تبدو علاقة الجيل «زي» بالسينما اليوم مُلتبسة ومتناقضة أحيانًا. تكشف تقارير وتصريحات حديثة عن مشهد سينمائي معقّد، تتقاطع فيه مخاوف أكاديمية، ومؤشّرات صناعية متفائلة، وتحذيرات تشغيلية تمسّ جوهر تجربة المشاهدة نفسها. ومع تصاعد هذا الجدل، باتت الأسئلة حول طبيعة علاقة الجيل «زي» بالسينما مُلحَّة، هل ينصرف عنها، أم يعيد اكتشافها بشروط مختلفة؟
طلاب السينما مشتّتون!
في محاولة للإجابة عن هذه الأسئلة، يبرز تقرير أكاديمي نشرته مجلة «ذا أتلانتيك»، استعرض نتائج استطلاع شمل عددًا من أساتذة السينما في الجامعات الأميركية. وأكد هؤلاء أنهم رصدوا صعوبة متزايدة في جلوس طلابهم لمشاهدة فيلم كامل ضمن متطلّبات الدراسة.
مشاهدة الفيلم، التي كانت يومًا ما «الحلم الدراسي» لطلاب السينما، تحوّلت إلى تحدٍّ حقيقي في زمن الهواتف الذكية وتشتُّت الانتباه، وفق ما أظهره الاستطلاع الذي أجرته المجلة على عيّنة من أساتذة الجامعات.
وجاءت إجابات الأساتذة مقلقة، إذ أشاروا إلى أنّ بعض الطلاب لا يُكملون مُشاهدة الأفلام، فيما يعجز آخرون عن الإجابة عن أسئلة أساسية تتعلّق بالحبكة أو بالسياق التاريخي. هذا الواقع دفع بعض الأساتذة إلى الاكتفاء بعرض مقاطع مختارة بدل العمل كاملًا. ولا يقتصر هذا التشتُّت على دروس السينما، إذ يمتد إلى مواد أخرى مثل الأدب، حيث تُستبدل الروايات الطويلة بمقتطفات قصيرة.
تعكس هذه الصورة، المُقلقة بالنسبة إلى عشّاق السينما، تهديدًا متزايدًا للعلاقة مع الفيلم بوصفه تجربة زمنية مكتملة، خصوصًا داخل الفضاء الأكاديمي الذي يُفترض أن يشكّل الحاضن الأعمق للتلقّي والتحليل.

جيل يبحث عن تجربته الخاصة
في الجهة المقابلة، يأتي تقرير «قوة العرض السينمائي 2025»، الصادر عن «سينما يونايتد»، ليقلب السردية رأسًا على عقب. فوفق هذا التقرير، كان الجيل «زي» الأكثر ارتيادًا لدور السينما خلال عام 2025، مع نمو في نسبة حضوره بلغ 25 في المائة خلال عام واحد، وهي النسبة الأعلى بين جميع الفئات العمرية.
كما ارتفع متوسط زيارات أفراد هذا الجيل السنوية إلى 6.1 مرات، مقارنة بـ4.9 سابقًا، وذهب 41 في المائة منهم إلى السينما ست مرات أو أكثر. وتشير الأرقام أيضًا إلى أنّ الاستثمارات تجاوزت 1.5 مليار دولار، وُجّهت إلى تحديث الصالات، وتحسين التجربة السمعية والبصرية، وتقديم عروض أكثر تنوّعًا وغمرًا.
يتقاطع هذا التوجُّه مع متطلّبات جمهور الجيل «زي»، الذي يبحث عن تجربة غامرة وحسّية ومختلفة عن المشاهدة المنزلية، ممّا يشير إلى أنّ هذا الجيل يُعيد تعريف علاقته بالسينما وفق شروطه الخاصة.

زمن الفيلم عاملًا ثالثًا في المعادلة
وإنما هذه العودة إلى صالات العرض تصطدم بعامل ثالث يتمثّل في زمن الفيلم نفسه. ففي تصريحات للمديرة الإبداعية لسلسلة «بيكتشرهاوس» البريطانية، كلير بينز؛ أشارت إلى أنّ مدة الفيلم باتت عاملًا حاسمًا في تحديد ما إذا كان الجمهور سيستمر في الجلوس داخل القاعة أم لا.
واعتبرت بينز أنّ تجاوز حاجز الثلاث ساعات أصبح عاملًا طاردًا للجمهور، ومهدّدًا لفرص عرض الأفلام، داعيةً المخرجين إلى إعادة التفكير في الإطالة المُفرطة. وأكدت في هذا السياق أنّ «الأفلام تُصنع من أجل الجمهور، لا من أجل المخرجين».
هل يُغيّر الجيل «زي» شكل السينما؟
عند النظر إلى وجهات النظر الثلاث السابقة، يمكن رصد ملامح تحوّل في ذائقة جمهور السينما الأحدث؛ الجيل «زي». هذا الجيل لا يبدو عازفًا عن السينما، لكنه أقل تحمّلًا للمدد الزمنية الطويلة، وأقل تقبّلًا للتكليفات الإجبارية، سواء في القاعة الدراسية أو داخل صالة العرض.
الشغف إذاً لا يزال حاضرًا، لكن بشروط مختلفة. وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: كيف يمكن للسينما أن تحافظ على جوهرها بوصفها فنًا زمنيًا طويل النَفَس، من دون أن تنفصل عن إيقاع جمهور تغيّرت علاقته بالوقت والتركيز؟