الذي سيعود ويلعبه بعد ذلك بسنوات عدة في فيلم «القيامة الآن» لفرانسيس فورد كوبولا 1979؟
ربع ساعة فقط
بين «آخر تانغو» و«القيامة» كانت هناك أفلام قليلة وأدوار متنوعة قبل بها براندو من أجل لقمة العيش، هو الذي كانت حياته في ذلك الحين قد تلخبطت تمامًا: مآس عائلية، صراعات مع هوليوود، تقلبات سياسية، وشيخوخة تقترب بقوة متلازمة مع زيادة مرضية في الوزن. ومن تلك الأدوار ظهوره العابر في «سوبرمان Superman» حيث نال أول مليون دولار أعطيت لممثل في تاريخ هوليوود عن دور قصير. وبطولته فيلم «ميسوري بريكز The Missouri breaks» لآرثر بن 1976. أما في «القيامة الآن»، فإنه هيمن على الفيلم تمامًا: هيمن عليه في غيابه كما في حضوره. ذلك أن هذا الفيلم – الذي يعتبر من أعظم الأفلام الحربية في تاريخ السينما، كما من أكثر أفلام «فيتنام» التباسًا- لم يكن عن الحرب ولا عن فيتنام، قدرما كان عن الشرط الإنساني، عن السلطة والجبروت، عن الطبيعة وانتقامها. وهذا كله كان يمثله مارلون براندو الذي لعب دور الكولونيل كورتز المنتزع كما الفيلم من رواية جوزف كونراد «قلب الظلمات The heart of darkness».

الفيلم كله مبني من خلال مهمة يقوم بها الضابط الأمريكي ويلارد للعثور على كورتز الذي كان تمرد على الجيش الأمريكي في فيتنام وأقام لنفسه مملكة خاصة به عند الحدود مع الأدغال.
لم يظهر براندو في هذا الفيلم سوى خلال ربع ساعة، وفي لقطات مكبرة. وهو ظهر لكي يُقتل على يدي ويلارد. ولكن اي ربع ساعة؟! وأي لقطات مكبرة؟! وأي قتل!؟
هنا في هذا الدور لخّص براندو فنه التمثيلي كله. لخّص الفن السينمائي وارتباطه بعظمة الإنسان. لخّص الحياة والموت إلى درجة انه لم يعد في حاجة من بعد إلى لعب أي أدوار جديدة. كان ذلك الدور من نوع تلك التي يختتم بها الفنان حياته ويفتح الباب لخلود اسطورته.
وبالفعل ما مثله براندو بعد ذلك كان مجرد ظهور عارض – للقمة العيش- في أفلام راح يتعامل معها كمزحة، فارضًا على المخرجين والمتفرجين ان يتعاملوا مع الدور على أنه دور لمارلون براندو، مهما ابتعدت الشخصية عن شخصيته. وهذا ما جعل حضوره في أفلام مثل «المعادلة The formula» و«فصل أبيض وجاف A dry white season»، و«الخريج الثانوي The freshman» و«دون جوان دي ماركو Don Juan De Marco» وحتى «كريستوفر كولومبوس – الاكتشاف Christopher Columbus: The Discovery»، يبدو كحضور ضيف شرف لا اكثر.
وفي يقيننا أن مارلون براندو حين وافق قبل اسابيع على أداء دور في مشروع المخرج التونسي رضا الباهي وعنوانه «براندو وبراندو» وافق لأسباب سياسية «أحب أن أقول للعرب والفلسطينيين عبر هذا الفيلم كم أنني أحبهم» قال للباهي، لكنه وافق ايضًا لأسباب شخصية: لقد وجد في لعب دور براندو في فيلم يتحدث عن ممثل تونسي شاب يشبهه تمامًا إلى درجة انه لقب نفسه ببراندو، فرصة لتكريم نفسه وفنه مرة أخيرة، ولاختصار مجمل الأدوار التي لعبها في الآونة الأخيرة والتي كان همها الإفادة من أسطورته اكثر من فنه التمثيلي «الصولجان» مثلًا.
هنا، في فيلم براندو كان يمكن للفنان ان يوصل نرجسيته – المشروعة على أي حال- إلى ذروتها… لكن القدر لم يمهله: القدر جاءه على شكل موت مفاجئ غدر به.
اقرأ أيضا: «العرّاب 2».. مرثية للولايات المتحدة