فاصلة

حوارات

مارك بيرانسون: لا تصنعوا أفلامًا للمهرجانات!

Reading Time: 5 minutes

قال الناقد والمبرمج الكندي مارك بيرانسون، المسؤول السابق عن البرمجة في مهرجان برلين السينمائي الدولي (برليناله)، إن مشاركته في النسخة الثالثة من مؤتمر النقد السينمائي الدولي بالرياض شكّلت تجربة ثرية ومميزة، مشيرًا إلى أن اللقاء مع النقاد والمهتمين بالسينما في السعودية فتح أمامه مساحة للحوار حول أدوار الناقد والبرمِج في صناعة السينما، والكيفية التي يمكن بها تطوير الوعي النقدي لدى الأجيال الجديدة.

وأوضح بيرانسون، في حوار مع «فاصلة» على هامش المؤتمر، أنه لم يتحدث كثيرًا عن النقد السينمائي في السنوات الأخيرة لانشغاله بالبرمجة وإدارة المهرجانات، لكنه وجد في هذا اللقاء فرصة للعودة إلى جذور اهتمامه الأول بالنقد، ولتبادل التجارب مع النقاد الشباب، مؤكداً أن الحديث عن النقد اليوم أصبح أكثر ضرورة من أي وقت مضى، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها الصناعة عالميًا.

مارك بيرانسون: لا تصنعوا أفلامًا للمهرجانات!
مارك بيرانسون

وأضاف أنه حرص خلال مشاركته على نقل خبراته العملية بين العمل في التحرير وإدارة المجلات السينمائية من جهة، وبين مسؤوليات البرمجة واختيار الأفلام في المهرجانات من جهة أخرى، موضحا أن التجربتين متكاملتان رغم اختلاف طبيعتهما، فـ«الناقد يحلل الفيلم ويقرأ رموزه»، بينما «المبرمج يختار الفيلم ويمنحه فرصة الوجود أمام الجمهور»، وكلاهما يسهم في صياغة الوعي السينمائي العام.

وعن تحولات النقد المعاصر، أشار بيرانسون إلى أن المشهد تغيّر كثيرًا خلال العقدين الماضيين، سواء على مستوى المنابر أو طبيعة الخطاب النقدي نفسه، مشيراً إلى أن النقاد من جيله ينظرون بشيء من الحنين إلى مرحلة التسعينات وبدايات الألفية الجديدة، حين كان النقد السينمائي أكثر تركيزًا وعمقًا، وكانت المنصات محدودة لكنها مؤثرة.

وأوضح أن عصر الإنترنت جلب معه تنوعًا كبيرًا في الأصوات، وهو ما يعد جانبًا إيجابيًا لظهور نقاد من خلفيات وثقافات متعددة، لكنه في الوقت ذاته قلّل من سلطة الناقد التقليدي، وجعل المهنة أقل استقرارًا، بعد أن تراجع دور الصحافة المطبوعة وتحوّل النقد إلى هواية أو نشاط جانبي لدى كثيرين.

واعتبر أن التغيّر الأكبر يتمثل في تلاشي مفهوم «الناقد المحترف» الذي يعيش من الكتابة النقدية وحدها، لافتًا إلى أن هذا النموذج يكاد يختفي في أمريكا الشمالية وأوروبا، حيث أصبح أغلب النقاد يعملون في مجالات أخرى موازية، سواء في التعليم أو البرمجة أو الإنتاج.

وأضاف أن وفرة المنصات لم تصاحبها زيادة في جودة الكتابة، مشيرًا إلى أن النقد الجاد بات يواجه صعوبة في أن يجد مكانه وسط طوفان المراجعات السريعة والمنشورات الترويجية التي لا تتجاوز حدود الرأي الشخصي.

وفي حديثه عن العلاقة بين النقد وصناعة السينما، رأى بيرانسون أن تأثير المقالات النقدية على شباك التذاكر لم يعد كما كان في الماضي، قائلًا إن «زمن المقالة القادرة على إنقاذ فيلم أو الإطاحة به في أسبوعه الأول انتهى»، فاليوم أصبحت طرق المشاهدة أكثر تنوعًا، من المنصات الرقمية إلى العروض المستقلة، ولم يعد الحكم التجاري مرهونًا بنجاح الافتتاح.

وأضاف أن المقالة الجيدة لا تزال قادرة على توسيع وعي الجمهور وتوجيه النظر إلى أعمال تستحق المشاهدة، حتى إن لم تغيّر نتائج الإيرادات.

وانتقل بيرانسون للحديث عن تجربته الطويلة في برليناله، موضحاً أن برمجة مهرجان بهذا الحجم تقتضي فهمًا عميقًا لطبيعة جمهوره وثقافة المدينة التي تحتضنه، قائلًا: «برلين ليست كانّ أو فينيسيا، فبينما تعتمد المهرجانات الأخرى على الوهج والنجومية، يظل جمهور برليناله هو الأكبر والأكثر تفاعلًا في العالم، وهو ما يجعل اختيار الأفلام تحدياً خاصًا».

وأوضح أن المبرمج لا يختار الأفلام لذائقته الشخصية فقط، بل يبحث عن التوازن بين القيمة الفنية والتنوع الجغرافي والموضوعي، مؤكدًا أن السياسة جزء لا يمكن فصله عن هوية المهرجان.

مارك بيرانسون
مارك بيرانسون

وأضاف أن «برلين» كانت دائمًا مهرجانًا سياسيًا في جوهره، منفتحًا على القضايا الكبرى، ولا يخشى عرض أفلام تحمل مواقف أو رؤى مثيرة للجدل، مشيرًا إلى أن ذلك الإرث شكّل هوية المهرجان منذ عقود، وجعل منه منصةً للفكر والنقاش إلى جانب الفن.

وعن حضور الأفلام العربية في المهرجانات الكبرى، قال بيرانسون إن المسألة لا تتعلق بالسياسة بقدر ما ترتبط بجودة الأعمال وظروف الإنتاج والتوزيع، موضحاً أن لجان البرمجة لا تستبعد الأفلام العربية عمدًا، بل تعتمد على ما يتاح أمامها من اختيارات.

وأضاف أن هناك دائمًا مساحة أكبر يمكن أن يشغلها الفيلم العربي إذا استطاع المنافسة فنيًا، مستذكرًا عرض فيلم تونسي في المسابقة الرسمية ببرلين كأحد الأمثلة على انفتاح المهرجان على التجارب الجديدة من المنطقة.

وعن السينما السعودية تحديدًا، أشار بيرانسون إلى أنه شاهد بعض إنتاجاتها في السنوات الأخيرة، لكنه لا يعتبر نفسه خبيرًا فيها، مؤكدًا أن الطريق للمشاركة في المهرجانات الكبرى يبدأ من صناعة فيلم صادق يأتي من المكان والثقافة التي ينتمي إليها المخرج.

وقال إن «الفيلم الجيد يجد طريقه دائمًا»، موضحًا أن السعي لصنع فيلم على مقاس المهرجانات قد يحقق فائدة مؤقتة، لكن العمل الأصيل هو الذي يترك أثرًا طويل المدى، حتى وإن لم يُحتفى به فورًا.

وتوقف بيرانسون عند الجدل الذي أثاره الفيلم الوثائقي الفلسطيني – الإسرائيلي «لا أرض أخرى» العام الماضي موضحًا أن اختيار الفيلم تم لأسباب فنية بحتة دون أي تدخل حكومي، وأن الجدل الذي أعقب عرضه كان نتيجة تفاعل سياسي وإعلامي أكثر منه ثقافيًا.

وأضاف أن الحكومة الألمانية تعاملت مع الحدث من منطلق حساسيات داخلية، في حين لم يواجه الفيلم أي اعتراض من الجمهور أو من العاملين في المهرجان، بل نال جائزة الجمهور في قسم «بانوراما»، قبل أن يواصل نجاحه بحصد جوائز دولية وصولًا إلى الأوسكار.

وأشار إلى أن الأزمة أظهرت التناقض القائم بين الاستقلال الفني للمهرجانات والضغوط السياسية المحيطة بها، مؤكداً أن العاملين في برليناله أدوا دورهم بشفافية، وأن الجدل لم ينتقص من قيمة التجربة أو من العلاقة بين الفن والحرية.

ورداً على سؤال حول تأثير الصراعات السياسية في اختيارات المهرجانات، قال بيرانسون إن الموقف يختلف من مهرجان لآخر، فبينما تتجنب بعض المهرجانات، مثل كانّ، الدخول في الملفات الحساسة كالصراع الفلسطيني الإسرائيلي، تميل مهرجانات أخرى مثل برلين إلى الانخراط في النقاشات السياسية، مشيرًا إلى أن هذا التباين طبيعي ويعكس خصوصية كل حدث وثقافته.

وأوضح أن الوضع أكثر تعقيدًا في ما يتعلق بالأفلام الروسية بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، حيث فرضت أوروبا عمليًا مقاطعة ثقافية على الإنتاج الروسي، ما جعل مشاركة هذه الأفلام شبه مستحيلة ما لم تكن ذات تمويل مشترك.

مارك بيرانسون
مارك بيرانسون

واستعاد بيرانسون تجربته الممتدة لخمس سنوات في إدارة البرمجة ببرليناله، معتبرًا أنها كانت فترة مليئة بالتحديات، بدءًا من جائحة كورونا وتقلص التمويل، وصولًا إلى التوترات السياسية الأخيرة، لكنه يرى أن الفريق نجح في الحفاظ على هوية المهرجان وتقديم برمجة متميزة جذبت أكبر جمهور في تاريخه، رغم الصعوبات.

وقال إن «البرمجة ليست مجرد اختيار أفلام، بل هي رؤية تجاه السينما نفسها، وفهم لدورها في العالم»، مشيرًا إلى أن نجاح أي مهرجان يقاس بقدرته على خلق حوار حيّ بين الفيلم والجمهور.

وفي ختام حديثه، قدّم بيرانسون نصيحة لصنّاع السينما والنقاد الشباب في العالم العربي قائلًا إن الطريق إلى التميز يبدأ من الإخلاص للتجربة المحلية وعدم السعي لتقليد الآخر، مضيفًا أن السينما الحقيقية تُبنى من الداخل، من المجتمع والذاكرة واللغة البصرية الخاصة بكل بلد. وختم قائلًا: «لا تصنعوا أفلامًا للمهرجانات، بل أفلامًا للحياة، وحين تكون صادقة، ستصل إلى العالم تلقائيًا».

اقرأ أيضا: ريتشارد بينيا: غياب المقالات النقدية الطويلة أضعف الحوار السينمائي الحديث

شارك هذا المنشور