في مساءٍ هادئ من أمسيات النسخة الثالثة من مؤتمر النقد السينمائي بالرياض، استضافت المنصة يوم أمس الجمعة، أحد أبرز المخرجين الإيطاليين وأكثرهم عمقًا وتجريبًا: ماركو بيلّوكيو، صاحب التجربة الممتدة منذ ستينيات القرن الماضي، والتي مثّلت مرآةً للتحولات الكبرى في إيطاليا بين الدين والسياسة، العائلة والفقد، والفكر والحرية.
بدأ الحوار من سؤال حول المكان في السينما، وهو المحور الذي شكّل ثيمة المؤتمر لهذا العام «السينما.. فنّ المكان». تحدث بيلّوكيو عن رؤيته لعلاقة السينمائي بالمكان قائلاً إن الفضاء في الفيلم لا يُكتب مسبقًا، بل يُكتشف. «حين تكتب السيناريو، ترسم الحوارات والمواقف بدقة، لكن المكان يظلّ غامضًا حتى تراه بعينك وتدرك أنه يُكمل ما كتبته. المكان عنصر جوهري، بل أهم من الزمن أحيانًا، لأنه يمنح القصة نبضها الحقيقي».

ويرى بيلّوكيو أن السينما فعل اكتشاف مستمر، إذ لا يمكن للمخرج أن يعرف مسبقًا كيف ستتحرك الشخصيات داخل الفضاء، لأن المفاجأة هي ما يمنح العمل جماله وحيويته.
من هذا الحديث عن المكان، انتقل النقاش إلى الطابع الساخر في أفلامه، حتى تلك التي تبدو تراجيدية في ظاهرها. أوضح المخرج أن هذه السخرية تنبع من تكوينه الطبيعي لا من نية مسبقة: «حتى في أكثر المواقف مأساوية، تولد عندي تلقائيًا نغمة ساخرة أو لمسة كوميدية خفيفة. هذا جزء من طريقتي في النظر إلى الحياة. في أحد المشاهد، مثلاً، يتحدث الأخوان بجوار جثة أمهما بينما يؤدي أحدهما تمارين جسدية فوق النعش — لم يكن ذلك استفزازًا، بل انعكاسًا لروح المفارقة التي تسكن أعمالي».
ثم تحدث عن تجربته خلال عام 1968 وما حمله من تحولات فكرية وسياسية هزّت أوروبا والعالم. استعاد بيلّوكيو تلك المرحلة قائلاً: «كنت منخرطًا في الحركة الطلابية، أؤمن باليسار وبإمكانية التغيير، لكن بعد 1968 دخلت في أزمة عميقة. لم أكن واعيًا وقتها أن أفلامي كانت تتنبأ بما سيحدث، بل كنت أعيش ذلك الاضطراب الذي هزّ جيلي كله. كانت أزمة هوية وثقافة، وضعتُ فيها موضع شك كل جذوري البورجوازية»، لافتًا إلى أن التصادم في ذلك الوقت بين الحرية والرقابة خلق جيلًا من المخرجين يؤمن بدور السينما كأداة وعي وليس وسيلة للترفيه فحسب.

هذه الأزمة انعكست أيضًا على علاقته بالممثلين، إذ لم يعد يرى التمثيل خاضعًا للشرح أو التوجيه، بل للبحث المشترك عن الجوهر. يقول: «أنا لا أتحدث كثيرًا في موقع التصوير. لا أقدّم خطبًا أو نظريات. أحاول فقط أن أجعل الممثل يلمس ما هو جوهري في الشخصية. حين يفهم ذلك، يصبح حرًّا. مع ممثلين مثل مارشيلّو ماستروياني أو جان ماريا فولونتي، كنت أكتفي بأن أوصل إليهم النغمة الأساسية، وبعدها يتركون أنفسهم للعمل. عندها يصبح المخرج مجرد شريك في الاكتشاف». لافتًا إلى أنه لم يبحث قط عن تفاصيل الشخصيات في ظاهرها، لأن الصراع الإنساني يولد من الداخل.
واستعاد تجربته مع الممثل لوكا إنتروفينيو في أحد أفلامه قائلاً: «في البداية لم نتحدث كثيرًا، لكن ما بيننا كان نظرة وفهمًا صامتًا. كان يحمل في داخله يأسًا عميقًا وحساسية إنسانية نادرة، وهذا ما جعل الشخصية تنبض بالحقيقة. بعد الأيام الأولى لم أعد بحاجة لأن أقول له شيئًا، فقد أصبح يسير وحده، تحكمه العلاقة العاطفية التي نشأت بيننا في موقع التصوير».
أما عند حديثه عن فيلمه «العينان والفم» (Gli occhi, la bocca)، فقد كشف عن جانب شخصي مؤلم من حياته، قائلًا: «كنت أروي مأساة عائلية، مأساة انتحار أخي التوأم. بعد خمسة عشر عامًا على فيلم «قبضات في الجيب»، أردت أن أرى تلك التجربة بعين مختلفة. لوكا، الذي كان بطل الفيلم الأول، عاد هنا رجلاً أكبر سنًا، أكثر نضجًا، يبحث عن خلاص مختلف. في «قبضات في الجيب» كان العنف هو الطريق، أما هنا فالشخصية تبحث عن طريق آخر، عن مصالحة مع الذات، عن معنى آخر للحياة. هكذا تبدّل منظوري بعد خمسة عشر عامًا من التجربة والألم».

ثم تطرّق بيلّوكيو إلى علاقته بالتاريخ الإيطالي الحديث، من مأساة اختطاف ألدو مورو إلى زمن الإرهاب وسقوط الأحزاب. وقال: «أنا لست مؤرّخًا، لكنني أحبّ التاريخ، وأحبّ أن أعيد ابتكار لحظاته الحاسمة. تهمّني الأحداث التي شكّلت وعي إيطاليا: اغتيال مورو، انهيار الحلم الثوري، التحولات التي غيّرت البلاد. لكنني أسمح لنفسي بحرية فنية، ربما «خيانة تاريخية»، لأنها ضرورية للسينما. لا أستطيع أن أتعامل مع الأحداث كما يفعل المؤرخ، بل كما يفعل الفنان الذي يبحث عن الحقيقة الإنسانية خلف الوقائع».
وفي ختام الندوة، بدا بيلّوكيو متأملاً وهو يتحدث عن رحلته الطويلة قائلاً: «في النهاية، السينما بالنسبة إليّ ليست وسيلة لإعادة تمثيل الحياة، بل لفهمها. المكان، الزمن، التاريخ، الذاكرة، كلها محطاتٌ في رحلة بحث واحدة: كيف نحافظ على إنسانيتنا وسط هذا العالم المتغير».
اقرأ أيضا: المخرج الإيطالي ماركو بيلوكيو ضيف مؤتمر النقد السينمائي